التنسيق النقابي لمواجهة التشردم النقابي



عبد الحميد أمين

التنسيق النقابي لمواجهة التشردم النقابي

*تعيش الحركة النقابية العمالية ببلادنا عمومًا أوضاعًا متردية ناتجة عن الأمراض الفتاكة التي تنخرها بسبب التفريط في شعار “خدمة الطبقة العاملة وليس استخدامها” وفي المبادئ الأصيلة للعمل النقابي العمالي المتجسدة في الوحدة النقابية والتضامن والاستقلالية والديمقراطية والتقدمية والجماهيرية.

ومن مظاهر هذه  الأوضاع ، الضعف الكبير لانخراط الشغيلة في العمل النقابي والتشتت النقابي وضعف التضامن وسط الشغيلة والتبعية للسلطة المخزنية أو لأحزاب سياسية برجوازية أو للباطرونا، والاستخفاف بقواعد الديمقراطية النقابية، وتغييب المواقف التقدمية في مواجهة السلطة الحامية لمصالح الباطرونا وفي الفساد الذي يمارسه عدد من المسؤولين النقابيين.

وهذه الأوضاع هي التي تفسر عددًا من الإخفاقات والهزائم التي عرفتهاالشغيلة في الفترة الأخيرة وأبرزها:

  • تمكن الحكومة من تمرير مخططها التخريبي لنظام المعاشات المدنية التابع للصندوق المغربي للتقاعد المتجسد في الثالوث الملعون : مدة عمل أطول مع النقص في قيمة الأجور والمعاشات.

  • رفض الحكومة لتفعيل مقتضيات أساسية من اتفاق 26 أبريل 2011 المنتزع في سياق نهوض حركة 20 فبراير المجيدة، وخاصة توحيد الحد الأدنى للأجور في الفلاحة والصناعة والدرجة الجديدة للموظفين والتعويض عن العمل بالمناطق الصعبة والنائية.

  • ضرب القدرة الشرائية للأجراء من خلال تجميد الأجور وتدهور الخدمات الاجتماعية في ظل ارتفاع مدبر ومستمر للأثمان ولكلفة المعيشة.

  • ضرب استقرار العمل حتى في الوظيفة العمومية من خلال مرسومي العمل بالعقدة وتسهيل نقل الموظفين/ات للعمل في مناطق وقطاعات أخرى.

  • ضرب الحريات النقابية وفي مقدمتها حق الإضراب، عبر الاقتطاع من أجور الموظفين المضربين عن العمل ومشروع القانون التكبيلي لحق الإضراب المصادق عليه من طرف مجلس الوزراء والمطروح المصادقة عليه من طرف البرلمان دون أي استشارة للمركزيات النقابية.

*وسأركز في هذا المقال على أخطر آفة تعيشها الحركة النقابية العمالية المغربية وهي ظاهرة التشتت النقابي إلى أزيد من عشرين مركزية نقابية والتي تشكل عائقًا أساسيًا أمام المواجهة الموحدة للمخططات الهادفة إلى الإجهاز على مكتسبات الشغيلة ودوس حقوقهم والاستهتار بمطالبهم المشروعة.

*في البداية سادت الوحدة النقابية التنظيمية

في 20 مارس 1955، سنة قبل نهاية نظام الحماية بالمغرب، تم تأسيس الاتحاد المغربي للشغل كأول مركزية نقابية عمالية مغربية. وقد قام بدور مهم في التنظيم النقابي للطبقة العاملة المغربية وفي النضال من أجل استقلال المغرب. وسرعان ما أصبح الاتحاد المغربي للشغل، الذي ظل المركزية النقابية الوحيدة لمدة 5 سنوات، منظمة عتيدة تلعب دورًا نقابيًا وسياسيًا بارزًا وأصبح دعامة للقوى الوطنية والتقدمية بالبلاد. وفي تلك الفترة تم تحقيق مكاسب مهمة للشغيلة في مجال قوانين الشغل والاتفاقيات الجماعية. في نهاية الخمسينات أصبح الاتحاد المغربي للشغل، كمركزية نقابية وحيدة وقوية (حوالي 650 ألف منخرط)، يشكل دولة داخل الدولة، وأصبح يشكل عائقا أمام المخططات المخزنية الهادفة إلى استرجاع الهيمنة المخزنية وإضعاف الحركة الوطنية والتقدمية. وهذا ما دفع القوى المخزنية إلى وضع مخطط شامل لإضعاف الاتحاد المغربي للشغل من خلال التقسيم النقابي (خلق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب من طرف حزب الاستقلالفي 20 مارس 1960 والاتحاد النقابي للعمال الأحرار في 1962، محاصرة وقمع القياديين والمناضلين النقابيين الحاملين للتطلعات التحررية للشغيلة، تقريب وإرشاء القياديين النقابيين الانتهازيين، تشكيل عدد من الجمعيات المهنية لتشتغل كتنظيمات شبه نقابية وإعطاء أدوار نقابية لمندوبي الأجراء ليحلوا مكان الممثلين النقابيين أو ينافسوهم على الأقل (ظهير 1962 حول مندوبي الأجراء).

