| افتتاحية


النظام السائد يتقوى بفقر وهشاشة الشعب

أن تموت 15 امرأة كادحة تحت الأقدام، في تدافع مذل من اجل الحصول على قفة مواد غذائية ب 150 درهما في منطقة الصويرة المفقرة، أن يحدث هذا غداة خطاب الاعتراف بفشل المخطط التنموي المتبع من طرف الدولة؛ فإنه يحمل البرهان القاطع على أن النظام أوصل البلاد إلى عتبة الافلاس الاقتصادي والاجتماعي وان الدولة دخلت نادي الدول الفاشلة.
اعتبرت دائما سياسية تفقير الشعب والحفاظ عليه في خانة الفاقة والاحتياج، من أهداف سياسة تنهجها الدولة و ترغب فيها. إنها سياسة تسمح بالتحكم في التوازنات الاجتماعية وتصنع الخريطة الطبقية والهرمية المجتمعية. في فلب هذه السياسة توظيف الفقر كوسيلة للتحكم في الدينامية الاجتماعية. بموجب هذه السياسة يصبح الخروج من خانة او مربع الفقر احد طموحات العديد من المفقرين والمهمشين مما يسمح للدولة بخلق الأتباع والزبائن. ولتحقيق هذا المطمح لا بد للمعني بالأمر من تقديم بعض الخدمات والاستعداد لبيع نفسه والاشتغال كتابع او مسخر. هذا جزء من سياسة الدولة وهناك تكملة لها لما يتعلق الامر بالسلم الطبقي في شقه الاعلى حيث تهتم نفس هذه السياسية بهدف خلق النخب وتوسيع القاعدة الاجتماعية. ولذلك تجدها تسخر آليات مختلفة منها الاستقطاب السياسي ومنح منافع على شكل ريع يوفره القرب من الدوائر العليا للدولة والمخزن.
إن سياسة التفقير المنهجي ليست اكتشافا للدولة المغربية بل هي خطة طبقتها واستعملتها البرجوازية في عصر استيلائها على وسائل الانتاج بغاية توفير يد عاملة رخيصة وجيش احتياطي يستغل في مواجهة الرأسمال للطبقة العاملة. ما نلاحظه اليوم وتؤكده كل المعطيات الكمية ان خريطة توزيع الفقر ببلادنا قسمت المغرب ولا زالت بين مغرب نافع وغير نافع. وكل ما قامت به الدولة في هذا المجال هو سعيها للتحكم في هذه الخريطة وفي التوزيع المجالي لآفة الفقر وليس محاربته او القضاء عليه. ولهذا الغرض دشنت الدولة سياسة مركبة ومتنوعة الوسائل. كان من بين اهم هذه الوسائل استعمال الوسيطة الدينية عبر تدخل المحسنين لتوزيع المعونة نقدا اوعينا. وتم اللجوء الى هذا الوسيلة لتحقيق هدفين مزدوجين، يتجلى الهدف الأول، في توصيل تلك المعونات الى فئات معينة من الجماهير وربطها بهؤلاء الموزعين اي المحسنين الذين يستعملون قنوات المساجد والزوايا وهذا هو الهدف الثاني، بحيث تسمح هذه القنوات وهؤلاء المحسنين من توسيع نفوذ والقاعدة الاجتماعية لهذه المؤسسات الدينية وبالتالي خدمة اغراض وأهداف مؤسسة امير المؤمنين. لكن ظهر ان هذه الوسيلة أصبحت سلاحا ذو حدين؛ خاصة بعد أن اخترقتها تنظيمات الإسلام السياسي بمختلف تلاوينه: الوهابي منها أو الإخواني أو الجهادية التكفيرية. انقلبت هذه الوسيلة الى وكر خرجت منه تهديدات حقيقية للنظام تمثلت في تفجيرات 16 ماي 2003 وما تلاها من تواتر اكتشاف الخلايا الجهادية في الداخل والخارج الزعم بتهديداتها الوشيكة. هكذا اضطرت الدولة لمراجعة هذه الوسيلة وضبطها اكثر عبر ما سمي في الولايات المتحدة وفي غيرها من البلدان بتجفيف منابع تمويل الجهاديين التكفيريين وحرمانهم من اهم وسيلة الاستقطاب اي توزيع المال والمعونات على المفقرين والمهمشين. استعملت الدولة آلية جديدة وهي ما سمته “بمبادرة التنمية البشرية” وتولى الملك شخصيا في اطار الترويج الدعائي لقربه من الفقراء ونعته ب “ملك الفقراء”. هكذا نظمت حملات بتغطية اعلامية قوية حول توزيع القفف بمناسبة رمضان أو غيره. لقد اصبحت المؤسسة الملكية هي الجهة الرسمية المشرفة على مهمة التوزيع العمومي للمعونات، وتقلصت ظاهرة المحسنين الى حد كبير ولم يسمح بها إلا لقلة مختارة حسب معايير شديدة وبتزكية استخباراتية مثل حالة السيد الحديدي المتسبب في فاجعة الصويرة والذي خرج منها سليما وبدون متابعة.
ان الفقر ببلادنا هو ظاهرة بنيوية وسببه الاستغلال الفاحش للإنسان والطبيعة من طرف برجوازية وكيلة للرأسمال الامبريالي وملاك الاراضي الكبار وبرعاية جهاز دولتها. في بلد يتمتع بخيرات هامة في جوف الأرض من فوسفاط ومعادن نفيسة، و فوق سطح الارض من مزارع وغابات وفي البحار؛ ففي بلدنا هذا ليس الفقر قدرا محتوما، بل هو نتيجة اختيارات فرضتها سياسة ظالمة مطبقة عنوة.
لكن للفقر جانب آخر تعتقد الكتلة الطبقية السائدة انه معدوم ولا يشكل عليها أدنى خطر، ويتمثل في إمكانية ان يتحول الى صاعق يوقد ويؤجج الصراع الطبقي. طبعا لن يتمكن من لعب هذا الدور اذا بقيت الجماهير المفقرة ترزح تحت كلكل الفاقة والحاجة وإذا لم يكن هناك ارتباط مباشر من طرف الطلائع المناضلة التي توضح اسباب هذا الفقر وتشير إلى متسببيه بالاسم والصفة. إذا لابد من توعية تنطلق من الخصائص والمميزات لكل فئة اجتماعية ولكل جهة من جهات البلاد وتاريخها مع هذه الآفة، وكيف نشأت وتطورت وما هي الاجراءات من اجل الخلاص الجماعي منها. ان محاربة الفقر الناجعة لا يمكنها ان تكون إلا جماعية ومنظمة تراكم المكتسبات وتنتزع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لجماهير شعبنا. وهذه المهمة في نشر الوعي وتنظيم المفقرين هي مهمة جميع القوى المناضلة نقابية أو جمعوية أو سياسية، ولذلك يجب التصدي لها بروح وحدوية وعقد الاشكال المناسبة لذلك وحسب الحالات الملموسة. إذا توفرت هذه الإرادة فإن الدولة والنظام سيفقدان حليفهما الفقر الذي يوظفانه في إحكام وإطباق سيطرتهما الطبقية على شعب.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com