| افتتاحية


الحراك الشعبي يتسلم المشعل


يعيش المغرب فترة مميزة من تاريخه المعاصر وهي فترة الحراك الشعبي على قاعدة المطالب الاجتماعية المستعجلة. عرفت هذه الفترة اكبر زخم واقوى دفعة على اثر جريمة طحن محسن فكري مع أسماكه في شاحنة الأزبال في الحسيمة بالريف يوم 27 أكتوبر 2016. كان لبشاعة الصورة المتداولة وطنيا ودوليا عنوان واحد وهو محسن فكري شهيد الحكرة. قبل هذا الحادث مات العشرات من الكادحين والكادحات إما حرقا أو دهسا أو في مخافر الشرطة، لكن استشهادهم لم يخلف هذه الانتفاضة التي اندلعت شرارتها بالحسيمة لتعم جميع الريف.
لقد كان لوقع استشهاد محسن فكري على ساكنة الريف والشعب المغربي مثل وقع استشهاد البوعزيزي على ساكنة سيدي بوزيد ومن بعدها على الشعب التونسي في دجنبر 2010. تفسير ذلك يجد معطياته المادية في التاريخ وثنايا جغرافية منطقة الريف. لحظة استشهاد محسن فكري طفت على سطح الذاكرة كل تاريخ القمع والمنع والتهميش المطبق على منطقة الريف. طفت على سطح الذاكرة خاصة لدى الشباب ما تعرض له أجدادهم وآباؤهم من تفقير ومن نسيان بل ومن نهب لمنطقتهم. فإذا كان الآباء والأجداد قد تغلبوا على الفقر ومخلفاته بالهجرة الى الداخل وأساسا إلى الخارج، فان شباب اليوم سدت كل المنافذ امامه ولم يبق له إلا الموت البطيء والتفرج على استمرار نهب خيرات منطقتهم من طرف لوبيات الريع وأصناف المافيا.
هكذا انطلق حراك الحسيمة ومن بعده حراك الريف قاطبة. كانت اللحمة التاريخية واحتواء تضاريس الجغرافية وهو ما يعتبر البعد الهوياتي أو الشخصية الجهوية لأهلنا بالريف. لقد شكل هذا البعد في الصراع احد اهم نقاط الاشتباك مع المخزن القديم ثم من بعده الاستعمار الاسباني ووكيله دولة الكتلة الطبقية السائدة اليوم. فكان لهذا الاشتباك محطات ومعارك خلدت في الذاكرة الجماعية لساكنة الريف ومنها معركة سيدي ورياش 1893 ومعركة انوال في 1921 وانتفاضة 1958.
ان تغييب هذه الخلفية التاريخية هو ما يفسر ايضا عدم استيعاب الكثير من المتتبعين وعدم ادراك خلفيات سياسات المخزن مع حراك الريف اليوم. إنهم لا يفهمون لماذا لم تتم الاستجابة الفورية لملف مطلبي اجتماعي بسيط ولماذا هذا التعنت والقسوة في التنكيل بالمحتجين؟
من خلال مواجهتها لحراك الريف تدرك الدولة جيدا انها امام استحقاق تاريخي لابد من ان يأتي وقت تقدم فيه الحساب. لقد حاولت الالتفاف على هذا الاستحقاق عبر عدة مناورات استعملت فيها وسائل غير عادية علها تساعد على تمرير المؤامرة وتسمح بالتنصل من ثقل المسؤولية . إنها وظفت “هيأة الإنصاف والمصالحة” وتوصياتها في شق ما سمته بجبر الضرر الجماعي. ثم جاء خطاب اجدير وتلويحه بالتناول الجديد لقضية الامازيغية ومن بعده استعمال بعض نخب منطقة الريف لاكتساح الشأن العام والمحلي بالجهة وتوظيفهم كخرق لمسح أوساخ سياسة الدولة بالمنطقة. كل هذه المناورات تم تقييمها على ارضية الواقع وتأكد للساكنة طابعها الديماغوجي وبعده على تناول المشاكل وأسبابها وإيجاد الحلول المنتجة لسياسات تنموية حقيقية بالمنطقة. انفضح طابع السياسات المخزنية وأدارت الجماهير الظهر لها ولكل مروجيها. هذا هو ما تم التعبير الحسي عنه برفض الدكاكين السياسية وهي كل المتاجرين بحقوق الساكنة وبآمالها العريضة خدمة لأغراضها الضيقة والأنانية أو لإدامة الاستبداد المخزني.
