التعليم العالي المغربي بين “مشاريع الاصلاح” وواقع الأزمة


التعليم العالي المغربي بين “مشاريع الاصلاح” وواقع الأزمة

elouassouli_abdelhak-4 ذ. عبد الحق الوسولي

إن اختيار هذا الموضوع حول التعليم العالي وخصوصا الجامعي نابع من قناعتنا أن الجامعة هي قبل كل شيء فضاء للتفكير الحر المبدع والخلاق بعيدا عن التعصب العقائدي، الطائفي والعرقي. إن وظيفة الجامعة لا تنحصر في التحصيل العلمي فقط بل هي فضاء واسع للنقاش والجدل وإنتاج الأفكار والتنظير للمجتمع وإبداء الرأي في المشروع المجتمعي الذي نريد، مجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، مجتمع ديمقراطي خال من استغلال الإنسان لأخيه الإنسان. إن اختيارنا لهذا الموضوع نابع أيضا من قناعتنا أن مستقبل الإنسانية مرتبط أساسا بجودة التكوين يكون الهدف الأساسي منه هو الإنسان وخدمة الإنسانية دون أن ننسى دور البحث العلمي في شتى الميادين كونه قاطرة التنمية. فالسؤال الذي يفرض نفسه وبإلحاح هو “هل الجامعة المغربية نجحت ولو نسبيا في أداء دورها الهام ولو في حدود؟”.
قبل الخوض في هذا التساؤل المشروع لا بد التذكير ولو بعجالة بواقع التعليم أو بالأحرى السياسة التعليمية المتبعة من طرف النظام ولو باختصار شديد لأنه لا يمكن أن نخوض في التعليم العالي قبل فهم ما يجري بالتعليم ككل. إنه لمن درب الخيال أن نلم بجميع الإشكاليات التي تهم العملية التعليمية والتربوية لأن المشكل جد معقد ومتداخل لكننا سندلي ببعض الملاحظات الأساسية التي ستسعفنا في فهم واقع التعليم العالي الذي يعيش حاليا أزمة مركبة.
1- الهدف من التعليم
لا بد من التذكير بالأهداف الستة للتعليم للجميع المتفق عليها دولياً والتي ترمي إلى تلبية حاجات التعلم لجميع الأطفال، والشباب والكبار بحلول عام 2015
• الهدف 1: توسيع وتحسين الرعاية والتربية على نحو شامل في مرحلة الطفولة المبكرة، وخاصة لصالح أكثر الأطفال تأثرا وأشدهم حرمانا.
• الهدف 2 : العمل على أن يتم بحلول عام 2015 تمكين جميع الأطفال من الحصول على تعليم ابتدائي جيد ومجاني وإلزامي، وإكمال هذا التعليم مع التركيز بوجه خاص على البنات والأطفال الذين يعيشون في ظروف صعبة وأطفال الأقليات الإثنية.
• الهدف 3: ضمان تلبية حاجات التعلٌم لكافة الصغار والراشدين من خلال الانتفاع المتكافئ ببرامج ملائمة للتعلٌم واكتساب المهارات اللازمة للحياة.
• الهدف 4: تحقيق تحسين بنسبة 50 في المائة في مستويات محو أمية الكبار بحلول عام 2015، ولاسيما لصالح النساء، وتحقيق تكافؤ فرص التعليم الأساسي والتعليم المستمر لجميع الكبار.
• الهدف 5 : إزالة أوجه التفاوت بين الجنسين في مجال التعليم الابتدائي والثانوي بحلول عام 2005، وتحقيق المساوة بين الجنسين في ميدان التعليم بحلول عام 2015، مع التركيز على تأمين فرص كاملة ومتكافئة للفتيات للانتفاع والتحصيل الدراسي في تعليم أساسي جيد.
• الهدف 6: تحسين كافة الجوانب النوعية للتعليم وضمان الامتياز للجميع بحيث يحقق جميع الدارسين نتائج واضحة وملموسة في التعلٌم، ولاسيما في القراءة والكتابة والحساب والمهارات الأساسية للحياة.
فأين نحن من كل هذا؟ إن الواقع الحالي وباعتراف المسؤولين عن السياسة التعليمية ببلادنا من أعلى الهرم إلى أسفله يقر بفشل المنظومة التربوية ببلادنا (خطابات الملك، تصريح وزير التعليم” 70 في المائة من التلاميذ في السنة الرابعة ابتدائي لا يحسنون القراءة والكتابة”، تقرير المجلس الأعلى للتعليم، 10مليون أمي في 2015..). فالتعليم الأساسي الجيد غير موجود بالنسبة ل90 في المائة من الأطفال المغاربة علما بأن التعليم الأساسي يلعب دورا مصيريا بالنسبة للعملية التربوية والتعليمية ككل (فيلاندا والنرويج كمثال)، الجودة عير موجودة تماما بدءا بالبرامج والمقررات والمناهج التي لا تساير العصر مرورا برداءة وقلة البنيات التحتية والموارد البشرية وانتهاء بالسياسة التعليمية للنظام والتي في نظرنا يجب الوقوف عليها وتحليلها لأن فهمها والتصدي لها والنضال من أجل تجاوزها يعد من بين المداخيل الأساسية لإصلاح التعليم ببلادنا.
