ارفعوا أيديكم عن النهج الديمقراطي

يعرف الوضع في المغرب تأزما مستمرا ومضطربا على جميع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية:
فعلى المستوى الاقتصادي ما زال الاقتصاد المغربي يتسم بالتبعية للامبريالية والفرنسية على الخصوص، ويعتمد على الاستثمارات الخارجية في قطاعات غير ذات قيمة مضافة كتركيب السيارات والإلكترونيك والكابلاج، ويتوجه المستثمرون المغاربة لضعف كلفة الإنتاج من جراء الأجور الهزيلة وقلة الضرائب ويعتمد الاقتصاد المغربي على المديونية، حيث تجاوز الدين العمومي أكثر من 84% من الناتج الداخلي الخام، مما يجعل الدولة ترتهن بالسياسات النيوليبرالية للمؤسسات المالية الدولية، صندوق النقد الدولي والبنك العالمي والمنظمة العالمية للتجارة. وأكبر مؤشر على ضعف الاقتصاد المغربي هو نسبة النمو التي لم تتجاوز في الثلاثة الأشهر الأولى لهذه السنة نسبة 2.9 %من الناتج الداخلي الخام، مما لايسمح بامتصاص البطالة التي تتجاوز 45%، بالنسبة للفئة العمرية بين 14 و24 سنة، أي فئة الشباب، ويتميز ميزان الأداءات بالاختلال المزمن حيث لا يتجاوز احتياطي العملة خمسة أشهر من الأداءات ولازالت الفلاحة في المغرب ترتهن بالسماء، أما الصناعة فلا تمثل إلا 15% من الناتج الداخلي الخام رغم الحديث عن الإقلاع ثم التسريع الصناعي.
أما على المستوى السياسي فإن جوهر الأزمة يتمثل في عزلة النظام حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة 20% من المواطنين الذين لهم حق التصويت، وفشلت الأحزاب السياسية التي فبركها النظام للدفاع عنه وعن سياسته، في الانغراس وسط المواطنين، وتنشيط اللعبة الديمقراطية حيث ظلت فقط تؤثث المشهد السياسي في حكومة لا تحكم ويضمن التكنوقراط ولاءها وانصياعها الدقيق لتوجهات النظام حتى لا تزحزح قيد أنملة عنها، ومعارضة هجينة لا تعارض إلا في السفاسف والشكليات، ويؤطر هذه اللعبة السياسية المغشوشة دستور ممنوح وقوانين تنظيمية مغرقة في التخلف، تشرعن السلطوية والاستبداد، أما مؤسسات ما يسمى بالحكامة فتظل شكلية لا حول ولا قوة لها في الدفاع عن المواطن أمام جبروت الدولة وتغول اللوبيات والمافيا المخزنية .
أما على المستوى الاجتماعي، فإنه ليس سوى انعكاس للأوضاع السياسية والاقتصادية، حيث قطع النظام المخزني أشواطا في تطبيق السياسات الليبرالية المتوحشة بالهجوم على مكتسبات الشغيلة في التقاعد والتوجه لتصفية صندوق المقاصة، وتحرير سعر المحروقات بعد التخلي عن المؤسسة الوحيدة لتكرير النفط التي أنشأتها الحكومة الوطنية لعبد الله ابراهيم، والتوجه للعمل بالعقدة في الوظيفة العمومية وتعميم العمل بالمناولة في المؤسسات الصناعية والخدماتبة وتسليع الصحة بجعلها متاحة لمن يدفع، والتوجه لتسليع التعليم بخوصصته وجعل العمومي منه مؤدى عنه.
أما الشباك الاجتماعية فضيقة أو منعدمة، حيث لا يحظى بالتغطية الصحية إلا 50% من المواطنين، وما زال ثلث المأجورين خارج نظام التقاعد، وما زال التعويض عن البطالة منعدما في ظل اقتصاد غير منتج للشغل خصوصا بالنسبة لساكنة المدن التي أصبحت تتجاوز 65%. هذه الأوضاع تؤدي إلى تفاقم الأمراض الاجتماعية من تسول وتشرد ودعارة وإجرام وشعوذة، وتدني سلم القيم، وفي ظل تدهور ثقافي مريع يتحول فيه أغلب المثقفين والجامعيين إلى خبراء يقدمون خدماتهم ليس للمجتمع ولكن للدولة ولمن يدفع أكثر.
