| افتتاحية

مرة أخرى وابدأ الشعب في واد والمخزن في واد

بأي معنى يجب النظر الى تعنت النظام في بعث رسائله الأخيرة ومنها إعطاء رئيس الدولة ومحيطه كل الأولوية الإعلامية والبروتوكولية للأنشطة الرسمية بالخارج بل حتى قضاء العطل والاستجمام؟ بأي معنى يستغرق تشكيل الحكومة أكثر من 6 أشهر وتسيير البلاد بدون قانون المالية لما يزيد عن 6 أشهر؟ بأي معنى يتم الحسم في قضايا استراتيجية بشكل انفرادي تسلطي كإعلان الحرب على اليمن أو العودة للاتحاد الإفريقي وإرجاع العلاقات الدبلوماسية مع كوبا.. الخ. ليس من تفسير او من معنى لذلك إلا الترجمة الحقيقية لطبيعة النظام القائم كنظام مستبد لا يقيم وزنا لحق الشعب في اتخاذ القرارات المصيرية او حتى المشاركة فيها عبر ممثليه المزعومين. إن النظام المخزني ماض في تثبيت ركائزه مستعملا كل ما يراه من اجل الاجهاز عن آخر ما انتزعته منه حركة 20 فبراير المجيدة من مكتسبات او فرضت عليه من تراجعات. يعتقد النظام ان روح حركة 20 فبراير قد ذهبت إدراج التاريخ، وبان الوقت مناسب لاسترجاع المبادرة. لكن الوقائع على الأرض تفند هذا الزعم. بل ما نراه ونلمسه هو ما يجري اليوم، يمكننا اعتباره سريان روح حركة 20 فبراير في وجدان الجماهير الكادحة. سريان إلى حد أن هذه الجماهير باتت تبادر بطرح مطالبها الفئوية والجزئية او العامة والشاملة وفق تلك الروح وفق جرأتها، وفق شعاراتها وأساليب نضالها. يهمنا هنا التطرق الى تجربة حركة النضال ضد الحكرة والتي استوطنت في منطقة الريف. إن هذه الحركة بدأت مع حادث مأساوي بكل المقاييس، وما حملته رمزية طحن مواطن شاب كادح في حاوية الزبال. كان لهذا الحادث وقع الزلزال الذي هز مدينة الحسيمة باعتبارها عاصمة منطقة عاشت تاريخيا تحت وطأة سياسة انتقامية للسلطة المركزية كانت نتيجتها تهميش جزء أساسي من الشعب له تاريخ نضالي ضد الاستعمار والوجود الامبريالي بالمغرب. حمل مشعل الاحتجاج على واقع التهميش شباب الحسيمة الذي سرعان ما التحق به شباب مختلف المدن والبلدات بالريف. لازالت الحركة تتوسع صامدة وتبدع في الاشكال النضالية رغم القمع والاعتقالات والبلطجية ومناورات السلطة المحلية والمركزية والأحزاب والجمعيات الرجعية التي تسعى إلى شيطنتها و/أو اختراقها و/أو الالتفاف عليها للقضاء عليها. هكذا استوطنت الحركة الاحتجاجية في منطقة مهمشة وبدأ الحراك بها يبني التنظيمات الذاتية ويبلور البرامج والملفات المطلبية لجميع الساكنة المنخرطة في النضال. على هذا المنوال التقطت المبادرة فئات واسعة من الجماهير الكادحة في العديد من مناطق البلاد ومنها خصوصا تلك المطالبة بالأرض والماء وفي طليعتها النساء السلاليات ومنها أيضا تلك الفئات المطالبة بالسكن اللائق او حتى الدفاع عن سكنها القصديري أو الهش ضد مافيات انزع الأملاك وإفراغ الساكنة من اراض باتت تشكل جزءا من وعاء عقاري يدخل ضمن برنامج التهيئة والمضاربة العقارية. كما خرجت فئات هشة تطالب بحق عرض بضاعتها البسيطة على الرصيف في انتظار ايجاد مناصب الشغل الحافظ للكرامة، ومن بين هذه الفئات العديد من الشباب حامل الشواهد المعطل. ينضاف إلى هذه الفئات الواسعة تحركات محدودة لكنها مرشحة للمزيد من التوسع وهي ما يتعلق بالحق في الاستشفاء وفي التعليم وفي النقل الجيد والضامن للسلامة وحفظ الأرواح. اما الطبقة