| افتتاحية


قطاع التعليم والهدف الرجعي المزدوج


منذ تنصيب الحكومة الحالية والتي عرفت احتباسا غريبا في تشكيلتها كانت وزارة التربية هي الوزارة الوحيدة التي باشر وزيرها المستقدم من وزارة الداخلية مهامه بسرعة فائقة، ويسجل حضوره الإعلامي الدائم. كان الإعلام العمومي مسخرا لتتبع كل خطواته وكأنه لا زال وزيرا للداخلية. هذا الحضور الإعلامي كان هدفا بحد ذاته لأنه يترجم قناعة حاضرة ومترسخة اليوم في دواليب وزارة الداخلية خاصة بعد اندلاع حراك الريف ومفادها أن الدولة تشكو من نقص مهول في تسويق مجهوداتها والتعريف الواسع والدقيق عنها. اذ يسعى وزير الداخلية المعين في التربية الوطنية إلى تلميع الصورة وإظهار أن وزارته تتحرك وتنجز المشاريع. كانت أهم رسالة في إنتاج الصورة الجديدة وهو بكل ما تحمل الكلمة من معنى إطلاق برنامج صباغة بنايات المدارس والأقسام أينما كانت . حددت الفترة الزمنية لهذا البرنامج في أيام العطلة الصيفية، مما اجبر و ألزم مدراء ومسيري تلك المدارس بالتفرغ لهذه المهمة؛ وقد تم فصل أو محاسبة البعض ممن لم ينجح في تطبيق الأوامر الجديدة. كان البرنامج ينفذ كما لو أن المعنيين به موجودون في ثكنات عسكرية أو شبه عسكرية. نتيجة هذا المسعى الغريب، ظهرت صور غاية في التناقض بين الجدران الخارجية المصبوغة بألوان غير متناسقة فاقعة، وداخل الحجرات أو ما سمي بأقسام متهالكة أو على شكل خربات وبنايات آيلة للسقوط. نفس تلك الصورة الرائجة عن أطفال بوزرات جديدة لكنهم حفات وبوادر نقص التغذية بادية على وجوههم البريئة.
في موضوع ثان وهو المتعلق بالمقررات والمراجع شرعت الوزارة في مراجعة بعضها وهي المراجعة التي قامت على عجل وبكثير من الارتجالية مما ترجمته ظاهرة تبديل وإلغاء نسخ أو طبعات لكتب معينة وفرض شراء أخرى على أولياء التلاميذ بدون تعويض أو الاهتمام بقدراتهم لتغطية هذه التبذير السخيف.
السؤال الذي نرى ضرورة طرحه لمحاولة الإجابة عليه وهو لماذا هذا الاهتمام الحكومي وبهذه الطريقة؟
يكشف هذا الاهتمام الشكلي للحكومة بقضية التعليم وخاصة المدرسة العمومية أن التعليم العمومي وصل درجة من التعفن والفشل لم تعد سياسات الدولة قادرة على إخفائها أو إجبار المواطنين على قبولها وتحملها. وصلت الأزمة إلى إنتاج ظاهرة متناقضة ومن اغرب ما يكون. إننا نجد في نفس المدينة أو الحي مدارس تشكو من الاكتضاض يصل إلى 60 أو 70 تلميذا في القسم الواحد، أو وجود 2 أو 3 مستويات في نفس القسم؛ بينما هناك مدارس أغلقت أو هجرت لعدم توفر التجهيزات أو التأطير التربوي والإداري. من نتائج هذه الوضعية الكارثية أيضا تدني المستوى للتلميذ بل تفاقم الهذر المدرسي بسبب الرسوب أو انسداد الآفاق وتفاقم الفقر في الوسط الأسري. إن الحكومة تشعر بان أزمة التعليم باتت احد المجالات الاجتماعية حيث تركز الاحتقان مما يهدد بالانفجار في أية لحظة. لذلك سارعت إلى إطلاق إشارات ظاهرية ليس إلا، حتى يعتقد الناس بأنها مهتمة وعازمة على إيجاد الحلول. وهو ما رأيناه في الخرجات الإعلامية وتأليف مسرحيات تنتج الوهم ولا غير.