هذه الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ظل إضعاف الأحزاب السياسية من طرف المخزن والتي كانت تلعب في السابق دور الوساطة بين الجماهير الشعبية والنظام، لأن القانون لا يسمح لها إلا بتأطير المواطنين وليس الوصول إلى السلطة والحكم، لأن الحكم في المغرب في تصور المخزن غير قابل للتداول، لذلك لم يكن أمام الجماهير الشعبية الغاضبة إلا الشارع للتعبير عن رفضها للنظام وسياسته، فكانت الانتفاضات الشعبية المتتالية في شكل حراكات شعبية.
حركة 20 فبراير المجيدة التي رفعت شعار مناهضة الفساد والاستبداد وخرجت في عزها في أكثر من مئة مدينة وقرية وضمت مليون مشارك مطالبة بالحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية، ورغم سلميتها فقد واجهها النظام بالقمع مما أدى إلى استشهاد نشطاء في الحسيمة وفي آسفي. واستطاع النظام الالتفاف عليها من خلال خطاب 9 مارس2011، ودستور ممنوح في فاتح يوليوز من نفس السنة وحل الحكومة والبرلمان. وكانت حركة 20 فبراير المجيدة قد سبقتها انتفاضتي إفني وصفرو، لكن النظام لم يتعظ ولم يتصور أن هاتين الانتفاضتين ما هما إلا مقدمة لمسلسل الانتفاض الذي سيعرفه المغرب.
وستعرف الحسيمة والريف عامة حراكا اجتماعيا عارما كانت شرارته استشهاد محسن فكري في 28 أكتوبر 2016، وكان حراكا ذا طابع اجتماعي حول الصحة في منطقة تعرف ارتفاع مستويات مرض السرطان جراء القصف الكيماوي الذي عرفته المنطقة إبان معركة أنوال المجيدة بقيادة الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومن أجل التعليم في منطقة يضطر أبناؤها إلى الذهاب إلى وجدة للتعليم العالي، لكنها في العمق كانت سياسة ضد الحكرة والتهميش، وبأبعاد هوياتية، ولم يلبث النظام وأحزاب حكومته باتهام النشطاء بالانفصال وخدمة أجندات أجنبية مما مهد الطريق لعسكرة الحسيمة. واستمر هذا الحراك الشعبي الذي اتسم بالسلمية والتنظيم والشمول والعمومية، إذ كانت تخرج كل الساكنة أطفالا وشيوخا ونساء للتظاهر السلمي، الذي واجهته قوات القمع بالهراوات والقنابل المسيلة للدموع، ذهب ضحيتها العديد من المواطنين واستشهد فيها عماد العتابي، قبل أن تعمد إلى اعتقال ومتابعة والحكم على أكثر من 600 ناشط، بعضهم بعشرين سنة. ويحاكم اليوم قادة الحراك بمدينة الدار البيضاء بتهم ثقيلة قد تصل عقوبتها إلى المؤبد.
وعلى إثر استشهاد شقيقين في بئر لاستخراج الفحم الحجري بمدينة جرادة بعد إغلاق المنجم سنة ألفين بدعوى عدم مردوديته الاقتصادية، خرجت الجماهير الشعبية في مسيرات شعيبة مطالبة ببديل اقتصادي لاستمرار عيش الساكنة وتنمية المدينة والمنطقة، وبعد محاولات الاحتواء دون تقديم حلول ملموسة، واستمرار الساكنة في التظاهر، لجأت قوات القمع لمنع المتظاهرين من التظاهر، مما خلف العديد من الجرحى والمعتقلين والمتابعين وصل عددهم إلى 60، أحيل بعضهم إلى محكمة وجدة، وصدرت في حق البعض منهم أحكام تتراوح بين ست وثمانية عشر شهرا نافذا.