*إن تشبث الماركسيين بالوحدة السياسية والنقابية للطبقة العاملة مسألة معروفة ولذا كانوا دائمًا يدافعون عن مبدأ الوحدة النقابية الذي يعني التشبث بوحدانية التنظيم النقابي للعمال والأجراء عمومًا ورفض الشعارات حول التعددية النقابية باعتبار أنها تخدم مصالح أعداء وخصوم الطبقة العاملة من رجعيين وانتهازيين.

ويجد شعار الوحدة النقابية أساسه النظري في كون الطبقة العاملة (وعموم الأجراء) طبقة موحدة لها في الجوهر نفس المطامح العامة وأنها تواجه في صراعها الطبقي قوى اجتماعية موحدة: الرأسمالية والكتلة الطبقية السائدة المستفيدة من النظام الرأسمالي والدولة الخادمة لمصالحها. لذا لا يمكن من وجهة نظر مصلحة الطبقة العاملة قبول تقسيم العمال على أساس عمودي حيث في نفس المعمل أو المؤسسة الإدارية أو التجارية أو الخدماتية أو في نفس القطاع قد نجد جزءًا من الأجراء مع هذه النقابة وجزءً ثانيًا في نقابة أخرى وجزءً ثالثًا في نقابة ثالثة وهلم جرًا.

*في بلادنا، لقد تم تبرير التقسيم تاريخيًا في مواجهة الوحدة النقابية في إطارالاتحاد المغربي للشغل، من خلال اعتباره كنقابة سياسية منحازة للقوى التقدمية (خاصة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) وهذا هو مبرر التقسيم الذي قام به حزب الاستقلال في 1960 وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية في 1962. فيما بعد سيتم الارتكاز على انتقادات أخرى للجوء إلى التقسيم مثل “الاتحاد المغربي للشغل نقابة خبزية” لا تهتم بالعمل السياسي أو “الاتحاد المغربي للشغل نقابة بيروقراطية” لا تحترم قواعد الديمقراطية النقابية. وهذا هو مبرر تشكيل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل.

وهناك من ظل يبرر التعددية النقابية باعتبار أنها تشكل إحدى مقومات الأنظمة الديمقراطية. وهذه مغالطة كبرى حيث أن التعددية السياسية والحزبية في نظام طبقي هي التي تشكل إحدى مقومات الديمقراطية. ويكفي أن نشير هنا إلى أنإنجلترا وبلدان شمال أوروبا وهي بلدان ديمقراطية بالمفهوم الليبرالي، لها مركزية نقابية واحدة.

إن مجمل المؤاخذات المذكورة وإن كانت صحيحة لا تبرر اللجوء إلى التقسيم النقابي الذي يؤدي إلى المزيد من إضعاف العمل النقابي. وبالتالي فالمناضلون الماركسيون ظلوا في بلادنا متشبثين بالوحدة النقابية التنظيمية مع خوض الصراع من أجل فرض احترام المبادئ الأصيلة للعمل النقابي ومن ضمنها الديمقراطية والاستقلالية والتقدمية.

*إن التفسير الفعلي للتقسيم وللتعددية النقابية يوجد في كون أعداء وخصوم الطبقة العاملة – من برجوازية مستغلة وملاكي الأراضي الكبار والسلطة المخزنية الخادمة لمصالحهم وفئات من البرجوازية الصغيرة والمتوسطة ومن قوى رجعية وانتهازية – يدركون مدى قوة الطبقة العاملة التي يجب في نظرهم إما تقسيمها لإضعافها وإما استعمالها في إطار المخططات السياسية الخاصة بهم.

فالقوى الرجعية، انطلاقًا من مبدأ “فرق تسد” قد شجعت دائمًا على تقسيم الطبقة العاملة في إطار فهمها الخاص للديمقراطية المبني على تجزئة كتلة الطبقات الشعبية وتشتيتها وإضعافها أمام الكتلة الطبقية السائدة. ومن هنا لجوؤها إلى تشجيع إنشاء نقابات رجعية.

أما القوى الانتهازية، المعبرة عن مصالح البرجوازية المتوسطة والصغيرة، فقد اعتبرت بدورها أن مصلحتها تكمن في إخضاع جزء من الطبقة العاملة لنفوذها ووصايتها ولمخططاتها السياسية (الانتخابات بالخصوص) وذلك عبر إنشاء نقابات تابعة لها.

هناك مصدر ثالث للتقسيم والتشتت النقابي، هو ضعف الوعي لدى القوى التقدمية الجذرية نفسها، رغم غيرتها المعلنة على مصالح الطبقة العاملة وإدراكها لأهمية الوحدة السياسية والنقابية للطبقة العاملة حيث نجدها أحيانًا تتعامل بانفعال مع بعض المظاهر السلبية وسط النقابات مما يؤدي بها إلى الانسياق بدورها وراء العمل التقسيمي.

