افتتاحية: حراك الريف يفتح طريق التغيير الثوري

حراك الريف يفتح طريق التغيير الثوري

صمدت جماهير الريف واستطاعت ان تجعل من حراكها شانا عاما يحظى بالاهتمام والمتابعة.تمخض عن هذا الاهتمام ملفات مطلبية تمت صياغتها عن طريق التداول الشعبي والجماهيري وقدمت صيغ أولية في جموعات شعبية وقرئت المسودات، مما سمح باغتنائها لاحقا.لم يكن لهذه العملية الديمقراطية المباشرة والشعبية ان تنتج هذه الملفات لو لم توجد انويه تنظيمية لعب فيها الشباب الأدوار الرائدة؛ تطلبت منه جهدا وتضحيات معتبرة.في حراك الريف تضافرت العوامل الحاسمة التالية: أولا توفر عامل الاستعداد للنضال والتخلص من الخوف ومن كل كوابح إعلاء كلمة الحق عند الاغلبية العظمى من الجماهير ثم عامل توفر طاقات شبابية لها بعض الدراية في خوض الصراع الاجتماعي والسياسي وأخيرا عامل وجود خصائص مشتركة لمنطقة واسعة عانت من التهميش ومن الانتقام السياسي الذي عوملت به طيلة مراحل من التاريخ الحديث.ان تفاعل هذه العوامل سمح للحراك بان يتمدد خارج مركزه بالحسيمة ليعم مجموع منطقة الريف.ومما زاد من تأجج هذا الحراك وحصول القناعة التامة بضرورته حتى عند المترددين في البداية، هو نهج النظام المخزني لسياسة القمع والمقاربة الامنية.لقد شكلت روح التضامن الجهوي ذلك الاسمنت الذي قوى لحمة الحراك ومده بالشحنة اللازمة للصمود.
اعتقد البعض ان حراك الريف ليس إلا مجرد احتجاجات ترفع مطالب اجتماعية عادية سرعان ما سيتم التخلي عنها، ولن يصمد المحتجون امام قمع وتعنيف النظام.لكن الوقائع اثبتت العكس وعرت عن حقيقة ان هذا الحراك هو اصطدام بين إرادتين متناقضتين: إرادة ساكنة الريف التي راكمت ما يكفي من الخبرة في الصراع مع الحكم، وإرادة النظام التي تعتبر ان اي تساهل مع هذا الحراك هو فتح ثغرة في جدران الاستبداد.
لحسم هذا الصراع عمل النظام على الرفع من وثيرة المقاربة الامنية عبر قمع المسيرات والمزيد من عسكرة المنطقة ثم أخيرا شن حملة الاعتقالات والاختطافات والتهجير بل نفي المعتقلين من المنطقة الى سجون ومعتقلات الدار البيضاء.نجم عن هذه الخطوة التصعيدية تداعيات كبيرة، كان من اهمها هو نقل الصراع والحراك من منطقة الريف الى مناطق اخرى عبرت في البداية عن التضامن الذي هو واجب المواطنة، ثم إقرار المتضامنين بان اسباب الحراك غير محصورة في منطقة الريف بل تتعداها الى باقي الجهات والمناطق وأنها تواجه نفس السياسات التفقيرية والتجهيلية ونفس القمع والاضطهاد لدولة فاسدة ومستبدة.لقد كانت المناطق المهمشة سباقة في إعلان تضامنها بل اطلاق مسلسل صياغة المطالب الشعبية الخاصة وتشكيل التنسيقيات واللجان التي ستسهر على تاطير لجان الأحياء وتنظيم الجموعات العامة وباقي أشكال النضال من اجل فرض المطالب.
في هذا الاطار جاءت الدعوة لمسيرة شعبية بالرباط يوم 11 يونيو ،استطاع المنظمون ان يحشدوا عشرات الالاف من المواطنات والمواطنين من مناطق بعيدة جدا رغم كل عراقيل قوات القمع او تواطؤ ادارة السكك الحديدية.لقد نجحت المسيرة في التعبير عن التضامن الكبير والتعاطف مع حراك الريف وذلك باستحضار اهم مطالبه من رفع العسكرة وتلبية المطالب كاملة وإطلاق سراح نشطاء الحراك وتوقيف المتابعات في حق الاخرين وفتح التفاوض حول مطالب الحراك مباشرة وبدون وسائط مع قيادة الحراك.اكدت المسيرة ايضا على ان الوضع مناسب من اجل رفع شعار مؤطر للنضالات وهو الحراك في كل مكان.لقد اكدت المسيرة الناجحة بان فك العزلة الحقيقي والتضامن الفعلي سيتم عبر رفع مطالب ساكنة كل منطقة وجهة وخوض حراكها على قاعدة المطالب الخاصة، مع الأخذ بعين الاعتبار المطالب العامة والتي ساهمت حركة 20 فبراير في وضعها وتوضيحها لعامة الشعب.