ولم يعرف فقط الريف وجرادة وقبلهما صفرو وافني الحراك الشعبي، بل عرفته مدن وقرى أخرى كتندرارة وأوطاط الحاج وميسور وتاهلة وطاطا وبويزكارن وغيرها.
إن الاحتقان الاجتماعي والانحباس السياسي والأفق المسدود وغياب الأمل في غد أفضل هو الذي يجعل الجماهير الشعبية تخرج للدفاع عن النفس والصدح بمطالبها، ولن تجدي المقاربة الأمنية والتضييق على الصحافة والمنظمات الحقوقية والمجتمع المدني النظيف، والمخالفين لرأي الدولة في إخماد الحراكات الشعبية.
أمام هذه الأوضاع يستمر النهج الديمقراطي بثبات في إنجاز المهام التي سطرها في مؤتمره الأخير:
بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين، باعتبارها الطبقة القادرة على قيادة التغيير، وباعتبارها الطبقة الشعبية الغير متوفرة على التمثيلية السياسية اليوم، مستندا على عمله النقابي وعمله المباشر مع العمال في أماكن العمل وفي الأحياء الشعبية، وعمله من أجل وحدة الماركسيين، تيارات وتنظيمات وأفراد.
بناء الجبهة الديمقراطية لقيادة النضال الديمقراطي من أجل التغيير الديمقراطي ومن أجل بناء نظام ديمقراطي، والمساهمة في تأطير وقيادة النضال الشعبي من أجل الديمقراطية، ساعيا إلى تحالف اليسار: النهج الديمقراطي وفيدرالية اليسار الديمقراطي على قاعدة القواسم المشتركة بدءا بالتنسيق حول قضايا مجتمعية مشتركة، والعمل على ضم القوى الديمقراطية الناشئة سواء من رحم الاتحاد الاشتراكي: البديل التقدمي، ومن حزب التقدم والاشتراكية: قادمون والقوى المناضلة في الحركة النقابية والحقوقية والأمازيغية والنسائية والثقافية، وكل قوى المجتمع المدني المناضل في جميع الحقول بما فيه الشأن المحلي.
بناء الجبهة الميدانية المناهضة للمخزن كبنية وكنظام سياسي واقتصادي واجتماعي تتضمن الجبهة الديمقراطية وتتعداها لكل القوى الحية الراغبة في التخلص من سيطرة المخزن.
إن الدولة المخزنية اليوم، وفي ظل عدم رغبتها في إعادة النظر في توزيع الثروة والدخل والفصل بين الثروة والسياسة، وفي ظل عدم رغبتها في المساس بالامتيازات غير المشروعة للوبيات والاحتكارات، ليس لها ما تقدمه للشعب المغربي أمام انكشاف سياسة المناورة والالتفاف إلا القمع ولا شيء غير القمع.
لذلك نراها تضيق على الخصوم وعلى المخالفين في الرأي وعلى الصحافة الجريئة وعلى كل من يصدع بصدق بصوت الحق، وفي هذا الإطار يأتي التضييق على النهج الديمقراطي ومنعه من استعمال القاعات العمومية، ورفض منح وصل إيداع لشبيبته رغم حكم قضائي في هذا الشأن، ورفض منح وصولات الايداع للعديد من فروعه، واستدعاء مناضلين من طرف الشرطة ومتابعتهم، ولذلك لجأ وزير الداخلية في اجتماع لجنة الداخلية بالبرلمان إلى اتهامه واتهام الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجماعة العدل والإحسان بتأجيج الحركات الشعبية.
لذلك نقول لخدام الدولة ارفعوا أيديكم عن النهج الديمقراطي، فشرعيته تاريخية نضالية قبل أن تكون قانونية، ولا هم له غير الدفاع عن حق الشعب المغربي في التحرر والديمقراطية والاشتراكية.
براهمة المصطفى
الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي
12 مارس 2018