| افتتاحية

رغم حالة الاستثناء الغير معلنة الشعب يتحدى

منذ اكثر من خمسة اشهر والمغرب يعرف حالة استثناء غير معلنة، يحاول النظام إخفاءها وعدم الاعتراف بها نظرا لما سيترتب عن ذلك من تكلفة سياسية محليا ودوليا. لكن الواقع عنيد وبوادر التكلفة بدأت تظهر من خلال اعلان العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة عن قرار اغلاق ابوابها او التقليص من انشطتها الاقتصادية نظرا لتوقف الدولة عن طرح المنافسات وعقد الصفقات العمومية ووقف تأدية الديون تجاه الممولين. اما قطاعات الخدمات الاجتماعية فهي بدورها توجد في حالة شلل تام بسبب غياب الاعتمادات التي تكفلها ميزانية الدولة عبر قانون المالية لسنة 2017 والذي لم تتم المصادقة عليه من طرف البرلمان. نتيجة هذا الانحباس الحكومي هاهي صفوف العاطلين تتضخم بفعل الاغلاق التام او الجزئي للوحدات الاقتصادية وبفعل توقف الاستثمارات العمومية كما تتفاقم ازمة التعليم وهي تلقي بظلالها على التلاميذ والطلبة وأوليائهم وكذلك على الطاقم التربوي بأكمله. اما الصحة فالإخبار المتداولة في جميع المناطق تتكلم عن ارتفاع الوفيات في صفوف الاطفال والنساء وذلك لانعدام الادوية او المعدات. كما تفاقمت الجريمة بجميع اصنافها خاصة وسط الشباب سواء في البوادي او المدن حتى بات المواطنون يعيشون رعبا حقيقيا عند خروجهم للشارع العام او عند توجههم لقضاء اغراضهم. في هذا الوضع السياسي والاقتصادي المحتبس توزعت مواقف وممارسات جميع الاطراف فمن جهة النظام فانه فضل التركيز على السياسة الخارجية وهو بذلك يمرر خطابين متلازمين:الاول اخلاء الميدان الداخلي وتوقيف صور الاعلام عن المواكب الرسمية الكبيرة والتدشينات المبالغ فيها وفي الأمر رسالة واضحة: عندما يغيب المخزن يحل "البلوكاج" وتتوقف العجلة عن الدوران وتفسد الحالة. والخطاب الثاني تنقله ايضا صور الاعلام الرسمي للحركة النشطة للملك في مختلف دول افريقيا وغيرها التي يقوم بزيارتها انه نفس الحماس ونفس وثيرة الاشتغال من اجتماعات ولقاءات وتوقيع اتفاقيات الى تدشين مشاريع ووضع أحجار المشاريع. نشاط يقوم به الملك ومعه جماعة متقلصة من المساعدين والوزراء تتناوب الطائرات في نقلهم من المغرب الى تلك البلدان ثم ارجاعهم الى المغرب. الدولة تتحرك عبر رأسها، أينما وجد كانت الحركة وعندما يغيب تتوقف الامور ويحل الترقب والانتظار لتبرير تعطل اشغال المواطنين والمواطنات. بهذا السلوك يرسخ النظام في الأذهان بأنه وحده من يضمن السير السليم للأوضاع. بالنسبة للأحزاب البرلمانية ايا كان موقعها فهي بتخليها عن مسؤولياتها والتزامها بدور المتفرج، فإنها باتت موضوع احتقار وسخط وسط الجماهير بل اصبحت تساهم في اليأس التام من كل هذه اللعبة السياسية القذرة وبذلك تتوسع صفوف الرافضين والمقاطعين للانتخابات والاستشارات الشعبية. وحده مربع الصمود والمقاومة لكل عوامل ضرب الارادة الشعبية وهو مربع مشكل اساسا من قوى يسارية أحزاب وجمعيات وتنظيمات، تسند حركات احتجاجية مهمة تعرفها مختلف مناطق المغرب. ان الميزة الرئيسية لهذه الهبات الشعبية هي انها تنطلق بشكل عفوي وتلقائي غالبا ما يتصدرها الشباب والمناضلون الذين تكونوا في مدرسة حركة 20 فبراير. فعندما تخلت النقابات عن واجباتها تجاه المنتسبين لها تشكلت تنسيقيات خاصة ببعض