العاملة سواء في المعامل أو في الضيعات أو الناجم وفي اعالي البحار أو الصيد الساحلي، فإنها تتعرض بدورها الى اشرس حملة استغلال مرافقة بتواطؤ الدولة بمحاكمها وإداراتها ومفتشية شغلها. لقد تفاقمت ظاهرة الهشاشة نظرا لوثيرة الاغلاقات أو تسهيلات إعلان الافلاس مما هيئ اجود الشروط لانتشار سماسرة العمل، تجار العبيد العصريين أي شركات الوساطة. أصبحت جميع الشركات سواء العمومية او الشبه عمومية او الخاصة تتسابق في خرق القانون وفي عدم احترامه ولو في شكلياته. وفي هذا الإطار يكون اول مستهدف هو العمل النقابي والذي اصبح في الواقع عملا محظورا أو ممنوعا. رغم هذا الواقع المرير فان الطبقة العاملة تخوض اليوم في العديد من المواقع نضالات متنوعة وبأشكال مبتكرة لم يكن لها ان توجد لولا الهام روح حركة 20 فبراير التي سكنت وجدان حتى الطبقة العاملة المغربية والتي يتبجح الكثيرون بأنها لم تلتفت للحركة. في هذا الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتأزم والذاهب الى عنق الزجاجة بحكم السياسات العمومية للنظام، وبحكم هذه الاستعدادات الكبيرة للنضال بل المبادرات العفوية والتي بدأت تتطور خارج اي فعل منظم وبفعل هذا الضغط الهائل الذي تتعرض له الطبقة العاملة يطرح سؤال مهام اليسار والقوى المناضلة. وحده اليسار المكافح هو من سيطرح على نفسه سؤال ما لعمل؟ طبعا من منطلق طبقي منحاز للطبقة العاملة وعموم الكادحين. وسيحاول الجواب بكل جرأة وشجاعة. انه سيجيب انطلاقا مما تستوجبه المرحلة وما تطرحه من مهمات نظرا للاستعدادات الشعبية للنضال. لن يلتفت إلى خذلان او انتهازية اطراف اخرى من اليسار ليبرر التقاعس والتخلف. لذلك نعتبر أن على هذا اليسار المكافح أن ينخرط في الميدان بجانب الجماهير واعتبارها وحدها من سيحقق المكاسب. سيعمل في العمق الشعبي وسيساعد على بناء التنظيمات الذاتية المستقلة والتي من خلالها تعبر الجماهير عن مطالبها وملفاتها. كما سيعمل على افتكاك تلك التنظيمات التي استولت عليها القوى الرجعية او الانتهازية لتعود إلى صف الجماهير. سيناضل هذا اليسار بعقلية المشاركة الشعبية وليس بعقلية الانابة عن الجماهير والاكتفاء بالنضلات الرمزية وببعث الرسائل إلى النظام لكي يستجيب. سيناضل هذا اليسار من اجل لف الجماهير في الساحات الميدانية حول اي مطلب تنهض الجماهير حوله. سيناضل من اجل بناء جبهة جماهرية ميدانية تساهم فيه كل القوى المستعدة والمنخرطة فعلا في النضال والتطاير. سيناضل هذا اليسار لكي ينتصر خط النضال الشعبي الجماهير الحازم تجاه الاعداء الطبقيين وعلى رأسهم النظام المخزني الذي مافتئ يعطي الإشارات انه استعاد المبادرة. سيناضل هذا اليسار المكافح ليقنع الحلفاء والأنصار بان النظام في واد والشعب في واد اخر وان الصراع صراع إرادات متناقضة طبقيا. إرادة الاستبداد والاستغلال يمثلها نظام يأبى الإصلاح، وإرادة شعب يطمح في التحرر وفي الديمقراطية والعيش الكريم. هكذا سينهض نضال شعبنا وتتحقق كل مطالبه التي حملتها حركة 20 فبراير. إن ما يجري على الارض هو اليوم تجسيد لانغراس روح التحدي للظلم وللحكم الاستبدادي والحكم الفردي. إن شعبنا يثبت لمن عنده شك بأنه متشبث بمبادئ الحرية والمساواة وأنه ذاهب لانتزاعها وجعلها عنوان للوطن والوطنية المقبلة وطن الأحرار وطن لا مجال فيه للاستغلال الطبقي.

.