2- السياسة التعليمية
إن مظاهر تردي قطاع التعليم ببلادنا ليست جديدة، فهذا القطاع تعرض لمحاولات “إصلاح” متكررة لم تخرجه أبدا من أزمته البنيوية ولا تفعل تلك المحاولات، كل مرة، سوى أنها تفاقم وتعمق مظاهر الأزمة. كما أن هذا القطاع بطبيعته كان دائما محط صراع سياسي بين منظور رسمي يهدف باستمرار إلى تكريس منظور نخبوي يضرب مجانية التعليم وجودته ومحاصرة الفكر النقدي والتحرري من جهة ومنظور ديمقراطي تقدمي مناقض تعليم شعبي ديمقراطي، علمي وعلماني، مجاني وجيد للجميع من جهة ثانية. فهو إذن كان وسيبقى جزءا من معادلة الصراع العام في المجتمع.
إن عدم فهم الهدف العام وهو أي مجتمع ننشد بناءه للأجيال القادمة سيضعنا بالضرورة أمام إشكال عويص وهو استحالة الإجابة على السؤال الإشكالي: أية مدرسة نريد؟ وبالتالي أي مواطن أي إنسان نريد؟
إن السياسة التعليمية ببلادنا المتبعة ومنذ نهاية السبعينات تقريبا هي سياسة طبقية بامتياز. فهناك مدرسة للكتلة الطبقية السائدة والتي تهدف إلى إعادة إنتاج النخب القادرة على التفكير والمحافظة على امتيازاتها الطبقية وهذا بالطبع متاح فقط لأبناء الأغنياء (المدرسة الأمريكية، مدارس البعثات وبعض التعليم الخاص الباهظ الثمن لأبناء الطبقة المتوسطة) علما أن هذه الفئة لا تتجاوز عشرة بالمائة، بالمقابل مدرسة عمومية لأبناء عموم الشعب والتي كانت على الأقل حتى حدود السبعينات وسيلة للترقي الاجتماعي وهذا لم يكن أن يتم بفضل تضحيات نساء ورجال التعليم ومقاومتهم للسياسة الطبقية واللاشعبية للنظام، لكن ومنذ نهاية السبعينات بعدما أن زج النظام بخيرة رجال التعليم في السجون وضرب الإتحاد الوطني لطبة المغرب وتشجيع الظلاميين والفكر الظلامي استطاع أن يطبق سياسته الطبقية وأصبح الهدف من المدرسة العمومية هو محاصرة العقلانية والفكر التحرري والنقدي وبالمقابل شل العقل عن التفكير وفي نهاية المطاف الهدف الرئيسي للمدرسة العمومية هو إعداد يد عاملة مؤهلة تكون في خدمة الكتلة الطبقية السائدة والشركات المتعددة الجنسيات وبأجور متدنية لكنها غير قادرة على الإبداع والتفكير في مستقبلها.
من هنا نستشف أن مشكلة منظومتنا التعليمية تتجلى بالإضافة إلى غياب الحكامة الجيدة في التسيير على طول هرم الدولة والمؤسسات التابعة لها والمتدخلة في شأن التعليم بالمغرب، تتمحور على الخصوص في غياب رؤية مجتمعية واضحة، هذه الرؤية التي ستطبق من خلال إرادة سياسية قوية نزيهة وشجاعة. هذه الحقيقة اثبت الواقع صحتها، خاصة مع فشل كل محاولات “الإصلاح” المتعاقبة منذ الاستقلال الشكلي إلى اليوم.
لقد أصبح حقل التعليم مختبر تجارب، مرة بضغط من مؤسسة البنك الدولي من خلال سياسات التقويم الهيكلي خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي، ومرة بسبب غياب الإرادة الحقيقية للدولة من اجل تطبيق إصلاح حقيقي يكون هدفه هو تكوين مواطن حر قادر على رفع كل التحديات.
المعطى الثاني الذي يعرقل كل المحاولات “الإصلاحية” حتى مع افتراض النوايا الحسنة هو أن المنظومة التعليمية هي جزء من المنظومة الاجتماعية، السياسية، الثقافية والاقتصادية للمجتمع وهو ما يعني أن أي إصلاح لا ينطلق من مبدأ الشمولية ويجعل كل القطاعات متداخلة ومترابطة بهدف تفادي أي ثغرة من شانها إفشال محاولات إصلاح قطاع التعليم، سيؤول لا محالة للفشل. فلو افترضنا أن أي إصلاح يستهدف التلميذ والرفع من مردوديته خلال مساره التعليمي بدءا من التعليم الأولي إلى نهاية تعليمه الجامعي، وأن التلميذ المستهدف هو التلميذ المغربي دون اي تمييز بسبب الطبقة او الجنس او الموقع الجغرافي (شمال، جنوب شرق، غرب وأيضا في البادية كما المدينة)، فإن عملية الإصلاح تفرض بالضرورة تنمية اجتماعية ، اقتصادية وفكرية شاملة.
المعطى الثالث يتعلق باستلهام التجارب الناجحة في المنظومات التعليمية عبر العالم، ليس من الضروري نسخها وإنما الاستفادة منها خاصة في مسألة التشخيص والتكوين.
المعطى الرابع: الاقتناع بأن أي إصلاح يستبعد تطبيق الديمقراطية الحقيقية في كل مراحل العملية التعليمية وعلى مدار المعيش اليومي داخل المؤسسات التعليمية سيؤول للفشل. فالديمقراطية تعني إقرار مواطنة حقيقية والتي تعني بدورها منح الحقوق الأساسية لكل المواطنين دون تمييز، والحق في تعليم جيد هو احد هذه الحقوق الأساسية والتي تعتبر شاملة وغير مجزأة. والحال أن واقع تعليمنا ما زال بعيدا عن تحقيق المساواة والعدالة في جميع أسلاك التعليم، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية او بالبرامج التعليمية بل وحتى بلغة التدريس.
