الهجرة نتيجة حتمية لفشل الاختيارات السياسية للدولة

تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صورة مركب مطاطي يحمل العشرات من الشباب المغربي تتوسطهم عائلة مكونة من شاب وزوجته تحمل بين ذراعيها رضيع لم يتجاوز سنة، كل هؤلاء تتقاذفهم أمواج البحر وعيونهم مسمرة على الضفة الشمالية من البحر الأبيض المتوسط. الأغلبية الساحقة من شباب المغرب لا تحلم إلا بفرصة مغادرة أرض المغرب، وبأية وسيلة ومهما كان الثمن حتى ولو كان هو الموت غرقا. الكثير من هؤلاء الشباب الذي يقدم على مغادرة المغرب بحرا سبق له أن جرب نوعا آخر من الهجرة، وهي تلك التي بدأت يوم رحيله من دواره أو قريته أو مدينته الصغيرة إلى إحدى المدن الكبرى.

بالمغرب أصبحت الهجرة عملية مركبة، تبدأ بالهجرة والاقتلاع من العائلة ومسقط الرأس واللجوء إلى التيه والضياع بين أحياء وشوارع المدن الكبرى مع ما يعنيه ذلك من بطالة وجوع وتشرد والاضطرار إلى الاشتغال، إذا سنحت الفرصة، في شروط العبودية والمهانة. في هذه المرحلة، وعن تجربة، يتأكد هذا الشباب بأن جل الأبواب موصدة، فيحل اليأس والإحباط محل الأمل والأحلام التي غذاها طيلة الدراسة والتكوين. هكذا يجد الشباب نفسه مدفوعا إلى البحث عن مخرج من دوامة البطالة والفقر واليأس وليس أمامه من اختيار إلا ركوب مخاطر الهجرة إلى الخارج لتبدأ رحلة المغامرة والخطر.

إن إجبار الشباب خاصة وجماهير الكادحين على الهجرة الداخلية أو الخارجية يعتبر أمرا مخططا له، إنه ثمرة سياسات واختيارات منهجية موضوعة عن قصد. لإدراك ذلك لا بد من الرجوع إلى جذور هذه السياسة كما وضعت في العقود الأولى من التغلغل الاستعماري للمغرب؛ لقد خططت السلطات الاستعمارية للاستيلاء على أجود الأراضي المغربية، وتمليكها للمعمرين من جهة لإقامة مزارعهم الفلاحية الرأسمالية، وضمان تزويد السوق الأوروبية بالمنتجات الزراعية من حبوب وخضر وقطاني ولحوم وألبان وصوف، ومن جهة ثانية من أجل نهب المعادن. إن سياسة نزع الأراضي مكنت أيضا تجريد الفلاحين من حق الملكية وتحويلهم إلى جيش احتياطي من اليد العاملة لوضعها تحت تصرف الصناعات الكبيرة والمتوسطة بأوروبا أو كجنود تساق في صف الجيوش الاستعمارية. هذه هي السياسية التي رسمت ملامح المغرب بشكل نهائي، وقسمته إلى قسمين: “مغرب غير نافع” استنزفت ساكنته إلى آخر قطرة، و”مغرب نافع” حيث استقرت سلطات الحماية لتعوضها أجهزة دولة المخزن الحالية. كانت تلك هي الدوافع الأولى التي تولدت عنها الهجرة الحديثة. كل التطورات اللاحقة زادت من تفاقم شروط العيش خاصة مع تناوب سنوات طويلة من الجفاف والتصحر وعجز الدولة عن وضع سياسة تنموية حقيقية عبر تعبئة المياه السطحية أو الجوفية لكي تستقر الساكنة في بلداتها.

لقد كانت هذه المناطق خزانا بشريا استغلته الشركات الامبريالية لجلب اليد العاملة لصناعاتها المنجمية، أو للاشتغال في الأنشطة الأكثر خطورة على اليد العاملة والتي كانت الطبقة العاملة الأوروبية ترفض الاشتغال فيها إذا لم تتوفر شروط الصحة والسلامة. فبفعل حجم هذه الهجرة، عاش المغرب في بداية الستينيات من القرن الماضي لحظة استنزاف قواه العاملة حيث هجر شباب دواوير وقرى عن بكرة أبيهم. لكن مع إغلاق مناجم الفحم الحجري بدأت الهجرة تعرف تراجعا وأطلقت الدول الأوروبية حملة الهجرة المضادة مع ما صاحبها من   مطاردة للمهاجرين، والتآمر عليهم لإرجاعهم وإجبارهم على الاستقالة أو إمضاء عقود المغادرة مقابل تعويضات تافهة.

ستعرف سنوات ثمانينيات القرن الماضي انحصارا وتراجعا للهجرة ولم تعد الأبواب مفتوحة إلا لبعض الشركات التي تبرم عقود العمل وتحت مراقبة صارمة. منذ ذلك الوقت ومع تفاقم الأزمة البنيوية للرأسمالية ستصبح الهجرة خاضعة للكثير من القيود، بل أصبحت من مكونات السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي يفاوض عبرها ويفرض شروطه على أنظمة الدول التابعة. وفي إطار هذا تشديد القيود على الهجرة، ستظهر سوق الاتجار في البشر ومافيات متخصصة في تنظيم الهجرة، وهي اليوم المستفيد الأكبر من بؤس وعطالة  شباب المغرب، وهي من يستنزف الكثير من العائلات المضطرة إلى تمويل تهجير أبنائها رغم أخطار الغرق بحرا.

هناك مفارقة تفضح طبيعة الدول الامبريالية التي في الوقت الذي أوصدت فيه الباب أمام هجرة السواعد المعطلة، نجدها تشجع على هجرة العقول والكفاءات العلمية والتقنية. إنها خطة ميكيافلية وخبيثة، جوهرها استغلال كل التضحيات التي تحملتها الدول والشعوب في تكوين هذه النخب العلمية والطاقات والتي بدونها لا مجال لأي تطور حضاري أو اقتصادي؛ إنها عملية استنزاف لهذه الدول وإمعان في إبقائها في التخلف والتبعية.

إن الثقل الذي أصبحت تحتله الهجرة وشمولها لمختلف الفئات والطبقات الاجتماعية هو أحد العناوين الكبرى لفشل الاختيارات التي اعتمدتها الكتلة الطبقية السائدة منذ السنوات الأولى من الاستقلال الشكلي. فأمام تفاقم الأزمة الاقتصادية وغياب أية إرادة حقيقية لتطبيق سياسات تنموية توفر الشغل المنتج؛ أصبحت الهجرة بالنسبة للعديد من الشباب الأمل الوحيد المتبقي أمامه حتى ولو كان سرابا. إن الهجرة أصبحت معطى بنيوي في الأوضاع ببلادنا تولدت عنه حقائق اجتماعية يعكسها عدد المهاجرين المغاربة عبر العالم، لذلك لا يمكن تجاهلها في أية سياسة أو برنامج سياسي لكل القوى المعنية بمستقبل بلادنا.


العدد 289 من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك


صدر العدد الجديد 288 من جريدة النهج الديمقراطي