| افتتاحية


السيرورات الثورية وموجاتها الارتدادية

ونحن على مرمى حجر من الذكرى السابعة لاندلاع السيرورات الثورية في منطقتنا، نشاهد بالعين المجردة اهتزاز الأرض تحت العروش وكراسي الحكام بمنطقتنا. سبع سنوات فقط كانت كافية ليتحقق فيها من الوعي ما لم تحققه شعوبنا طيلة اكثر من نصف قرن بعد خفوت معارك التحرير من رقبة الاستعمار وتسلط اذياله واذنابه.
استطاعت شعوبنا بمنطقتنا المغاربية أن تفتح ثقبا عظيما في جدار الاستبداد، حيث فر بنعلي هاربا ليحتمي في الرياض التي يعتقدها دار ابو سفيان كما اغتيل راس النظام في ليبيا بايدي قوى همجية دربتها وسلحتها قوى كانت بالامس تخطب ود النظام الليبي وكان هو بدوره لا يفوت فرصة لمغازلتها، اما في المغرب فقد استطاعت حركة 20 فبراير المجيدة ان تضع فوق الطاولة موضوع القضاء على الاستبداد والفساد فكانت نتيجة ذلك أن مادت الارض تحت اقدامهما فسارع النظام لإطفاء اللهيب باتخاد اجراءات مرغما. فبادر الى صياغة دستور على غير عادته موهما الغير بأنه من وضع لجنة مستقلة، وبمضمون فيه الكثير من الانشاء والبنود التي تساير الاتجاه والاحداث لكنها ملغمة بما يكفي لكي تفرغ من اي مضمون يناقض ارادة النظام القائم وقابلة لشتى اصناف التاويل والقراءة.
هكذا انفتح في عالمنا العربي عهد جديد حققت فيه الجماهير التعبير عن ارادة الشعب، واقتنعت بان إرادتة المستقلة يمكن ان يكون لها وجود مادي حقيقي ويمكنها ان تعبر عن نفسها بحرية وترسم مستقبل الشعب. بتحقق هذا المكسب تكون الدولة المستبدة قد انهزمت واصاب الافلاس والبؤس كل آلتها القمعية، وهو ما نقلته وسائل الاعلام بالصوت والصورة عندما تقاذفت الامواج البشرية الهادرة في الميادين كل صنوف المدرعات وآليات قمع المحتجين وجموع البلطجية ذاك الطابور الخامس. بتحقيق جماهير شعوبنا لذلك الهدف تكون قد حازت في نفس الوقت مكسبين عظيمين، وهما نزع الخوف من قلب وضمير شعوبنا وانتقل الخوف الى الجهة الاخرى من المعادلة؛ والمكسب الثاني هو زرع بذرة اليقين بان طريق التغيير وبناء البديل اصبح سالكا، وان ادعاء الانظمة بكونها هي الوحيدة ضامنة الاستقرار وتماسك البلدان ليس الا كذبا وبهتانا.
لقد حققت جماهير شعوبنا احد اهم المكتسبات خلال وقت قصير جدا؛ ولأنه مكسب استراتيجي وخطير للغاية، وبما ان امتلاكه وتقوية الايمان به سيساعد على تحديد مصير شعوب وانظمة المنطقة، فانه كان المستهدف المباشر من طرف الرجعية والامبريالية وخيضت حوله اهم معركة سياسية لازالت اطوارها متواصلة الى اليوم.
فإذا كانت منطقتنا تشهد حربا حقيقية بين الشعوب والأنظمة القائمة وحلفائها الامبرياليين، فهذه الحرب تدور على شكل معارك متسلسلة كانت اولاها تلك التي حققت عبرها شعوبنا مكسب التعبير عن ارادتها وتأكدت من ذلك في الميادين ونجحت في اسقاط رؤوس انظمة، وإشعار اخرى باهتزاز عروشها وكراسي الحكم، مما دفعها للتراجع والمناورة. لكن هذه المعركة لم تستطع الاستمرار في الهجوم والتاسيس للانتقال الى مرحلة اقوى وإعلان معركة هجومية اخرى، لان العدو تدارك نقاط ضعفه واستجلب الدعم والمساندة من اطراف اجنبية اخرى او استطاع ان يخترق صفوف القوى الثائرة ويستقطب قوى الاسلام السياسي وأخرى هي عبارة عن فلول متسترة او متخفية تنتظر المناسبة للانقلاب والردة. فحشد هذا العدو لمعركة ثانية، معركة استرداد المواقع والرجوع بالأوضاع الى نقطة البداية بهدف الانتقام من الجماهير ودفعها للاحباط واليأس. ان تحقيق هذا الهدف يعتبر استراتيجيا وغايته هو البرهنة على ان ما حصل هو نزوة ومؤامرة انتهت وان الاوضاع رجعت الى المألوف والوضع العادي وضع الاستقرار في ظل الانظمة الخالدة.
كانت عناصر وقوى المعركة الثانية متنوعة، واختلفت تدخلاتها لكنها تكاملت مع بعضها البعض. فما هي هذه العناصر وكيف اشتغلت؟
إن من شان الجواب على هذين السؤالين ان يسلط الضوء على مصير هذه المعركة وعلى مهام القوى المناضلة في استرجاع المبادرة لخوض معركة استكمال مهام السيرورة الثورية بمنطقتنا وعدم الاذعان لمنطق الهزيمة او الاستسلام.
