التيتي الحبيب: مناظرة حول الحالة السورية


  التيتي الحبيب

مناظرة حول الحالة السورية

في الايام الاخيرة دارت مناقشات على صفحات الفيسبوك بين مجموعة من المناضلين حول الحالة السورية. فتح مجموعة منهم صفحاتهم لتبادل الرأي ومناقشة المواقف، وقد كان نقاشا غنيا وراقيا نظرا للروح العالية التي سادت رغم تباعد الرؤى وحتى تضارب التقديرات للوضع في سوريا.
في هذا الصدد اشكر هؤلاء على سعة صدرهم وحرصهم على احترام آداب الحوار والنقاش. كما اتمنى من جهتي ان تكون مساهماتي وتدخلاتي بدورها احترمت تلك الآاداب والأخلاق، ولهم اعتذاري عن كل زلة ان حدثت فهي غير مقصودة.
في هذه الورقة سأحاول ترتيب بعض اهم القضايا التي اثيرت في هذه المناظرة، لعلمي بان الوضع الراهن يتطلب عقد مناظرات وندوات للحوار، تجمع في قاعة واحدة كل المناضلين الراغبين في ابداء الرأي والبحث في الحالة السورية واستخلاص ما يتوجب من دروس.
كما انني اعتبر المناقشات التي دارت، والتي يمكنها ان تستمر مفيدة لنا كمناضلين مغاربة معنيون بمهام التغيير الثوري ببلادنا.
I- في البدء كانت حملة حلب تحترق/او تنتصر حسب موقع اصحابها.
انطلاقا من التطورات على ارض حلب صدرت مواقف متناقضة، وقفنا عند بعضها خاصة تلك التي تتكلم عن المناطق “المحررة” بحلب او تلك التي تطالب بدعم القوى المعارضة السورية في حربها بحلب ومساندتها للصمود قي وجه حملة الابادة الجماعية هناك على يد النظام وحلفائه.
صدرت هذه المواقف عن تنظيمات تنتمي لتيارات في الاممية الرابعة، مثل ما ورد في بيان صادر بتاريخ 3 /12/ 2016 عن تيار المناضل(ة) بالمغرب او في مقال نشره السيد جوليان صالينغ عضو حزب NPA الفرنسي او في بيان ثلاثي لتيارات تروتسكية عربية صادر يوم 20 /12/ 2016:
+ و مما جاء في بيان تيار المناضل(ة):
“فإننا نطالب ب:
الوقف الفوري للقصف والحصار على حلب الشرقية وكل مناطق سوريا “المحررة”
توفير الإغاثة الإنسانية الفورية للمناطق المحاصرة وإيصالها عبر الجو فورا.
زيارة عاجلة لهيئة الصليب الأحمر ومنظمات حقوقية عالمية لمراكز الاعتقال تحت سيطرة النظام السوري أساسا، ولدى كافة الاطراف٬ والإفراج الفوري عن كافة المعتقلين السياسيين، وإجلاء وضع المخطوفين.”
رغم وضع كلمة محررة بين ظفرين فإن تلك المناطق حظيت باهتمام البيان لغاية حماية القوى المتواجدة فيها، و هو ما يعكس موقف تيار المناضل(ة) للحالة السورية. فهل حقا كانت الاحياء الشرقية لحلب منطقة “محررة”؟ من المعروف للجميع وهذا ليس سرا حربيا ان القوى المتواجدة بهذه الاحياء هي خليط من جيش النصرة وعناصر داعش العلنية او السرية وبعض كتائب الجيش الحر.متلا كانت قوى اجنبية او مدعومة من الامبريالية والرجعيات الخليجية قوى محررة ولها الحق في التواجد الميداني على التراب السوري؟ متى حدث ان يتم الاعتراف لمثل هؤلاء المحتلين بحق تحرير اجزاء من سوريا؟ لا يعقل وصف المناطق التي استوطنت فيها هذه القوى المجرمة بمناطق محررة. لذلك فان بناء الموقف مما يجري في سوريا على مثل هذه المعطيات على الارض يجعل القارئ يتحفظ على مفهوم الثورة الذي يدافع عنه البيان بل يشك في مصداقيته. ان البيان نفسه يسقط في تناقض صارخ بمطالبته في مكان آخر، بجلاء كل القوى الاجنبية من حلب. ربما راهن البيان على ما يسمى الجيش الحر و هو قد فقد كل مصداقيته عندما ارتمى في احضان تركيا والقوى الاجنبية تمويلا وتسليحا بل اصبح لعبة في يد الاجنبي.
