| افتتاحية

لا بديل عن عزل المافيا المخزنية لإسقاطها

في اي وضع سياسي تتشابك القضايا وتتداخل كما يقع لحلقات سلسلة طويلة حيث تتشابك وتتداخل.فمن اجل تحريكها بطرقة جيدة يجب الامساك بالحلقة الرئيسية، لذلك يجب القبض في الوضع السياسي على العقدة الاساسية لكي نتمكن من فهم هذا الوضع وصياغة الشعار المناسب. اليوم تتمثل هذه العقدة في وجود المافيا المخزنية وتدخلها الاخطبوطي في جميع مرافق الحياة الاقتصادية والاجتماعية ببلادنا.انها النواة الصلبة للمخزن وهي تتشكل من كبار المسئولين الأمنيين والعسكريين والقضائيين والإداريين والسياسيين والدينيين ورجال الأعمال وكبار مقاولي "المجتمع المدني" الرسمي وبعض كبار المسئولين النقابيين وغيرهم...وكل ممن لهم نفوذ وسلطة. انها تتحكم في جزء هام من الاقتصاد الوطني بواسطة مختلف أنواع الرشوة والريع والاحتكار وتتجسد ممارساتها المافيوية في: -- التحكم في موارد الدولة واستعمال جزء منها لتقوية موقعها الاقتصادي -- التحكم في القطاع العمومي المنجمي( الفوسفاط) والمالي( صندوق الإيداع والتدبير بالأساس) ومن خلاله التحكم في العديد من المشاريع الصناعية والسياحية والسكنية وغيرها واستعماله كصناديق سوداء لا تخضع للمراقبة والمحاسبة. -- الرشاوى على صفقات الدولة،خاصة في المشاريع الكبرى -- التحكم في التراخيص المختلفة( الصيد البحري، المقالع، النقل) والاستفادة منها مباشرة( الضباط السامون، كبار المسئولين الإداريين والأمنيين) أو منحها للأثرياء مقابل رشاوى. -- المساهمة في الشركات الكبرى مقابل الحماية أو الاستفادة من امتيازات جمركية أو ضريبية وهي ممارسة مافيوية بامتياز. -- حماية الاقتصاد ذي الطابع الإجرامي: إنتاج وتجارة المخدرات، وخاصة تصديرها، وتهريب البضائع و الأموال إلى الخارج ونحو الجنات الضريبية، وذلك إما من طرف نافذين كما تبين في قضية بانما بيبارز أو مقابل رشاوى بالنسبة للأثرياء من خارج المافيا المخزنية. -- الاحتكار الذي يتم التنظير له بضرورة التوفر على "أبطال وطنيين" والذي يتقوى ويمس عددا من القطاعات: التجارة الداخلية( مرجان و أسيما)، الاتصالات( "اتصالات المغرب"، "مديتيل" و"انوي")، البنوك وقطاع البناء وغيرها. -- استغلال الريع الذي يكتسي أشكالا مختلفة( تراخيص الصيد والمقالع والنقل، تفويت أراضي فلاحية أو في المجال الحضري بأثمان بخسة...). ومن الواضح أن استمرار ونمو المصالح الاقتصادية للمافيا المخزنية يتم على حساب الأغلبية الساحقة للشعب المغربي، بما في ذلك البرجوازية الكبيرة الغير مندمجة في هذه المافيا. ومن البديهي أيضا أن الكلام عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمجالية مجرد كلام فارغ في ظل هيمنتها. وبسبب مراكمة هذه المافيا للثروة بفضل مواقعها في السلطة وبشكل لا شرعي ولا مشروع، فإنها ستدافع حتى آخر رمق على نفوذها وامتيازاتها الضخمة وبالتالي فإنها تشكل ألد وأشرس عدو لشعبنا. هكذا نكون قد وقفنا على العقدة الاساسية في الوضع القائم ببلادنا وعليه تصبح مهمة عزل هذه المافيا المخزنية وإسقاطها هي المهمة المهيكلة لكل البرنامج النضالي.فكيف نواجه المافيا المخزنية؟ ان المافيا المخزنية لا يمكن أن تترعرع إلا في ظل نظام استبدادي وفاسد لأنه الضامن لاستمرارها واستمرار اضطهادها وقمعها للشعب وافتراسها للخيرات الوطنية واستغلالها المكثف للطبقة العاملة وعموم الكادحين. لذلك تواجه بقوة أية محاولة جدية لبناء نظام ديمقراطي حقيقي وتستعيض عنه بديمقراطية مزيفة وصورية تشرعن للاستبداد والحكم الفردي المطلق. فالديمقراطية الحقيقية تعني من بين ما تعني: -- السلطة والسيادة للشعب بينما تسعى المافيا المخزنية للحفاظ على جوهر السلطة في يدها، وذلك بواسطة دستور لا ديمقراطي يشرعن لاحتكارها لكافة السلط العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية ولعبة سياسية لا رهان ولا طعم ولا جدوى لها ومؤسسات "ديمقراطية" شكلية لا تمثل الشعب المغربي بل تكرس الاستبداد والقهر. -- ربط المسئولية بالمحاسبة وهو ما ترفضه وتواجهه المافيا المخزنية: عدم الإفلات من العقاب في الجرائم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية وغيرها وهو ما حاربته المافيا