هذا المعطى يحيلنا على أن خلل اللامساواة واللاديمقراطية لم يصب فقط المنظومة التعليمية بل إن هذا الخلل أحدث شرخا واضحا في المجتمع المغربي.
ما نلاحظه من تراجع في المستوى التعليمي، ومستوى التواصل اللغوي بين أفراد المجتمع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الانحطاط الثقافي والفكري والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي سببه الرغبة في تدمير المجتمع ونخره واستبعاد أي قدرة ممكنة على النهوض والتنمية وشل العقل والفكر وخلق مواطن غير مبدع بفكر مشلول وغير خلاق .لقد نجحت الدولة في تطبيق سياستها الطبقية بامتياز.
3- المقارنة بين مدرسة الأمس ومدرسة اليوم
إن الحديث اليوم عن استمرار تدني مستوى التعليم بالمدرسة العمومية حتى وصوله اليوم إلى الأمية الشبه تامة في نهاية الابتدائي هو اعتراف صريح بأن مستوى تكوينهم وتعليمهم في الماضي كان جيدا وكانت بذلك الريادة للمدرسة العمومية أما المدرسة الحرة فكانت قاربا للنجاة لمن استعصى عليه متابعة دراسته بالمدرسة العمومية. بالأمس كانت المدرسة العمومية تتميز عن مدرسة اليوم بحس نقدي والثقة في قدرات التلميذ الذهنية، فكانت مضامين المقررات، كما ونوعا عموما جدة وهامة ودسمة ومفيدة وممتعة للأستاذ للتلميذ وللأستاذ على العموم.
و لنفس الاعتبار كانت المنهجية المتبعة في التلقين تتسم بنفس الجدية وهادفة بالقدر الذي كانت تتطلب من التلاميذ الاجتهاد من أجل السمو بعقولهم إلى المستوى العالي لمضامين البرامج المقررة وليس العكس. بمعنى آخر لم يكن مقبولا النزول بمستوى برامج التعليم الابتدائي ومقررات باقي الأسلاك إلى مستوى ضعاف التلاميذ على حساب المتوسطين والمتفوقين منهم. إذا أن عيب تلك البيداغوجية التي كانت متبعة بالأمس بالمدرسة العمومية، هو نفس بيداغوجية فرز الأبطال الرياضيين، ويكمن في الاقتصار على الاهتمام بالمتفوقين بالأساس والمتوسطين نسبيا وإهمال الضعاف منهم والتخلي عنهم في الطريق. إن المدرسة العمومية أساسا كانت نخبوية بامتياز. وباجتهاد خاطئ مرت المدرسة من تحيز لتلاميذها المتفوقين إلى تسويتهم بالضعاف. لعل من بين الخلل الذي أدى إلى فشل المدرسة اليوم جاء من اجتهاد المسؤولين بتوصية من المؤسسات الدولية ومن الكتلة الطبقية السائدة الإفراط في تبسيط برامج ومناهج مدرسة الأمس من أجل تفادي الفشل المدرسي في حق ضعاف تلاميذها، ولكن على حساب المتفوقين والمتوسطين منهم. فانتقلنا بذلك الاجتهاد من مجرد فشل ضعاف التلاميذ إلى فشل جميع التلاميذ وفشل المدرسة بعينها وبأكملها بل فشل جل المنظومة التربوية.
4- التعليم العالي المغربي بين “مشاريع الإصلاح” وواقع الأزمة
• تقديم
تعيش المنظومة التعليمية بالمغرب، وبالرغم من محاولات الإصلاح المتتالية، أزمة مزمنة منذ نهاية السبعينات سببها تعاقب سياسات تعليمية مرتجلة تفتقر إلى الاستمرارية وبعد الرؤيا ولا تضع في مركز اهتمامها الفعلي العنصر البشري من تلاميذ وطلبة وأساتذة، كما لا تولي الاهتمام اللازم لصيانة وتحديث الفضاء التعليمي من بنيات تحتية وتجهيزات ولتحسين ظروف إنجاز العملية التعليمية والتأطير والبحث العلمي باعتباره محور هذه العملية في التعليم العالي. وتتجلى اليوم عواقب هذه السياسات في:
– الإجهاز على صبغة “القطاع العمومي” للتعليم وذلك بالتحفيز على خلق ” مسالك مربحة اقتصاديا” وخوصصتها تدريجيا لتبقى حكرا على نخبة معينة داخل المجتمع ضربا لمبدأ تكافئ الفرص،
– الاقتصار في محاولات إصلاح التعليم العالي على الجانب التقني وعدم ربطه بأوراش كبرى لإصلاحات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية تصب في اتجاه الإجابة على إشكالات التخلف (انظر المؤشرات الدولية الخاصة بالمغرب)…التي يعاني منها الشعب المغربي،
– الاتجاه نحو تخلي الدولة على دورها في مجال التعليم وفتح هذا القطاع الوطني الإستراتيجي على الاستثمار لفائدة الرأسمال الأجنبي والمحلي تمهيدا لتسليعه وتبضيعه، وتغيير مصادر تمويل الجامعة وكذا شروط توظيف أطر التعليم العالي بالاعتماد التدريجي على “المتعاقد” و”المستخدم” ،
– غياب الدمقرطة الفعلية في تسيير وتدبير التعليم العالي والبحث العلمي، وتغليب منطق التعيين والقرارات الفوقية، وذلك بالرغم من بعض التغييرات الشكلية،
– تهيمش البحث العلمي كمحور إستراتيجي في التعليم العالي لتطوير وتحيين المفاهيم والمضامين الملقنة وللتكوين المستمر للأستاذ الباحث، وذلك سواء من خلال الميزانية الهزيلة المخصصة له وغياب التحفيز الحقيقي بالنسبة للأساتذة الباحثين، وعدم ربط البحث العلمي بالإصلاح التربوي من جهة وربطه بالتنمية وتقدم المجتمع وتطوره في مجال التكنولوجيا، والاقتصاد، والصناعة والفلاحة… من جهة أخرى.