هل هذه هي ملحمة حلب. انها حرب عصابات اجرامية جاءت غازية لأرض حلب، عصابات اجنبية في مواجهة عصابات النظام. لماذا تصرون على تشويه الثورة في وعي الشعب. ليست هذه ثورة حلب انها حرب انظمة تداربالوكالة على ارض حلب. حيث اقامت هذه الميليشيات سلطتها ساد الارهاب والقتل على الهوية وعلى المعتقد.لقد فرضت نفسها على ساكنة حلب ولذلك ترى هذه الساكنة كلما تحررت من قبضة الدواعش كلما تنفست الصعداء وسارعت للالتحاق بمناطق تواجد قوى النظام لأنها ترى فيها منقذها. وتلك مصيبة اخرى تضاف الى مصائب الشعب، لان النظام سيستغل كل تلك الجرائم ليطيل عمره. لذلك لا بد نت توخي الدقة في المفاهيم و منها مفهوم الثورة الذي يجب ان يبقى غير ملوث في وعي الشعب، للثورة مضمون وللملاحم مضمون. وفي هذا الشأن يكون الفقيد جلال العظم مخطئا حين يقول بأنه مع الثورة سواء تعلمنت او تاسلمت، لسبب بسيط وهي ان هذه الثورة لم تكن من صنع الشعب الذي لم يقرر بعد مصيره بحرية ونزاهة. ليس الشعب هو من اختار هذه الطريقة الاسلامية الداعشية، بل هب فرضت عليه بالحديد والنار وهناك حتى من اطياف الاسلام السياسي من يتبرؤ من هؤلاء الدواعش. وبالتالي فجلال العظم كان يتكلم عن ثورة مسروقة ومجهضة وبالتالي لا معنى لعلمنتها او اسلمتها.
+ اما السيد جوليان صالينغ فقد وجه رسالة إلى “رفيق” وضح فيها مواقفه من الوضع في سوريا، ناقشته في ثلاثة قضايا – انظر مقالة: “رسالة إلى رفيق” نموذج العطب النظري والسياسي.”
1- عندما يتكلم السيد جوليان عن دمار حلب ومعانات شعب حلب فهو يقارنها ويماثلها مع ما تعرضت له مدن مثل سريبرينتشا وغروزني…. غيرنيكا وصابرا وشاتيلا.
وهذا الخلط العجيب بين احداث تاريخية لم يسقط فيه الكاتب سهوا او جهلا بخاصية كل حالة على حدى، بل هو مقصود ومفكر فيه بعمق.هل حلب هي صابرا وشاتيلا؟ هل هي غرينيكا؟ وهل هي مختلف المواقع التي ذكرها او لم يذكرها؟ طبعا هي ليست لا هذه ولا تلك، وحلب حالتها ودمارها الاجرامي له خصوصياته وهي من خصوصيات القوى المتحاربة في سماء وارض وجوف ارض حلب. خصوصيات حلب كذلك نجدها في موقف شعب حلب وكيف هو متموقع في ما يجري ويحصل. هذه هي الرؤيا التي كان عليه ان يلتزم بها ان هو اراد ان يبلور موقفا يحظى بالدقة وبالموضوعية. لم يلتزم بهذا المنهج لان له خلفية فكرية و هو يدافع على رأي سياسي من الثورة السورية سنكتشفه في ما يلي من نقاط هذا التفاعل.
2- يعتبر الكاتب ان من يقصف اليوم في حلب ليس هو داعش وانما هي المعارضة السورية وبجانبها الشعب وحجته كما يسوقها هي ان المعارضة السورية نجحت في طرد داعش من حلب.