المخزنية بكل ما أوتيت من قوة. وكمثال مناهضتها الشرسة للمحاسبة على جرائمها السياسية وفرضها، عمليا، اقتصار مقاربة جبر الضرر بالنسبة لضحايا الانتهاكات الجسيمة على الجانب المادي في إطار "هيئة الإنصاف والمصالحة". وفيما يخص الجرائم الاقتصادية، اختزال المسئولية عن الاختلاسات الهائلة التي أوصلت العديد من المؤسسات العمومية إلى حافة الإفلاس في بعض المدراء المرتشين والسكوت عن كون الوضع الكارثي لهذه المؤسسات ناتج عن كون المافيا المخزنية تعتبرها صناديق سوداء تتصرف فيها كما تشاء وتستصدر قرارات العفو او الحصانة في حق مهربي الأموال للخارج والتهرب الضريبي وباقي الواجبات تجاه الشغيلة في القطاع او الدولة، من طرف الحاصلين على كريمات النقل ورخص الصيد في أعالي البحار. -- احترام حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية بينما المافيا المخزنية تمتهن كرامة الإنسان وتدوس على حقوقه، بما في ذلك حقه المقدس في الحياة، وتقمع و تضيق على أبسط الحريات، إما بواسطة القوانين الرجعية أو القوة العمومية، كحرية التعبير( استعمال كل الوسائل لتدجين الصحافة الورقية والإلكترونية، احتكار الإعلام السمعي-البصري العمومي الممول بأموال الشعب أو الخاص بواسطة التحكم في الإشهار) والتنظيم والتظاهر. أما انتهاك الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فحدث ولا حرج. إن المافيا المخزنية أسست وكرست استبدادها وتغولها بواسطة احتكارها للسلطة التأسيسية مما مكنها من وضع دساتير لا تمت للديمقراطية بصلة. وتجربة الدساتير الممنوحة منذ 1962 خير برهان على ما نطرح. كما أنها مارست استبدادها واضطهادها للشعب بواسطة هيمنتها على الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية والسياسية والاقتصادية والحزبية والدينية والإعلامية المخزنية. إن أمضى سلاح في مواجهة المافيا المخزنية هو النضال من أجل الديمقراطية الحقيقية. الشيء الذي يتطلب: -- نزع السلطة التأسيسية من المافيا المخزنية وجعلها في يد الشعب. -- تفكيك الأجهزة المخزنية الحالية: ولعل أول خطوه في هذا الاتجاه هي إخضاع المسئولين المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان للمحاسبة. ولذلك يكتسي شعار عدم الإفلات من العقاب في الجرائم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها أهمية وراهنية كبيرتين. -- الدفاع المستميت على حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية، وخاصة حرية التنظيم والتعبير والتظاهر والاحتجاج. لقد انتزع شعبنا بنضاله حقه في الاحتجاج في الشارع وتوفر له أدوات التواصل الاجتماعي إمكانيات هامة للتعبير عن همومه ومطالبه ومطامحه وللتواصل. ويجب الدفاع على هذه الحقوق والحريات والسعي إلى توسيعها في مواجهة محاولات النظام التراجع أو الالتفاف عليها. لقد أظهرت التجربة استحالة هزم هذه المافيا بواسطة العمل في المؤسسات التمثيلية وبينت، في المقابل، إمكانية تحقيق بعض الانتصارات بالنضال من خارجها. لذلك من واجب كل الديمقراطيين وكل الغيورين على مصلحة الشعب الانخراط، بقوة وحماس، في الانتفاضة الشعبية ضد الحكرة والمخزن ومن أجل الحرية والكرامة والديمقراطية التي فجرتها حركة 20 فبراير المجيدة ولذلك وجب الحفاظ على جذوتها وتوسيعها وتطويرها. لذلك نرى ان مهمة توضيح الرؤية حول مهمة عزل المافيا المخزنية وإسقاطها والاتفاق على التشخيص لهذه العقدة باعتبارها عقدة مركزية، سيمكن القوى المناضلة من التوفر على مدخل مهم في تحديد اولويات البرنامج النضالي.اننا ندعو الجميع لفتح اوسع نقاش حول هذه النقطة وتدقيق التحليل واقتراح الشعار المناسب.ان مم شان ذلك ان يسهل مأمورية تحديد البرنامج النضالي الخطة الكفيلة بتحقيقه،و سيساعد القوى في بناء ادوات النضال لحشد القوى وخلق موازين القوة.من بين اهم ادوات النضال هو بناء الجبهات الميدانية الواسعة حول المطالب الاجتماعية والسياسية.لا بد لهذه الجبهة الميدانية ايضا من ان تكون مسنودة من جبهة ديمقراطية سياسية تقدم الشعارات السياسية الرامية لتحقيق هدف عزل هذه المافيا وتوفير شروط اسقاطها وإقامة البديل الديمقراطي الذي يفتح طريق تحرر شعبنا من الاستبداد والحكم الفردي المطلق.

.