الحراكات الشعبية هي التعبير الاجتماعي لتململ طبقي

بعد موجة حركة 20 فبراير 2011 يعرف المغرب موجة ثانية من الحركات الشعبية قوية ذات مميزات نوعية. وهذه الحركات الاجتماعية متواصلة غير منقطعة خاصة منذ نهاية 2016 الى يومنا هذا.
على خلفية البطالة المتفشية في صفوف شباب الريف، وانعدام آية آفاق وبمفعول طحن السماك محسن فكري مع بضاعته في حاوية الزبال، وما جسدته من فظاعة الحكر، انفجرت الحراكات الاحتجاجية في الريف وصاغت في خضمها جماهير الريف ملفها المطلبي والذي لا زال عالقا بل كان جواب الدولة الوحيد هو البطش والقمع. لم تهدأ الاوضاع بالريف ولا زالت جباله تردد صدى الشعارات ودوي انفجار القنابل المسيلة للدموع حتى خرجت ساكنة مدينة جرادة ونواحيها في حراك شعبي حاشد، بعد أن شيعت الجموع جثامين العاملين الأخوين الحسين وجدوان شهيدي الرغيف الأسود. بدورها كانت الأوضاع الاقتصادية البئيسة والأزمة الخانقة التي غرقت فيها منطقة جرادة بعد إغلاق “مفاحم المغرب” وبعد سلسلة الوفيات والقتلى التي حدثت في ساندريات الفحم الحجري حيث يشتغل العمال كعبيد سخرة يستغلهم أباطرة الريع في المنطقة؛ وبعد أن استقالت الدولة من جميع مسؤولياتها تجاه المنطقة التي تحولت الى جهة منكوبة.
في الريف كما في جرادة كانت جماهير الكادحين المفقرين وفي طليعتهم الشباب هي من بادرت ونظمت المسيرات والوقفات الحاشدة. اذا كانت هذه الجماهير قد ابدعت في أشكال تنظيم حركاتها الاحتجاجية، حيث اعتمدت على نفسها وعلى قدرتها في الصبر والصمود وطول النفس، وعلى خطة صياغة ملفاتها المطلبية بطريقة أثارت إعجاب الجميع، لأنها اعتمدت آليات الديمقراطية المباشرة وشكلت لجان اليقظة واللوجيستيك والمفاوضات وتنظيم الجموعات العامة وصياغة المطالب وخوض الحوار والمفاوضات. لقد كان لهذه الحراكات طابعها الاجتماعي المميز وهو اعتمادها على المتضررين انفسهم ونهوضهم للدفاع ولطرح مطالبهم هم بأنفسهم وبدون وسائط. ولأنهم هم من يناضل في الساحة، فإنهم ومن اجل تحصين حركتهم، رفضوا كل أشكال الاختراق او الركوب على تحركهم النضالي لإجهاضه أو تحويله عن اهدافه الاصلية. كانت هذه الميزة من ابرز المستجدات في نضال جماهير شعبنا ولعلها اعلان عن دخول النضال الجماهيري مرحلة نوعية تختلف جوهريا عن ما كانت تعيشه الجماهير من تحريك وتوظيف وحتى تسخين الاجواء من طرف قوى لا يهمها إلا ما تنزعه في المفاوضات وراء الابواب الموصدة مع الدولة وأجهزتها لتقسيم المنافع.
وكان لهذه الوضعية ومستجداتها نتائج سياسية كبيرة منها:
+ التأكيد الواضح على ان ما كانت الدعاية الرسمية تدعيه بكون مقاطعة الانتخابات وغيرها هي فقط عزوف وعدم اهتمام او حتى حالة الغفلة السياسية؛ أكدت هذه الوضعية على ان مقاطعة الانتخابات هو موقف واعي نتيجة تراكم لدروس اكتسبتها الجماهير بالا جدوى او نفع يرجى من الانتخابات المغشوشة ومن مؤسساتها.
+ ولكونها قاطعت المؤسسات الانتخابية وأسقطت شرعيتها، فإنها بلورت البديل عن ديمقراطية الإنابة، بديمقراطية جديدة، ديمقراطية المشاركة المباشرة والمؤطرة باللجان والمجالس المنتخبة مباشرة من القواعد.
+ أكدت أيضا بان الطريق القصير لتحقيق الملف المطلبي هو تعيين الجهة المسئولة والتي توجه المطالب ضدها عبر تبني نضال الشارع والضغط والمفاوضة المباشرة حول الملف المطلبي لفرضه ومتابعة الانجاز.
إذا كان لحراكات الريف وزاكورة وجرادة وتندرارة. . . وقبلها افني، الفضل في إبراز النهوض المباشر للمتضررين من الاستغلال والنهب والحكرة والتهميش والالتحاق بكثافة بالحركة الاحتجاجية؛ فقد كشفت حملة مقاطعة ثلاثة منتوجات التي انطلقت يوم 20 ابريل 2018 الفضل، في كشف حقيقة اجتماعية جديدة وهي التحاق الطبقات الوسطى من برجوازية صغيرة وفئات من البرجوازية المتوسطة بالنضال الاجتماعي. وقد استعملت هذه الفئات احدث الوسائل في الدعوة لحملة المقاطعة وبأسلوب شل يد الاجهزة الامنية لقمع الحركة الاحتجاجية. وقد استطاعت هذه الفئات الاجتماعية بتنظيمها الحملة، أن تصمد وان تجلب عطف ومساندة الطبقات الكادحة من عمال ومفقري المدن وأحزمتها وفي البوادي.
يتضح من كل هذه الحراكات الاجتماعية أن النفس النضالي والسيرورة الاحتجاجية الراهنة اكتست طابعا طبقيا صلبا وان كل الفئات المتضررة هي من يناضل ويساهم في صياغة الملف المطلبي ويبلور سبل ووسائل النضال. اننا امام تحول نوعي في خوض الصراع الطبقي والذي انتقل من شكل خوضه عبر الحقل السياسي المعزول او الذي يسعى إلى التوظيف، إلى مرحلة انتقال مركز القيادة تدريجيا الى يد المتضررين المباشرين وبحثهم على فرز المعبر السياسي بشكل خاص والفكري بشكل عام. انها لحظة نشوء وبناء التنظيمات الجديدة المرتبطة قلبا وقالبا بالسيرورة النضالية الجديدة. وبالنسبة لنا نحن في النهج الديمقراطي، ليس هناك من اعظم وأحسن من هذه اللحظة لكي ننطلق بدون تردد او وجل في انجاز مهمتنا المركزية كما حددها مؤتمرنا الوطني الرابع؛ وهي مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين الذين في صلبهم الفلاحون الفقراء والمعدمون.