على اي تحقيق اعتمد الكاتب ليدعي بان داعش طردت من قبل من هم اليوم يتعرضون للقصف الجوي؟ ثم هل يعقل ان نعتبر جيش الشام او جيش النصرة بعد ان غيرت القاعدة جلدها السياسي وعوضته بجلد اخر حتى تتمكن من الحضور في المفاوضات ويكون لها نصيب سياسي في الحل المتفاوض عليه بين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا. اليس “لخروج” داعش من حلب في 2014 مرامي سياسية وتقاسم الادوار بين عملاء الامبريالية في حلب والمنطقة؟ ثم هناك ايضا عصابات من “الجيش الحر” او ما تبقى منه بعد ان باع روحه لتركيا ولكل من يمده بالسلاح والتمويل. هل يعقل ان يتبنى من يدعي انتماءه للفكر الماركسي المناضل ان يعتبر هذه الميليشيات الاجنبية والمسلحة والممولة من طرف الامبرياليات والرجعيات الخليجية ان يعتبرها الممثل المسلح للشعب السوري؟ لماذا سكت الكاتب عن موقف شعب حلب من هذه العصابات وهل ساندها طواعية وجعل من نفسه درعا واقيا لهذه الطلائع المسلحة كما حصل في غرينيكا حيث واجه الجمهوريون الشيوعيون جحافل الفاشية الاسبانية بقيادة المجرم فرانكو؟ سكت الكاتب لأنه يتبنى موقفا خاصا تجاه الثورة السورية.
3- في تحليله للدمار الذي تعرضت له حلب وغيرها من المواقع قارن الكاتب بين القوة العسكرية المختلة لصالح النظام المدعم من طرف روسيا وايران وبين القوة العسكرية “لقوات المعارضة السورية”
بل طالب الكاتب بحق تسليح هذه القوات السورية المعارضة. هكذا ينفضح الموقف السياسي عاريا كما ولدته امه. انها ثورة سورية قواتها المعارضة جيش النصرة والجيش الحر وداعش وكل من تجند وتدرب في تركيا. بهذا الموقف يكون السيد جوليان قد فقد البوصلة ووجه الثورة السورية المجهضة والمتكالب عليها من طرف النظام البعثي المجرم ومن طرف الامبريالية والرجعيات من خلال مليشياتها المجرمة وفيالق الموت التي دبحت وقتلت وباعت في سوق النخاسة نساء وشباب سوريا وشعبها. هكذا ضيع السيد جولين حق الشعب السوري في تقرير مصيره ووضعه بيد قوى جهوية غريبة عن الشعب السوري. اختلطت على الكاتب اممية القوى المناضلة في مدينة غرينيكا حيث توافد كل الشيوعيين من اجل نصرة حق الشعوب الاسبانية في الحرية والديمقراطية ومن اجل الجمهورية.اختلط الامر على السيد جوليان بحيث استبدل التحليل الطبقي بالمنطق الشكلي الصوري الذي يبقى حبيس المظاهر والقشور.
بمواقفه تلك يكون السيد جوليان صالينغ قد قطعك حبل التواصل مع التوجهات المناقضة لتصوره الذاتي والمفلس، وسيكون قد وضع نفسه خارج التاريخ، بل اخشى ان يكون قد انتقل الى صفوف اعداء الثورة السورية التي هي اليوم في عنق الزجاجة لكنها في حضن الشعب السوري، والذي لن يفرط فيها ولن يسلمها لقمة سائغة للذئاب الجائعة الواردة من ادغال التاريخ و لن يعبث بها ويسلمها لزبانية حزب البعث.
+ مقتطف من بيان صادر يوم 20 /12 /2016 صادر عن تيار اليسار الثوري- سوريا/ تيار المناضل/ة- المغرب/ المنتدى الاشتراكي- لبنان.
“قام نظام بشار الأسد بمشاركة القوة الجوية الروسية والميليشيات الطائفية المدعومة من ايران بإعادة احتلال شرقي حلب،  آخر المدن الكبرى التي حررتها الثورة السورية منذ عام 2011.”
+ من خلال هذه الفقرة يخبرنا الموقعون على البيان ان الثورة السورية حررت مدنا منها حلب وذلك منذ 2011. كما نلاحظ هنا ذلكم التحفظ الذي ورد في بيان المناضل(ة) الذي اوردانه اعلاه اذ وضعت بين ظفرين كلمة محررة .هنا اصبحت حلب منطقة محررة و ذلك ربما ما يزعمه اليسار الثوري السوري.
+ ما نعلمه هو ان الثورة السورية سرقت منذ التحق بها داعش والنصرة وتحول الجيش الحر الى طابور موالي للقوى الجهوية التركية والخليجية.