1) شكلت الانظمة العربية الرجعية وخاصة في الخليج احد اهم قوى الثورة المضادة، انها كانت متربصة بكل هبة ثورية في المنطقة، بل كانت تخطط وتطبق على الخريطة مشروعا سياسيا يروم اخضاع الشعوب لهيمنتها والتحكم فيها وهي مدعمة من الامبريالية المتغولة في ظل هيمنة القطبية الواحدة. هكذا استعملت هذه الانظمة في تدخلها كماشة كان فكها الاول هو الاسلام السياسي الوهابي برعاية السعودية وفكها الثاني الإخوان المسلمون برعاية قطر. في الحقيقة يعود تاريخ الاستعداد وتأهيل هذه القوى الى سنوات ماضية. انطلق الاسلام الوهابي من خلال فترة عملية من التدريب والتاهيل في افغانستان والصومال حتى اصبح قوة عسكرية فتاكة استغلت في صنع الخريطة الجديدة بالمنطقة واستعملت كذريعة وتبرير للتدخل المباشر للولايات المتحدة في العراق، والغير مباشر في سوريا على شكل القاعدة والنصرة ثم داعش. اما الطرف الثاني وهو تيار الاخوان المسلمين فقد تم التمهيد لتدخل قيادته المركزية او العالمية عبر تزويده بقاعدة ارضية في الخليج وهي امارة قطر التي وفرت المال واللوجستيك الاعلامي والبشري ومن بعده التسليح والتاطير الميداني.
2) القوى المعادية والفاعلة في معركة الثورة المضادة هي القوى الامبريالية والكيان الصهيوني. في بداية اندلاع السيرورة الثورية، اصيبت هذه القوى بنوع من الصدمة والمفاجئة، فكانت ردود الافعال متضاربة ومرتجلة. لكن مع امتصاص اثر الصدمة، استعادت الامبريالية المبادرة تجسدت في مستويين اثنين: الاول، مسايرة الحراك الشعبي عبر مساندة القوى المؤهلة للجم الانتفاضات، فتم عقد الصفقات مع الاخوان المسلمين في تونس ومصر. اما في المستوى الثاني، اعتمدت المبادرة الامبريالية على التدخل المباشر في العمليات الجارية واستباق اي تغيير ثوري في ليبيا وسوريا. نجح هذا التدخل في ليبيا ونتج عنه ما نراه اليوم من دولة فاشلة تشكل مصدر ترهيب وتخويف للشعوب في المغرب الكبير، لكنه فشل في سوريا حيث تحقق سياسيا وماديا واقع كان الى حدود ذلك الوقت مجرد مشروع؛ انه واقع تقسيم العالم مجددا الى قطبين بارزين احدهما الولايات المتحدة وحلفاؤها التقليديون، والآخر هو القطب الروسي وحلفاؤه المفترضون.
3) بالإضافة الى هذه القوى الفاعلة في معركة الثورة المضادة هناك ايضا قوى اخرى يشكل غيابها او ضعفها عاملا مساعدا لتلك القوى الرجعية. إن ضعف التنظيمات الذاتية للشعوب سواء تلك التي تبنيها في معمعان الصراع او الاحزاب السياسية التقدمية الشيوعية او الديمقراطية ان ضعف وتشتت هذه القوى شجع قوى الاسلام السياسي على الاستحواذ على القيادة وعلى تحويل مجرى السيرورة الثورية لخدمة اجندة قوى طبقية معادية لمصالح الشعوب.
اننا حقا في خضم معركة الثورة المضادة، لكن صمود وبروز بوادر استرجاع نفس السيرورة الثورية مسنودة موضوعيا بالأزمة البنيوية للامبريالية والأنظمة الرجعية، جعلت هذه المعركة تتعثر ولا تمضي كما كان مخططا لها.
لذلك يمكننا القول انه اليوم وبعد 7 سنوات على اندلاع السيرورات الثورية بمنطقتنا، فان مشروع الاسلام السياسي بكل اطيافه قد فشل وان التناقضات انتقلت الى صفوف الانظمة الخليجية ممولة الثورة المضادة. هذه التناقضات التي تراقبها وترعاها الولايات المتحدة لأنها تشكل منجم ذهب للصناعات الحربية.
نحن اذا امام دينامية فرز سياسي هام ومفيد لمستقبل التغيير الثوري. لكي يبلغ هذا الفرز مداه النافع والمنتج لبناء موازين القوى الضرورية. لا مناص للقوى الثورية في المقام الاول من الوحدة والترابط الرفاقي والعمل سويا من اجل بناء الجبهات الديمقراطية المناضلة وبناء التنظيمات المستقلة للجماهير والجبهات الميدانية مع كافة القوى المناضلة. لا بد من تجاوز كل مظاهر العفوية او التخلف عن ركب الانتفاضات الشعبية بل وجب الالتحام بها والسعي الجدي لتوجيهها والحضور الوازن فيها.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com