استنادا لما سبق فواقع التعليم العالي لا يمكن له أن يكون غير ما هو عليه الآن، فإنه يسير من سيئ إلى أسوأ نظرا لعدة عوامل متداخلة ومتشابكة من بينها بطبيعة الحال وضعية التعليم العمومي بشكل عام. فكما أشرنا سابقا فإن التعليم العمومي المتاح لأبناء الشعب يجب أن ينتج في أحسن الأحوال يد عاملة مؤهلة تكون في خدمة الرأسمال الطفيلي والكتلة الطبقية السائدة. إن التركيز على الإجازات الممهننة والماستر الممهنن المؤدى عنه والذي أدى إلى تكوين رديء وفي بعض الحالات يمكننا أن نجزم بأن تسليم الشهادات “الليلية” بالمقابل أي بلغة السوق بيع الشهادات. أضف إلى ذلك اعتماد نظام الإجازة-الماستر- الدكتوراه قد ساهم بشكل كبير في هذا المنحى التراجعي لأنه وبكل بساطة ليس لدينا لا الإمكانيات البشرية ولا المادية لتطبيقه بشكل يتماشى مع ما هو معمول به في الدول الأخرى. أما أبناء الطبقة السائدة فلهم التعليم الجامعي الخاص والدراسة في الجامعات والمدارس الغربية وهؤلاء هم أطر المستقبل والذين سيتحكمون طبعا في السياسة والاقتصاد (أسوأ خلف لأسوأ سلف). ولابد من التذكير هنا بأن عدد الجامعات الخصوصية قد تكاثرت خلال هذه السنوات الأخيرة واستفادت من عدة تشجيعات من طرف الدولة وآخرها هي كليات الطب الخصوصية والمدارس العليا.
ا- الجامعة المغربية ومسار التحول
لقد شهدت الجامعة المغربية في العقود الأخيرة حركة توسع على مستوى الكم ، وصاحب هذا التوسع توزيع عشوائي جغرافي للمواقع الجامعية وإن ظل القسط الأكبر منها يتمركز حول الخط الساحلي الممتد على طول المحيط الأطلسي، وقد لا يخلو هذا التمركز من مزايا نوعية، وعمليا فإن هذا التوزيع محمل بعناصر ومعالم الأزمة التي يعاني منها التعليم العالي ببلادنا، إذ يبدو أن كثيرا من المواقع تفتقد إلى الشروط الموضوعية الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والثقافية لقيامها وهو ما أثر على خارطة التعليم العالي ومتغيراته المحتملة، حيث فقدت الجامعة طاقتها المعرفية والأكاديمية ومخزونها الرمزي، وربما انتهى دورها أحيانا وانتفت الشروط التي أسست لها.
إن هذا التوسع الكمي بمعنى آخر يبدو وكأنه مبادرة منهجية من أجل تخريب الجامعة المغربية، إذ لا يتجاوز بعده صيغة توفير أو تعميم تعليم عال فقير لأبناء الشعب، وهو في ظاهره شعار مضلل، ومفيد في سياق استعراض مقومات خطاب الإنجازات الكبرى، لكنه في الواقع لا يحمل غير بوادر استنفار مقدرات التشتيت والتسييب من أجل طمس المعالم الرئيسية التي وفرتها الجامعة المغربية في نموذجها السائد قبل عقود، إذ أن هذا التوزيع لا يعبر عن عمق تطلع جديد أو استراتيجية بناءة للنهوض بالتعليم العالي، بل يسهم في خلق توترات مضافة إلى فضاء الوعي بالصدمة التي يواجهها المجتمع المغربي على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي، والمعطيات المتوفرة على كافة المستويات تفيد أن حجم هذا الإنجاز الكمي لا يستند إلى منظومة هادفة عملية واضحة تهدف الارتقاء بالجامعة المغربية وتطويرها ولم يحقق أي تقدم أو طفرة على صعيد الممارسة والنهوض بالتعليم العالي أو البحث العلمي، ولم يفلح بالمرة في محاولة صهر الجامعة في نسيج حركية المجتمع والحياة الاجتماعية، ولم يلعب أي دور في خلق أو تطوير صيغة أو دور جديد للجامعة في خضم التحولات التي يشهدها المغرب والعالم من حوله، وكل المؤشرات تقود إلى أن الجامعة المغربية في ظل هذا الوضع محاصرة بفضاء متأزم لا يمكن بالسهولة تقدير أبعاد الأخطار التي يحتويها وانعكاساتها السلبية على المجتمع وتطوره.
