جبهة النضال الاجتماعي تتصدر الوضع العام


أن تعلن الدولة عن استمرارها في خوصصة جملة من الشركات والمؤسسات العمومية، وأن تعقد اتفاق خط ائتمان جديد بقيمة 2. 9 مليار درهم مع صندوق النقد الدولي، ويعتبر خط الائتمان بمثابة الحصول على وعد بتقديم قروض عند الاقتضاء. سبق للمغرب أن لجأ المغرب الى هذه الوسيلة منذ 2012 لما توجه إلى أكبر ممول على الصعيد الدولي وهو البنك الدولي، والكل يعلم ماذا يعني أن يتولى هذا البنك ضمانة أي بلد أو إي اقتصاد. في شروط عقد اتفاقية خط ائتمان مع هذا البنك التزم المغرب بتأدية 700 مليون درهم عن كل سنتين. وبذلك يكون المغرب قد صرف 700 مليون درهم مرتين كل مرة عن السنتين المنصرمتين من 2012 إلى 2016. إي أن المغرب أدى مليار و400 مليون درهما فقط لراحة بال الممولين الأجانب. يعتبر اللجوء إلى هذه الوسيلة كون الديون وصلت الى حد لا يطاق او ان قدرة البلاد على التسديد باتت غير مضمونة وان الدائنين ينظرون بعين الشك والريبة إلى المغرب. أن تنصاع الحكومة إلى هذه السياسة معناه انها تزيد من خطر التبعية والإدعان لإملاءات البنك الدولي وإثقال كاهل الطبقات الشعبية بالضرائب ومصاريف تعوض استقالة الدولة من مسؤوليتها في الخدمات الاجتماعية وهذا ما تجسد بشكل واضح في قانون مالية 2019.

اعتماد هذه الحزمة من الاجراءات التي تضر باستقلال المغرب الاقتصادي والسياسي وتثقل كاهل الشعب يعبر عن أن الأزمة دخلت منطقة الخطر وأنه لا تظهر في الأفق أية بارقة أمل للخروج منها.

هذا هو ما شعرت به عامة الفئات والطبقات الاجتماعية من خلال تدهور القدرة الشرائية بسب الغلاء وبسبب البطالة وتتوسع والهشاشة التي تصيب كل مرافق التشغيل وبسبب خراب مرفق الصحة العمومية وسوق المرضى الى القطاع الخاص المفترس وكذلك بتدهور التعليم العمومي والقضاء التام على جودته وفتح الباب الى سماسرة التعليم الخاص لنهب ما تبقى لبعض الفئات الاجتماعية من قدرة لتعليم أبنائها في المؤسسات الخاصة. أمام هذه الحالة المتردية خرجت بعض الفئات من الطبقات الوسطى الى الشارع مجبرة للاحتجاج تقديم مطالبها الاقتصادية والاجتماعية الملحة والمستعجلة والتي بدون تلبينها سيرمى بها إلى أسفل السلم الاجتماعي.

هكذا تنادت جميع نقابات التعليم وتنسيقياته إلى خوض الإضراب والذي توج بإضراب يوم 3 يناير كإضراب موحد وشامل في جميع مناطق المغرب ونجح في الوحدة الميدانية لأهم المركزيات النقابية. كما خرج للاحتجاج الأطباء والصيادلة ويستعد الموظفون في الجماعات الترابية الى الاضراب الموحد ايضا والمنسق بين أهم المركزيات النقابية. وتجدر الإشارة أيضا إلى اضراب التجار والذي انطلق في مرحلته الأولى بإضراب التجار الكبار ونصف الجملة بدرب عمر والقريعة بالدار البيضاء لتلحق به جموع التجار الصغار بكل من العديد من مدن جهة سوس ومكناس في اضراب ناجح دام يومين في سوس. يعتبر إضراب التجار دليل على رفضهم لسياسة الحكومة الرامية الى تحميلهم اعباء الازمة وتسديد ديون لا دخل لهم فيها. تحت ذريعة محاربة القطاع الغير مهيكل والمتهربين من الضرائب تبحث الحكومة على ضحايا وعلى مصادر سهلة وتتجنب مواجهة الرأسمال الكبير والمافيا المستفيدة تاريخيا من كل سياسات الدولة.

ان الوضعية الاجتماعية اليوم تتميز بوصول الشرخ والتقاطب الاجتماعي إلى حالته الحادة حيث يتواجه قطبين اجتماعيين الاول عبارة عن حفنة من البرجوازية الطفيلية وملاك الأراضي الكبار وقد راكمت بين أيديها كل الثروات واستولت على المصادر القديمة والعصرية للثروة وفي مقابلها الاغلبية المطلقة من الشعب حيث تفقرت الطبقات الوسطى وتدهورت اوضاعها وأصبحت تشكل الفئات العليا من الطبقات الكادحة. إن الوضعية الاجتماعية تعرف تصدعا قويا بات يجد تعبيراته في الميل الى النضال عبر الاضراب والخروج الى الفضاء العام وتبني اسلوب الاحتجاج كطريقة أساسية لتقديم المطالب. لقد سقطت كل الوسائط التي رعتها الدولة ولم يعد البرلمان يحظى بثقة الطبقات الشعبية وإنما اصبح مصدر ازعاج وهو نفسه وجهة الاحتجاج والرفض لكل التشريعات التي يصدرها اصبح الجميع يعتبره مجرد غرفة تسجيل للقوانين التي تقررها الدولة فيصادق عليها بطريقة شبه اوتوماتيكية ومضمونة طبعا مع بعض مساحيق مسرحية النقاش الديمقراطي. وبفقدان مصداقية البرلمان سقطت ايضا مصداقية الحكومة وأغلبيتها الحزبية فأصبحت كل هذه الجوقة ادوات تسخرها الدولة ضد إرادة الشعب ومصالحه.

ادركت الدولة هذا الفشل وأسبابه لذلك انكبت على مواجهة الخطر المحدق بها وذلك ما تقوم به في تفكيك صفوف المعارضة وبث الفرقة وتسميم العلاقات وتسخير بعض المثقفين و”الخبراء” المكلفون بمهمة في النفخ في التناقضات الثانوية وسط الشعب.

هذه الوضعية الاجتماعية المتسمة بالاحتقان الشديد وبانغلاق افق حلها وبالاستعداد القوي للدولة لمواجهتها بالرفض والتعنت وبلجوئها الى تمزيق صفوف قوة المعارضة او تخريب التنظيمات الذاتية تفرض على القوى المناضلة مهام كثيرة ومتشعبة. ولذلك لا مفر من التعاون ومن البحث علي حشد القوى ورص الصفوف . إن الرغبة في العمل المشترك والوحدوي يعتبر بحد ذاته مقياسا مهما جدا بين من يسعى إلى انتصار نضالات المتضررين وبين من يسعى الى تخريب القوى ومساعدة الدولة على التملص من واجباتها وهروبها من المسؤولية. كما أن التواجد النضالي الفعلي الصبور وسط الفئات المتضررة سيعيد الثقة في العمل السياسي ويوفر شروط النهوض الحقيقي من اجل التغيير الجدري والذي بدونه ستغرق البلاد في أوحال اليأس والإحباط ويتخلف وعي الشعب وتطغى التوجهات الظلامية والمفلسة.


العدد 295 من جريدة النهج الديمقراطي بالأكشاك