اذا كان حراك الريف قد صمد واستطاع ان يصوغ شبابه بشكل جماعي وبمعية الجماهير ملفات مطلبية بكل مواقع الحراك، فان الوضع اليوم وأمام سياسة الارض المحروقة التي اتبعها النظام تجاه الناشطين بحيث نصبت المحاكمات لهم في الريف وفي مدينة الدار البيضاء؛ إن هذا الوضع بات يساءل جميع القوى الديمقراطية بالمغرب. وفي هذا الصدد برزت مقاربتين مختلفتين:
الاولى ترى انها في احسن الاحوال ما يمكنها فعله هو التضامن مع الحراك وهي متوجسة منه الى ابعد مدى لأنها لا تعرف من وراءه أو ما هو سقفه. ومما زاد من خوفها وتشكيكها وتشككها هو تأثير الدعاية المغرضة التي اطلقتها ابواق النظام حول الخلفيات الانفصالية للحراك. ولان هذه المقاربة متوجسة، فإنها تميل إلى كل نزوعات التراجع عن الحراك او تحجيمه في مهده وما بالك محاولة امتداده خارج رقعته الجغرافية فإنها تبدي معارضتها القوية والشديدة لذلك . إن الحاملين لهذه الرؤية والمقاربة باتوا يخوضون الصراع السري والعلني حتى وسط المنظمات الجماهيرية وهم يمنعونها قدر مستطاعهم من الانخراط في فك العزلة والطوق عن حراك الريف.
اما المقاربة الثانية وهي تلك التي ترى انها معنية بحراك الريف في منبته وهي منخرطة فيه ولا تقبل عن نفسها رميها بالقوى الداعمة فقط. إنها جزء منه وهي تؤدي الى جانب البقية من جماهير الشعب ضريبة الواجب. ولأنها تعيش التطويق في الريف فإنها تعتبر ان من واجبها وواجب كل الديمقراطيين الحقيقيين ببلادنا إطلاق دينامية الحراك في كل مكان. لان جماهير شعبنا مكتوية على نفس الدرجة او أكثر بنار الفقر والتهميش والاستغلال التي تمارسها الدولة على الجميع وفي أي رقعة من البلاد. هكذا ترى هذه القوى وضمنها النهج الديمقراطي أن مهامها تتخذ بعدين: البعد الأول تأسيس القاعدة الشعبية لصياغة المطالب المحلية المستعجلة في المواقع او الجهات وتشكيل اللجان والتنظيمات المستقلة لتقديم المطالب والخطة النضالية لفرضها ثم للدفاع على تحقيقها ومتابعة الانجاز والتقييم. . . والبعد الثاني وهو مهم أيضا هو إطلاق دينامية التضامن الوطني مع الحراك في الريف أو غيره من المناطق. وهذا البعد يكتسي أهمية التشبيك وبناء الاسس المادية للتضامن الوطني ولرفع الصراع الى مستوى سياسي متقدم لاحقا.
وترى هذه المقاربة ان نجاح عملها يتطلب حشد اوسع القوى لأنها تواجه عدوا طبقيا يمتلك اجهزة دولة بل يمتلك قدرة اختراق صفوف الشعب وتفريقها. لذلك لا بد من بناء الجبهات الميدانية المتعددة والمتنوعة ومن جميع القوى المناضلة ضد المخزن. إن اشتراطات بعض القوى السياسية لكي تلتحق بهذه الجبهات الميدانية تصبح غير مبررة و لا مسوغة لأنها تضعها خارج هذه الجبهات وتزيد من عزلنها وتبعد مناضليها عن الساحات الحقيقية لخوض الصراع مع الجماهير ضد الاستبداد والاستغلال الطبقي لدولة الكمبرادور وملاكي الأراضي الكبار.
علينا كمناضلين ان ندرك حقيقة الفترة التي تعرفها بلادنا. إنها فترة نهوض شعبي عبر جهاته ومناطقه على أساس المطالب الاجتماعية. علينا أن ندرك أن النظام المخزني بأزمته الاقتصادية والاجتماعية هو من سيحول هذه المعارك الاجتماعية الى معارك سياسية وهذا ما نعيشه اليوم ازاء تدخلاته القمعية والعشوائية في الريف. على القوى اليسارية أن تحجز مكانا لها تحت شمس نضالات الشعب. عليها أن تفتك النقابات وكل المنظمات الجماهيرية وتجعلها منخرطة في الحراك الشعبي والذي لم يعد حراكا ريفيا فقط بل لقد تسلم مشعل النضال فانطلق قطاره. إنها لحظة تاريخية وهي موجة ثانية من السيرورة الثورية لحركة 20 فبراير المجيدة ففي خذلانها انتحار سياسي لكل متقاعس.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com