إن هذا التوسع الكمي لم يكرس دور الجامعة كقوة أساسية في بناء وتطوير المجتمع بل ساهم في مضاعفة العوائق التي تعوق دورها في المجتمع، والملاحظ أنه أسهم بشكل مباشر في الرفع من نسبة الخريجين بصورة مذهلة، غير أن الرفع أيضا ظل مشدودا إلى عامل الكم، ولا يتناسب والخدمة التي تؤديها الجامعة، وفي مقابل ذلك ظل توظيف الأساتذة الباحثين والأطر الإدارية المؤهلة بعيدا عن هذا التطور، بل إن الأمر يتعلق بالتراجع في هذا الباب، إذ أن الجامعة المغربية أصبحت تعتمد على تشغيل يد عاملة من خارج فضاءاتها الأمر الذي سيكون له التأثير العميق على الإنتاجية المعرفية والمردودية الأكاديمية والجودة، وهذا ما يجعلها أكثر عرضة لتأثيرات بنيوية قد تعجل بانهيار كثير من مقوماتها وتغيير كثير من توجهاتها.
وشرعت في ظل هذا الوضع مجموعة من الإجراءات لدعم هذا التوجه ورعايته لعل أبرزها السير في اتجاه ترسيخ مبدأ استقلالية الجامعة وهو ما حمل بوادره القانون 01.00 الخاص بتنظيم العليم العالي، والذي هيئ كإطار تنظيم قوي لتحديد مسارات التعليم العالي المستقبلية، غير أن هذا الإطار كرس من جديد العديد من الاختلالات في بنيان التعليم العالي ببلادنا وأثبت لحد الآن عدم كفايته للتصدي للتحديات التي تواجهه، والحديث عن استقلالية الجامعة يتم في الواقع في غياب المفهوم السليم لرسالة الجامعة والجامعيين، إذ ما يحدث الآن هو تحويل الجامعات إلى «إقطاعيات صغيرة» يعلو فيها حضور سلطة رئيس الجامعة بشكل قوي ومستبد، بل إن هذا الحضور هو الإطار المرجعي ومصدر «الحاكمية» في الجامعة، وتاريخ الممارسات العملية يدعم هذا الاحتمال إذ أن سلطة الرئيس حاسمة مثلا في تعيين واختيار العمداء وفي اللجان التي تتولى البث في هذه الاختيارات بحيث يبدو وكأن كل العمليات تتم وفق منطق الولاء والزبونية، ولذلك فإن استقلال الجامعة محمل بأبعاد خفية ومضمرة تقودنا بالملموس إلى ترسيخ عملي لمبدأ استقلالية رئيس الجامعة وليس الجامعة، ولاسيما مع غياب آليات المساءلة والمراقبة والمحاسبة، ولهذا فإن العوامل التي تهدد استقلال الجامعة تتضاعف مع تكريس كثير من الممارسات السلبية القائمة التي يغذيها غياب الديمقراطية والشفافية والنزاهة والموضوعية.
في هذا الباب ينبغي أن نشدد على المعطيات التالية:
● إن التوسع الكمي للجامعة المغربية على صعيد الممارسة لم يكن إلا واجهة للقضاء على النوعية وتشجيع النزوع إلى توفير مزيد من ظروف وعوامل الانهيار الذي يستهدف الجامعة، والدفع نحو فقدان الثقة في التعليم العالي العام وجدواه.
● إن هذا التوسع لا ينبغي أن يكون مطلوبا لذاته، إذ لن تكون له أية فائدة في هذه الحال ما لم يكن مؤسسا على استراتيجية واضحة المعالم تنبني على رؤية هادفة تحدد دور الجامعة وآفاق وطريق العمل في مجال خدمة المجتمع.
● إن الحديث عن استقلال الجامعة يرتبط ارتباطا عضويا بمجالات هذه الإستراتيجية وحدودها بما يتناسب والاستجابة للتطورات التي يشهدها مجتمعنا، والتطبيق الفعلي لهذا الاستقلال ينبغي أن يتأسس على مقومات وآليات لها دورها الوظيفي في الحفاظ على فعاليته واستمراريته، ومنها تعميق وتوسيع الديمقراطية على مستوى الهياكل الجامعية بشكل يضع السلطة التقريرية في صلب مهامها باعتبارها هياكل لها مسؤوليتها الإدارية والتربوية والعلمية والبيداغوجية، واستبعاد مبدأ التعيين الذي لا يشكل سوى حلقة لضرب مبدأ الدمقرطة، وتكريس واقع استبعاد دور الفاعلين الحقيقيين في الجامعة وبناء كيانها، ويجب أن تتعزز الخطوات في هذا الباب لفرض الديمقراطية الحقيقية التي تقضي بانتخاب رؤساء الجامعات والعمداء الذين يتوجب أن يكون انتماؤهم للتعليم العالي.
● إن مبدأ دمقرطة الجامعة يستوجب في العمق التجديد في النظر إلى الدور الفعال للجامعة في إطار اعتماد معايير موضوعية تضمن انخراطها الكلي في الحركة الاجتماعية والثقافية لبلادنا، كعنصر فاعل وأساسي، وهو مبدأ سيظل رهين مدى توسيع وتحقق الممارسة الديمقراطية خارج الجامعة، على مستوى العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة.
● إن استقلالية الجامعة لا يعني القذف بالجامعة لأن تغدو تابعة بشكل من الأشكال لإرادة القوى المتحكمة في تقلبات السوق أو الشغل، أو مجموعات ضاغطة ذات أهداف لا تتلاءم ورسالة الجامعة وأهدافها، إذ أنها بذلك تفقد قدرتها على إنتاج وإنجاز مهامها في ميدان البحث الأكاديمي وتطوير مجالاته على أساس الموضوعية والحرية والصرامة والنزاهة العلمية.