ان مجمل هذه التفاعلات بين الجهات والمناطق وحضور هذه الرغبة في الخروج الى الشوارع والساحات العامة ومواجهة قوات القمع وتحديها كل ذلك يبرهن على اننا امام طفرة جديدة في السيرورة الثورية ببلادنا ولعلها ستكون اقوى وأعمق من حلقتها الاولى ايام 20 فبراير 2011.
مع هذه الموجة الجديدة برزت خاصية فارقة، وهي الدور الطليعي الذي لعبه الشباب في قيادة الحراك بنفس متمرد على الاطارات الحزبية بل احيانا في مواجهة وتناقض بين.ان لروح التمرد هذه مبررات قوية تجد سندها او سببها في الدور الخبيث او الخيانة الفاضحة التي قامت بها العديد من الأحزاب السياسية الرجعية او المندمجة مع المخزن.لقد كذبت هذه الاحزاب وباعت الاوهام للمواطنات والمواطنين خاصة ايام الحملات الانتخابية.انها احزاب تنشط فقط ايام هذه الحملات وبعد اسدال الستار تنسحب تماما من المشهد وتنهمك في نهب المنطقة والاستفادة من الريع السياسي.لقد استحقت مثل هذه الاحزاب وصفها بالدكاكين السياسية .هكذا فقدت هذه الاحزاب اية مصداقية وباتت عرضة لحملة شرسة من التشهير مما حرر قيادة الحراك من اي تحكم او مناورات الالتفاف والاختراق من طرف هذه الاحزاب او من ينوب عنها.لقد استطاع الحراك ان يقيم محاكمة شعبية للقيادات السياسية المتعفنة.انها بوادر وعي سياسي حاد يفسح المجال للقيادات المناضلة والميدانية لكي تلعب دور التاطير والسير بالحراك إلى مداه.اننا امام تجربة وليدة تطرح العديد من الاسئلة والمشاكل مما خلق الارتباك والبلبلة عند الاحزاب والقوى المناضلة.
فهذه القيادة المتمردة تتعرض الى كل اشكال الضغط من طرف النظام المخزني وأحزابه مما يجعلها ترتبك او حتى تسقط في الاستفزاز والفخاخ.ان هدف الرجعية هو قتل هذه التجربة وتشويهها.
كيف نفهم نحن في النهج الديمقراطي هذه الظاهرة وما هو المطلوب منا كمناضلين متواجدين في الميادين والى جانب هذه القيادات؟ للإجابة على هذه الاسئلة لابد من التذكير بخطنا الايديولوجي والسياسي والذي يوضح اننا حزب يتبنى خط الجماهير، وبان الجماهير هي من تحرر نفسها بنفسها وهي وحدها صانعة التاريخ.وانطلاقا من هذا المبدأ فإننا نعترف للجماهير بحق بناء تنظيماتها الذاتية والمستقلة.وكلما نجحت في هذه العملية كلما اكتسبت الجماهير الثقة في نفسها لكي تنتظم وتبني انويه سلطتها البديلة.لذلك يتعامل مناضلاتنا ومناضلونا بفهم عميق لهذه الظاهرة ويدعمونها ويشجعونها ويساعدونها لتحمي نفسها من الاختراق وكل عمليات تأجيج التناقضات الثانوية لتفجيرها من الداخل.ان الحزب يرتبط بهذه الحركية يرشدها وفي ذات الوقت يتعلم منها.
اننا امام موجة جديدة من الأشكال التنظيمية ومن النضالات، وهي بكل تأكيد تتجاوز تجربة حركة 20 فبراير المجيدة.وحدها الاحزاب والقوى والفعاليات التي تدرك هذه الخصائص من سيتمكن من التطور ويجد نفسه في الحراك يعيش مع نبض الشعب، أما من يضع الخطاطات المسبقة والسناريوهات القبلية وينتظر أن يتماهى الحراك مع نظريته وأنموذجه فسيجد نفسه خارج الحراك يتفرج من علياء شرفة برجه العاجي.


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com