إشكالية التعذيب


إشكالية التعذيب

حضرت أول أمس مهرجانا تضامنيا مع معتقلي الحسيمة،نظمته الجمعية المغربية لحقوق الإنسان،بمقر الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بالدار البيضاء،وحضرته عائلة محمد جلول وبعض عائلات معتقلي الجمعية والنهج الديمقراطي ،الذين حوكموا مؤخرا بسنتين سجنا نافدة إضافة الى بعض المحامين النزهاء .
تناول تقرير الجمعية ،حيثيات وظروف وملابسات اختطاف واعتقال نشطاء الحراك في الريف،موثقا بشكل جيدو معزز بملاحظات دقيقة عن الخروقات التي شابت اعتقالهم. كما تم عرض شريط فيديو،عن المسيرات في الحسيمة ٌقبل اعتقال القائد الميداني ناصر الزفزافي والناشطة الميدانية سيليا زياني،وهو شريط يفند بالصورة والصوت مزاعم السلطة وافترائها حول لاسلمية المسيرات والتظاهرات الاحتجاجية،كما يرد بالحجة القاطعة ،ومن خلال القول مباشرة،عن طريق الزفزافي أوسيليا ،في المسيرتين المذكورتين،الاحترام الملموس للقانون ،بما يعني الدفاع عن مشروعية الاحتجاج مع الحفاظ على حرية الأشخاص وعدم المس بالممتلكات العامة والخاصة.
أما تقرير مجموعة من المحامين النزهاء ،فتطرق الى مسألتين في غاية الأهمية وهما:1-الدور التكميلي لعمل النيابة العامة ،الذي قامت به بعض الصحف التي تدعي الاستقلالية والموضوعية في العمل الصحفي،وعلى رأسها جريدتي الأحداث المغربية والصباح،التين كالتا تهما مجانية لضحايا القمع والبطش،ولم يدخرا جهدا في العبث بأعراضهم،من خلال صور في غاية الاستفزاز والضغينة،دون مراعاة واحترام سرية التحقيق وأطوار المحاكمة التي لم تنطلق بعد.
2- أما المسألة الثانية فتتعلق بالتعذيب الذي تعرض له المعتقلون وهو موثق في محاضر المحامين ،الذين سيتقدمون بشكاية في الموضوع الى الجهات الوصية،من أجل إنصاف الضحايا.
وأخيرا نبه هؤلاء المحامين الى دخول بعض المحامين المندسين لأغراض أخرى ويقومون بالتشويش على السير العادي للمحاكمة،والقيام بوساطات ،خارج مهامهم القانونية الشيء الذي يتعارض مع أخلاقيات مهنة المحاماة وآدابها.
لقد شكل التعذيب الذي يتعرض له الإنسان،اهتماما بالغا لدى المنتظم الدولي،وأكدت عليه المواثيق الدولية والمعاهدات والصكوك الدولية والإقليمية التي تحرم التعذيب وكل الإعمال القاسية أو الحاطة من كرامة الإنسان وحماية حقه في الحياة.وهكذا نجد المادة الخامسة من الإعلان لحقوق الإنسان:- لايعرض أي إنسان للتعذيب ،وللعقوبات،أو المعاملة القاسية والوحشية أو الحاطة بالكرامة- لكل فرد الحق في الحياة والحرية وسلامة شخصه”المادة 2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان”.
-لا يجوز إخضاع أي فرد للتعذيب ولا للمعاملة القاسية أو اللاانسانية أو الحاطة بالكرامة” المادة السابعة من العهد الولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”.’
-يحق للشخص المحتجز أو المسجون أو لمحاميه تقديم طلب أو شكوى بشأن معاملته،ولا سيما في حالة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاانسانية أو المهينة،الى السلطات المسئولة عن إدارة مكان الاحتجاز والى السلطات الأعلى ،وعند الاقتضاء الى السلطات المناسبة المنوط بها صلاحيات المراجعة والأنصاف” المبدأ 33 الفقرة 1 من المبادئ الصادرة من الأمم المتحدة.
وحرصا من المنتظم الدولي على القضاء على التعذيب وغيره من المعاملة القاسية والمهينة للكرامة الإنسانية ،فقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية مناهضة التعذيب في دجنبر 1984 حيث عرفته بكل عمل يسبب الآلام أو المعاناة الجسدية أو النفسية للإنسان،يلحق عمدا على يد شخص يتصرف بصفته الرسمية ،أو بتحريض أو يتغاض،بقصد الحصول على معلومات أو على اعتراف أو بقصد العقاب أو التخويف أو الإرغام أو أي أسباب تقوم على التمييز.

التعذيب في التشريع المغربي
إن المشرع المغربي لا يجرم الا التعذيب المادي أي العنف(الضرب ،الجرح أو غيرها من وسائل العنف أو الايداء) أما التعذيب النفسي الذي يحدث ألما أو عناء شديدا بالعقل أو النفس فلا يجرم وبالتالي لا يعاقب عليه (الفصل231 ق.ج)الذي يحيل على الفصول 401 و403.
أما فيما يخص تحريك دعوى عمومية ضد المسؤولين عن التعذيب،فلا تتم حتى في حالة تقديم الشكايات من ضحايا التعذيب،وعلى مستوى التعويض من الدولة عن الأضرار التي تصيب ضحايا التعذيب من موظفيها لانجد نصا خاصا شبيها بالفصل226ق.ج يجعل الدولة مسئولة مدنية.غير أن الواقع المغربي المعاش، يختلف ويتناقض مع هذه التشريعات الدولية.ذلك أن ممارسة التعذيب بالمغرب منذ عقود الرصاص، ليكتسي طابعا وحشيا وبربريا، منافيا لكل المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وضاربا الكرامة الإنسانية، كوسيلة للحصول على اعترافات موقعة، وإرغام المعتقلين على توقيع محاضر الشرطة لاتخاذها كأدلة في المحاكمة السياسية.
إن ظاهرة التعذيب ليست وليدة اليوم،بل إنها ظاهرة شكلت باستمرار وجها بارزا في مسيرة الاضطهاد والظلم في بلادنا وأسلوبا تابتا للإجهاز على رأي مخالف أو معارض سواء كانت معارضة سياسية أو شعبية،وكونت منهجا تابتا لامتهان كرامة الإنسان وادلاله وإخضاعه لدى السلطة الحاكمة.
حسن الصعيب
09-06-2017