ب‌- الإصلاح البيداغوجي وتخريب التعليم العالي
– تشخيص لواقع الإصلاح
طبق مع بداية السنة الجامعية 2003ـ2004 نظام جديد للدراسة والمواد والشعب، يستند في عمومه إلى القانون 01.00، وإلى مذكرات وزارية، وإلى نتائج أعمال بعض اللجن المعينة لهذه المهمة. وجاء هذا النظام بإعادة الهيكلة البيداغوجية للدراسة في إطار مسالك ووحدات ومجزوءات، وتغيير برامج الدراسة في فصول، وتغيير نظام الامتحانات، والشواهد بما اصطلح عليه نظام LMD. إلا أن النظام الجديد، وبالرغم من المجهودات التي بدلها الأساتذة، صاحبته العديد من المشاكل نذكر منها:
– انعدام الرابط بين الإصلاح البيداغوجي وخيارات استراتيجية كبرى واضحة تستجيب لطموح الشعب المغربي وتوفر حلولا للمشاكل الحقيقية التي تعاني منها الجامعة المغربية ،
– الإلقاء بمسؤوليات جديدة التي على عاتق الأستاذ والطالب والإداري دون أي تحفيز للمعنيين بالأمر،
– التركيز على المراقبة واختزال العلاقة بين الطالب والأستاذ في التنقيط وتهميش عنصر التأطير والاحتضان،
– محدودية الإمكانات البشرية والمادية المعتمدة وضعف نسبة التأطير،
– إبعاد مؤسسات تكوين الأطر عن الإصلاح ، وتهميش إمكاناتها البشرية والعلمية خصوصا ما لها ارتباط بالجانب البيداغوجي ( مؤسسات تكوين الأطر التربوية)،
– الإجهاز على مكتسبات هامة، منها مجانية التعليم واعتماد التكوينات المؤدى عنها، والخضوع لمنطق ” تكلفة التعليم” ،
– التسرع الذي طبع وضع وإعادة صياغة المضامين الجديدة الملقنة للطلبة، والذي أدى إلى تجديدها شكلا وانعدام انسجامها مضمونا ، وعدم انفتاحها على آفاق واضحة، وغياب استجابتها لمواصفات تخرج مضبوطة مرتبطة بحاجيات معينة وأهداف استراتيجية محددة،
– ازدواجية الأنظمة داخل نفس المؤسسة وخلق مؤسسات داخل المؤسسة،
– المشاكل التي يطرحها نظام الأسدسيات: التسجيل في الوحدات، وشروط الإنتفال من أسدس إلى آخر، وبرمجة الوحدات مرة واحدة في السنة… تفرغ النظام الجديد من محتواه،

ارتبطت بعض مؤشرات التحول الذي أشرنا إلى بعض معالمه، بانخراط الجامعة المغربية في مسلسل الإصلاح البيداغوجي الذي رهن الجامعة ابتداء من سنة 2003 بعد تعثر وتردد، وقد راهن هذا الإصلاح على أفق تطوير وتعميق دور الجامعة وأثرها في المجتمع ومستويات تطوره، لكنه في الواقع دمر جزءا كبيرا من مقومات التعليم العالي لعوامل عديدة لعل أقواها: أن الإصلاح كانت منطلقاته ارتجالية وغير دقيقة ولم ينبن على إستراتيجية أو أسس سياسة تعليمية رائدة وواضحة، وشكل بذلك مقاربة ديماغوجية لتحرير الجامعة المغربية من مقوماتها الفاعلة ووضعها على حافة هاوية سحيقة لا يمكن التكهن بعواقب السقوط في مهواها.
إن مشروع الإصلاح البيداغوجي على مستوى آخر لم يكن إلا صدى رديئا للمزايدات السياسية والحرب على المواقع في ظل التقلبات المتسارعة التي شهدتها بلادنا في العقد الأخير من القرن العشرين، ولم يعكس عمق التحولات والمخاضات والإكراهات التي كانت تواجهها الجامعة المغربية وتتفاعل داخل المجتمع المغربي، وكان إلى جانب ذلك وسيلة لاستدرار عطف وسخاء تمويلات ودعم المؤسسات المالية الدولية ومن ثمة كانت أبرز رهاناته مالية واقتصادية وما زلنا جميعا نتذكر سقف المعادلات الرياضية التي كان يرددها وزير سابق للتعليم العالي، وحجم الأرباح الخيالية التي ستجنيها البلاد حسب زعمه من اعتماد آليات الإصلاح وتقليص سنوات التدريس الجامعي، إضافة إلى ما سمي بالبعد المهني، الذي يستهدف تحويل الجامعة إلى وسيط للشغل وتحويلها إلى مراكز تكوين مهني هجين متوسط، بدعوى أن المقاولات المغربية تفضل الدبلوم المتوسط (باكالوريا + سنتين) وفي أحسن الأحول الدبلوم المتخصص (باكالوريا + خمس سنوات) غير أن هذا البعد كان ولا يزال إحدى الأخطاء الجسيمة التي تقترف في حق الجامعة المغربية ويتعارض مع طبيعة الدور الموكول لها، ومهامها العلمية، المعرفية والأكاديمية، فليس من مهام الجامعة ولا في مقدورها إيجاد فرص العمل للخريجين من مؤسساتها بقدر ما يتركز دورها على تزويدهم بالمعارف والمهارات الضرورية والتوجيهات التي تمكنهم من مواجهة إكراهات الواقع الاقتصادي والاجتماعي، والمسألة إذن لا تتعلق بإنتاج تقنيين أو فنيين لتلبية طلبات مجوعات شركات أو مقاولات ذات أهداف نفعية خاصة، بل إنتاج وتكوين قوى بشرية مواطنة متعلمة تعليما راقيا تستطيع أن تؤثر بمؤهلاتها الأكاديمية والتربوية والعلمية والثقافية في الارتقاء بالمجتمع ومواجهة مشكلاته. على أن الحل الأنجع لهذه الإشكالية قد يتأتى حينما يتم إدراج التعليم والتكوين المهني والتقني في سلك التعليم بجميع مراحله ليصبح جزءا لا يتجزأ من بنية العملية التعليمية وأساس منظومتها التكوينية.