فمن اجل معالجة الاكتضاض نظمت الوزارة مباراة توظيف بالعقدة لقرابة 10000 معلم ومعلمة وفي شروط لا توفر أدنى تكوين بيداغوجي أو مهني، لكن في ذات الوقت تقدمت للمغادرة الطوعية في إطار التقاعد النسبي أكثر من 12000 من الأطر التربوية. وبذلك يحق القول: “للي حرثو الجمل دكو”، وتبقى أزمة الاكتضاض والنقص في التأطير تدور في حلقتها المفرغة.
هل أزمة التعليم العمومي هي أزمة مؤقتة وهل هناك بوادر حلها والخروج منها؟ بكل أسف كل المعطيات على الأرض وكل السياسات المتبعة تنفي ذلك. عند التدقيق في السبب العميق لهذه الوضعية نجد أن طبيعة النظام الاقتصادي ونموذجه المطبق ببلادنا هو ما يحتم ذلك. إن نموذج الاقتصاد الليبرالي المتحرر من كل الكوابح أو الاعتبارات الشعبية والوطنية وفي بحثه المحموم على مصادر الربح والاستثمار السريع المردودية، اهتدى بكل عفوية وتلقائية – تماما كما يهتدي صغير التمساح الخارج لتوه من البيضة إلى رطوبة الماء في النهر أو الغدير- اهتدى الرأسمال إلى قطاع التعليم الخاص فانتشر فيه من الروض إلى التعليم العالي. رافقت الدولة في البداية خطوات الرأسمال الخاص بشكل محتشم وباحتراس وحتى بمخاتلة، لأنها تستشعر الخطر والمعارضة الشديدة لضرب قطاع اجتماعي برمته وتقديمه لقمة سائغة للمفترسين؛ لكنها اليوم تبادر إلى تقديم ما لم يحلم به المستثمر الخاص كان نموذجها هذه السنة فتح أبواب التعليم العالي مشرعة عبر “منح اعتراف الدولة لبعض الجامعات والمؤسسات الخاصة المحدثة في إطار الشراكة التي تجمعهما. “( انظر مقالة: الدخول الجامعي 2017/2018 أزمة جامعة أم أزمة مجتمع).

في طي هذا الهدف الذي يفتح قطاع التعليم للرأسمال من اجل التكسب وجني الأرباح الطائلة يكمن هدف اجتماعي استراتيجي اخطر وهو حرمان الشعب وخاصة أبناء الجماهير الكادحة من حق التعليم. فإذا كان التعليم العمومي وحتى الخاص ينتجان مواطنين ومواطنات محرومين من ملكة التفكير العلمي والحصول على المهارات الفنية والتقنية والاعتماد على المجهود الذاتي في الإبداع والإسهام في التطور الثقافي والمادي للبلاد، فان البقية من الشباب المحروم من التعليم يعاني من الأمية بكل أبعادها الأبجدية والثقافية. إن التعليم بات ينتج مواطنين ومواطنات فاقدين لكل تأهيل. فإذا كانت سياسية التفقير تهدف إلى تطبيق ذلك الشعار المجرم “جوع كلبك يتبعك” فان التعليم يساند التفقير ويكمله لخدمة شعار مجرم آخر وهو “جهل شعبك يعبدك”.
إذا للجواب على سؤالنا لماذا اهتمت الحكومة وبهذه الطريقة بقضية التعليم يتضح إننا أمام نفس السياسة الرجعية للنظام القائم وهي التي تروم تحقيق هدف مزدوج في ذات الوقت:فتح الباب على مصراعيه أمام جعل التعليم سلعة – في جميع مراحله وفي كل مكوناته من مقررات ومؤطرين و تلاميذ وأوليائهم – وبذلك يتدخل الرأسمال ليحقق أرباحا طائلة وسريعة؛ وفي نفس الوقت تحقق الدولة هدفا أكثر استراتيجية وهي ضمان سيادتها على شعب أمي جاهل يسهل قيادته وإقناعه بسياساتها وقبول رأيها في جميع القضايا التي توجهها وتنشرها بإعلامها الرجعي وتبعد هذه الجماهير عن الفكر النقدي والمعارضة. لذلك تعتبر جبهة النضال من اجل الحق في التعليم العمومي الجيد والديمقراطي والمتاح للجميع مطلبا سياسيا وضرورة من ضرورات تقدم شعبنا. إن محاكمة الدولة على هذا الواجهة تعتبر من اكبر المهام بالنسبة لجميع القوى المناضلة.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com