*إن مخطط التقسيم النقابي للطبقة العاملة وسائر الأجراء وعموم الشغيلة قد أدى إلى التشتت النقابي الذي نعيشه في بلادنا والذي كان من أبرز نتائجه المشؤومة:

  • كلما ازداد عدد المركزيات والتمظهرات الأخرى للتشتت النقابي، كلما تقلص عدد النقابيين. ففي نهاية الخمسينات وصل عدد المنخرطين في ا م ش، المركزية النقابية الوحيدة آنذاك، إلى 650 ألف أي ما يعادل 6% من السكان آنذاك. أما اليوم والمغرب يتوفر على أزيد من عشرين مركزية فإن بعض التقديرات (في غياب إحصاءات ثابتة) تحصر عدد المنخرطين في 300 إلى 400 ألف وهو ما يشكل 1% من سكان البلاد ونسبة ضئيلة من الأجراء.

  • كلما تزايد عدد المركزيات، كلما تراجعت المكتسبات.ويمكن التذكير هنا بالإخفاقات والهزائم التي أشير إليها في بداية هذا المقال وكذا إلى الدور الباهت الذي قامت به الحركة النقابية العمالية خلال حركة 20 فبراير مما أضاع على البلاد فرصة ثمينة للتقدم نحو بناء نظام ديمقراطي على أنقاض نظام الاستبداد والفساد السائد ببلادنا.

*انطلاقًا مما سبق نستنتج أن إحدى الواجبات الملحة للمناضلين المخلصين لقضايا الطبقة العاملة كيفما كان موقعهم السياسي والنقابي، هو العمل على إعادة بناء الوحدة النقابية التنظيمية للشغيلة في إطار مركزية نقابية واحدة ديمقراطية مستقلة مكافحة.

نحن واعون بأن تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي لن يتم بين عشية وضحاها وسيتطلب الوقت الكافي والمجهودات اللازمة لتحدي المعيقات الموضوعية والذاتية. والبداية يجب أن تكون من تشجيع وتعميم النضالات الوحدوية في إطار التنسيق النقابي على المستوى الوطني والقطاعي والمحلي والفئوي.

إن المناضلين التقدميين الغيورين على وحدة الطبقة العاملة استبشروا خيرًا عندما تم يوم 29 يناير 2014 الإعلان بمقر الاتحاد المغربي للشغل بالدار البيضاء عن تشكيل التنسيق النقابي بين 3 مركزيات نقابية: إ.م.ش، كدش وفدش، ونوهوا كذلك توسيع هذا التنسيق لاحقًا لمركزية ا.ع.ش.م وللنقابة الوطنية للتعليم العالي. كما ثمنوا كذلك مجمل النضالات الوحدوية التي تمت تحت لواء التنسيق النقابي انطلاقًا من مسيرة الدار البيضاء ليوم 6 أبريل 2014 إلى الإضراب العام الوطني ليوم 29 أكتوبر 2014 إلى سائر المبادرات النضالية الوحدوية الأخرى، ماعدا طبعًا مبادرة مقاطعة تظاهرة فاتح ماي لسنة 2015 التي لم يكن لها أي معنى نضالي.

وبالموازاة مع تثمينهم للتنسيق النقابي ولمبادراته كانوا يدركون جيدًا نواقص هذا التنسيق ويتخوفون من التراجعات في هذا المجال؛ لذا كانوايطالبون دون انقطاع بمأسسة التنسيق النقابي على المستوى القيادي ليصبح له أجهزة وطنية قائمة على أسس واضحة ومتينة. كما تم طرح ضرورة تمديد هذا التنسيق النقابي ليشمل نقابات أو هيئات مهنية مناضلة أخرى وليتم كذلك قطاعيًا وفئويًا ومحليًا وجهويًا دون الملل من التذكير بأن أفق التنسيق يجب أن يكون واضحًا وهو الوحدة النقابية التنظيمية في إطار مركزية نقابية واحدة مستقلة ديمقراطية مكافحة.

هكذا كان الجواب إذًا على التشردم النقابي المقيت: التنسيق النقابي في أفق الوحدة النقابية التنظيمية.

*كلمة أخيرةفي هذا المقال تم الاقتصار على الوحدة النقابية للطبقة العاملة وعموم الشغيلة ولم يتم الحديث عن الجانب السياسي في الحياة التنظيمية للطبقة العاملة رغم ترابط الجانبين النقابي والسياسي. فخلافًا للكتلة الطبقية السائدة (البرجوازية الكبرى التابعة وملاكي الأراضي الكبار) التي تدافع عن مصالحها من خلال أجهزة الدولةالمخزنية وجملة من الأحزاب المخزنية الأخرى، وللبرجوازية الصغيرة والمتوسطة التي لها هي الأخرى مجموعة من الأحزاب تعبر عن مصالحها، فإن الطبقة العاملة ليس لها لحد الآن حزبها الخاص الذي يعبر عن مصالحها ومطامحها. ومادامت تفتقد لهذا الحزب فسيكون من الصعب التقدم نحو الوحدة النقابية التنظيمية. ولهذا لابد من التأكيد بأن انبعاث التنسيق النقابي العمالي ومأسسته وتقعيده قطاعيًا ومحليًا والدفع به في أفق بناء الوحدة النقابية التنظيمية يتطلب كذلك بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين الذي يضم في صفوفه الطلائع العمالية والجماهيرية الواعية والمكافحة.


 


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com