أما على مستوى المضامين فإن الإصلاح لم يغير من طبيعتها بشكل جذري باعتماد معايير جديدة ومتطورة، ولم يضع في الاعتبار الحاجيات والأهداف الاجتماعية والتربوية والثقافية التي صيغ من أجلها، ولذلك لم تكن منظومة المسالك الوطنية النموذجية المفرخة إلا نموذجا هجينا لمضامين عقيمة ناقصة ومشوهة لعب فيها الخبط والتسرع والاستعجال دورا أساسيا مما أثر بشكل سلبي على نوعية المواد والوحدات ومكوناتهما وساهم بقوة في تكريس قيم التراجع والتدني التي ستوسع مدارات التدهور على صعيد نوعية التعليم العالي العام وفعاليته.
لقد تبنى الإصلاح بصيغته القائمة خيار الهبوط بمستوى عملية التعلم في الجامعة إلى خط جعلها امتدادا فجا لكل تعثرات ومساوئ التعليم ما قبل الجامعي إذ أصبح من مهام الجامعة مثلا أن تلقن طلابها أبجديات تقنيات التعبير والتواصل واللغات، وهو حط من دورها، لأن المنتسبين المفترضين للجامعة ينبغي أن تتوافر لهم المؤهلات الضرورية في حقل اللغات وقيم التواصل وما يجري مجراها، ففضاء الجامعة يرتكز على مبدأ عام أساسي هو تعميق وممارسة البحث والتخصص الدقيق في ميادين العلوم المختلفة، وينبغي أن تتوفر للمنتسبين إليها مؤهلات تعليمية متقدمة، ومعارف ومهارات مكتسبة تفتح الجامعة المجال أمامهم لتطويرها واكتساب القدرات المضافة لتوظيفها وتكييفها مع متطلبات الواقع الاجتماعي.
وكرس الإصلاح من جانب آخر توجهات إقرار تعليم نخبوي متميز وآخر شعبوي، من خلال تثبيت وإقرار نظام المؤسسات الجامعية ذات الاستقطاب المحدود، والمؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح، وهو إقرار يضرب في العمق مبدأ توحيد التعليم العالي، ومبدأ تكافؤ الفرص، والتضييق على مجال التعلم أمام فئات واسعة من الطلاب، ولا يبدو أن هذا التوزيع يؤشر أو يسهم في عمليات التطوير النوعي للتعليم العالي، إذ أن المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح مازالت تشكل قطب الرحى، وقاعدة هرم التعليم الجامعي، ولا تكاد تتوفر فيها الشروط الضرورية للعملية التعليمية بسبب الأعداد الكثيفة والضخمة للطلبة وارتفاع نسبة التأطير وضعف وتردي مستوى التجهيزات الجامعية والتربوية المتوافرة فيها، وهذه أبرز العوائق البنيوية للإصلاح ورهاناته.
وقد زاد هذا الوضع من حجم الضغط على مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية ومؤسساتها الجامعية، التي تضاعفت أعداد المنتسبين إليها، بحكم أنها مفتوحة في وجه كل الطلبة أبناء الفئات الاجتماعية التي لا يستطيع أبناؤها ولوج المؤسسات التي تستقبل الطلبة المتفوقين أو هكذا يبدو، أو المؤسسات الأخرى ذات التكاليف الباهظة، وغدت هذه المؤسسات من الوجهة العملية ملجأ أو مستودعا لكل الذين لا يجدون منافذ وليس بمقدورهم الانتساب إلى المؤسسات الجامعية ذات التخصصات المهنية والفنية العالية، وهذا نتاج طبيعي لغياب توجيه وتأطير حقيقي للطلبة وغياب متابعة ومراقبة موضوعية للتحولات الكبرى التي حدثت في بنيات التعليم ما قبل الجامعي، الذي له مسؤوليته الفعلية في التوجهات التي تحكم مصير المتعلمين، إضافة إلى غياب وضعف توافر التخصصات المهنية العلمية الدقيقة المتنوعة التي من شأنها أن تخفف وطأة الضغط على حقل العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية التي جعل منها الإصلاح حقل من لا وجهة له.
إن الإصلاح البيداغوجي بكل موضوعية لم يكرس غير مزيد من التدهور ومزيد من فقدان الثقة في نظام تعليمنا العالي العام، فعلى مستوى الأهداف والمحتوى وعلى مستوى الوسائل، لم يتحقق ما كان متوقعا، وبذلك يكون ساهم في تعميق أزمة الجامعة المغربية وعلاقاتها بمحيطها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، وبشكل أكثر بروزا لعب دورا مركزيا في ضرب نوعية التعليم العالي وجودته والتضييق على امتداداته وتخريبه عن وعي. وإحدى المهام الأساسية الكبرى المطروحة اليوم هي إيقاف مسار هذا الإصلاح واعتماد إصلاح جذري حقيقي وعقلاني يتبنى منظورا شموليا تساهم فيه كل مكونات الجامعة المغربية ويضع المقتضيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والجغرافية والتحديات الممكنة والمحتملة ضمن أولويات النهوض بالتعليم العالي وتطويره.