القضايا الفئوية نزل عبرها المتضررون الى الشارع العام ونظموا المسيرات والاعتصامات فواجهتهم الدولة بالقمع الرهيب نجم عنه الجرحى والمعطوبين والشهداء والمعتقلين. يضاف إلى هذه التنسيقيات، نزول المتضررين العمال والمطورودين من الشغل والعاطلين والفراشة والنساء السلاليات والطلبة والتلاميذ وكل الفئات المتضررة تلقائيا للتعبير عن غضبها ولتقدم مطالبها المشروعة. حدثت منذ اكثر من 5 اشهر اندلع حراك الريف وهو إضافة نوعية في النضالات الشعبية. انتفض الريف لأنه استشعر الحكرة والمهانة، فكان الجواب صارما حاسما يشبه روح وعزة نفس مواطناتنا وموطنينا بهذه المنطقة العزيزة والتي ادت ثمنا باهظا على موقفها الشجاع من الاستعمار ومن محاربته. غرست بذرة النضال من اجل الاستقلال الوطني الناجز والتام وهي البذرة التي حاولت قوى الاستعمار الجديد وبيادق استقلال اكس ليبان الناقص ان تقتلع شافتها من الريف. ان حراك الريف الناهض والمتواصل، يؤشر على أن ارادة مقاومة الاستبداد والفساد ارتقت درجات جديدة في وعي الشعب. ووجه حراك الريف بالمزيد من العسكرة وبالإنزال القمعي، وبشن حرب اعلامية للتشكيك في النوايا وتخوين المناضلين والقوى الحية بتلك المنطقة. لكن أهل الريف صمدوا وهم على إصرارهم ثابتون حتى انتزاع كل مطالبهم المشروعة. آخر درس تقدمه الجماهير بالريف هو النزول المنظم الحاشد للمرأة الريفية للاحتجاج يوم 8 مارس اليوم العالمي للمرأة. وقفت النساء والرجال بالمغرب كله وقفة اجلال لهذا المشهد الرفيع والراقي، نساء الريف محاطات بسلاسل بشرية من شباب الريف متأهبين لفداء أمهاتهم وأخواتهم وزوجاتهم ورفيقاتهم، للدفاع على حقهن المطلق في الاحتجاج والتعبير عن كيانهن كنساء متحررات رافضات للظلم والاستبداد. لقد قدمت المرأة رسالتها الوحيدة للنظام وقواته القمعية انهن يباركن حراك الريف وبان الشارع والفضاء العام هو ملك الجماهير. اذا كان النظام يمارس حالة استثناء من تحت الطاولة ويمتنع من الاعتراف بها وإذا كانت أحزابه البرلمانية تبارك بصمتها ذلك؛ فان الجماهير الشعبية التي تكاد أن تكون عزلاء من التنظيم تقاوم ولم تنتظر احدا. على القوى المناضلة أن تضاعف من جهدها، وان تحشد ما لديها من قوة وان تسعى لتجميع كل الارادات النضالية لكي تكون في مستوى المتطلبات الشعبية؛ كما على القوى المترددة والمتذبذبة والتي تعمل بحساب الربح والخسارة لما ستجنيه هي كقوة؛ عليها أن تراجع هذه العقلية التجارية بالتقسيط لأنها تساهم في إطالة عمر الاستبداد. لقد باتت مثل هذه المواقف والممارسات مفضوحة لدى الجماهير، وذلك مع تواتر وتكرار ممارسات تكشف وتفضح ان هناك تربص هذه القوى لفرصة حدوث الوهن والفشل عند النظام لكي تتقدم له ولدولته كقوى بديلة يمكنها انقاذه. ان مثل هذه الممارسات تصدر عن جهل بطبيعة النظام والذي يمكنه ان يستعين بك اليوم لأنه مريض لكنه ما ان يتعافى حتى يبلعك. وحده النضال الحازم مع الجماهير وبجانبها، وحده الإيمان بان الجماهير هي صانعة التاريخ وهي من تمتلك الحق والشرعية كل ذلك هو ما يميز بين القوى الحية والمنحازة للعدل ولحقوق الشعب غير ذلك تصبح قوى سياسية تلهث وراء المنافع لأعضائها وللمنتمين أو الملتفين حولها. ومثل هذه القوى تكون سهلة الابتلاع من طرف آلة المخزن لأن له باع طويل جدا في شراء الذمم.

.