ج- البحث العلمي

يعتبر البحث العلمي إحدى أبرز المهام الرئيسية للأساتذة الباحثين وهو نتاج ما يبذلونه من جهود علمية نظرية وتطبيقية، ويفرض إمكانات تقنية وتمويلية كبرى بالنظر إلى النمو الهائل الذي تشهده المعارف العلمية والتقنية في العالم المعاصر، غير أنه في بلادنا ما يزال يحظى بمرتبة دونية، وحجم الاستثمارات في مجالاته مثيرة للإحباط، بالرغم من أنه القاعدة الأساسية في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى هذا الصعيد ما يزال يواجه معوقات كبرى في غياب أية استراتيجية وطنية للنهوض بإمكاناته وطاقاته وتحديد أفق سياسة واضحة لما ينبغي أن يكون عليه البحث العلمي ببلادنا، وبسبب هذا تراجع دوره وتغلبت مهمة التدريس على المهام الأخرى بالنسبة للأستاذ الباحث في ظل الاختلالات التي تفرض أعباء ثقيلة على عاتقه في مجال التدريس، مما يفرض الانشغال عن البحث وقصر الجهد على العمل التدريسي الذي يستغرق طاقته وفاعليته.
ولتجاوز الوضعية غير السليمة التي يوجد عليها البحث العلمي فإن العمل ينبغي أن يسير في اتجاه:
1. وضع سياسة وطنية ترسم أهداف وغايات البحث العلمي ببلادنا، على أن ترتكز هذه السياسة على ربط مخطط البحث العلمي بالخطة الشاملة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية ومواجهات تحدياتها.
2. تنمية الموارد المالية اللازمة لتطوير ودعم البحث في جميع المجالات ومختلف العلوم.
3. زيادة الإنفاق على البحث العلمي وتحفيز القطاع الخاص للمساهمة في تمويله،ودعم مشروعاته الكبرى.
4 . . مكافأة الأساتذة الباحثين ماديا على منجزاتهم العلمية المتميزة ذات العلاقة بالمبادرات العلمية التي تسعى للنهوض بمقومات بلادنا المعرفية والأكاديمية
والثقافية، والإسهام في تعزيز قدراتها العلمية والتقنية والأدبية.
5. اعتبار البحث العلمي مهمة أساسية للأستاذ الباحث إلى جانب التدريس والتأطير، والحرص على إشاعة روح الالتزام والانضباط لأخلاقيات البحث وفقا لمقتضيات الدقة العلمية في أوساط الأساتذة الباحثين، وعدم الاقتصار على اعتماده وسيلة من وسائل الترقي فقط، حيث يفقد قيمته الأكاديمية والموضوعية وفاعليته المأمولة.
6. إعفاء كافة وسائل وتجهيزات ومستلزمات البحث من الضرائب.
7. الدعم الشامل لنشر إنجازات الأساتذة الباحثين ونتائج دراساتهم وأبحاثهم بهدف مساعدتهم لاكتساب الشهرة التي يستحقونها وتطوير آليات البحث العلمي ودعم آفاقه المستقبلية ببلادنا.
8. إنشاء صندوق وطني لدعم البحث العلمي.

ت‌- خاتمة
إن واقع التعليم ببلادنا وضمنه التعليم العالي يتسم بالطبقية وعدم تكافئ الفرص وبالرداءة حتى أًصبح التعليم ببلادنا ينتج الأمية بدل أن يكون العمود الفقري للتنمية البشرية ببلادنا نظرا لعدة أسباب أهمها :

1- السياسة الطبقية واللاشعبية للنظام في مجال التعليم.
2- استقالة النخبة من الدفاع على التعليم وعدم مقاومتها لمخططات النظام بل الأكثر من ذلك نجد أن جزء من النخبة الواعية انخرظت وبحماس في تطبيق هذه السياسة المدمرة مقابل بعض الامتيازات.
3- تراجع النقابات عن الدفاع عن تعليم جيد وفي المستوى
4- عدم وجود مشروع موحد بديل لمشروع النظام في ميدان التعليم عند الهيئات السياسية الديمقراطية والتقدمية والنضال من أجل تحقيقه.
5- إَضعاف النقابات التلاميذية والطلابية.
و نظرا لكل هذه الأسباب فإننا ندعو كافة القوى الحية بالبلاد وخصوصا الأحزاب التقدمية والنقابات بلورة مشروع بديل والعمل على تحقيقه.

مراجع:
– محمد العمراوي : باحث في التدبير الإداري والمالي كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال-الرباط
– فاطمة واياو كاتبة من المغرب تقيم في بروكسل: أزمة التعليم في المغرب بين الإشكال المنهجي وسوء التدبير والتسيير؟ القدس العربي
– محمد شويا: الخلفيات التصفوية للمدرسة العمومية جريدة النهج الديمقراطي عدد مزدوج 161-162 لشهر غشت 2012
– النقابة الوطنية للتعليم العالي : ” قضايا التعليم العالي والبحث العلمي”


 


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com