+ ما نعلمه ان الثورة دخلت مرحلة جزر منذ ان اغرقها النظام الفاشي في العنف ونجح في جرها الى مستنقع الحرب الذي لم تكن القوى المناضلة جاهزة او مستعدة له.
+ هل يستطيع تيار اليسار الثوري بسوريا التأكيد بأنه يقود او يساهم في قيادة المناطق الحرة؟ كم هي قواته التي تخوض الكفاح المسلح؟ ام تراه يعتبرها مناطق محررة فقط لكونها سقطت بأيدي ميليشيات غير تابعة للنظام؟ في هذه الحالة يكون التيار قد سقط من حيت لا يعلم او بنية مسبقة في فخ لن يغفره له الشعب السوري الذي عانى من ويلات المليشيات الاسدية والداعشية ومشتقاتها. اين هي رايتكم في حلب وحتى في سوريا برمتها؟
ان ما سبق يضعنا امام التباس وغموض حول طبيعة الثورة السورية وكل التطورات التي تعيشها شعوب منطقتنا منذ نهاية 2010 الى اليوم.
بوصلتي في الموضوع هي حق الشعب السوري في تقرير مصيره وهو حق مقدس ولامحيد عنه. ان تجربة الثورة السورية غنية جدا وهي كتاب وجب علينا دراسته والتمعن في دروسه التي جاءت نتيجة افظع الجرائم التي لحقت بشعب اعزل. كما لا يفوتني التاكيد هنا على ان مرارة نقدي وحدته نابعة من غيرتي على اليسار السوري وهي غيرة تنبع من رفضي ان تتلطخ اياديه بدماء الشعب وعلى هذا اليسار ان يحافظ على نقاء رايته من كل ولاء للخارج الذي غدر بالثورة وبالشعب.
II- اهم الاطروحات الاعتراضية.
+ الحالة السورية ليست ثورة:
1- “… لا احد يمكنه ان يتحدت باسم الشعب السوري بل ما يجب ان نقوله هو نحن مع من في سوريا؟ الا نكون مع بشار هذا شان اما ان نكون مع تخريب الدولة السورية هذا شان آخر. نحن الذين نستعمل الصراع الطبقي ما هو التناقض الاساسي اليوم في سوريا هل هو الجيش السوري المحافظ على كيان الدولة ام الجماعات، بغض النظر عن ولاءاتها ومدعميها، التي تريد ان تحول سوريا بفعل تناحراتها الداخلية وبالسلاح الى الصومال؟…. سوريا في حاجة للتقدميين للحفاظ على الوطن اولا كدرع ضد الكيان الصهيوني…. اما التحدت بخطاب هلامي انسانوي على الشعب السوري ضد الدكتاتور هو نوع من الانخراط في الاعلام الاطلسي لصالح الرايات السوداء. كما ان القول نحن ضد الارهاب وضد الدكتاتور دون اضافة نحن مع من يدافع عن الدولة السورية يبقى كلاما هلاميا هامشيا لن يكون له وقع لا في الصراع الطبقي ولا في الصراع ضد الامبريالية”
2- “اذا اعتبرنا ان حزب البعث مثلا اوليغارشيا طاغية وحكمت الشعب بالنار والحديد وليس لها اي ولاءات داخل الشعب اذا يمكن ان تعتبر ان كل الوسائل صالحة للقضاء على هذا الطاعون …. بالنسبة لسوريا لا يمكن لأي احد ان يقنعني بان سوريا يحكمها الطاعون اذا كان الحال كذلك لماذا لم يهجر الشعب السوري من قبل؟؟؟؟ لماذا لم تخرب سوريا من قبل؟؟؟؟؟ ام ان الثورة بجب ان تخرب وتهجر لكي تبني بعدها؟؟؟؟؟ من هنا يمكن ان يفهم لماذا تحدث عن الشعب الفلسطيني فالتعبيرات السياسية التي افرزتها وتفرزها الطبقات الاجتماعية للشعب الفلسطيني كلها تناهض الاحتلال على هذا الاساس اعتبر ان الشعب الفلسطيني له الجق في استعمال الكفاح المسلح…. لدحر الكيان الصهيوني… وهنا ارجع لسوريا والمغرب ومصر والجزائر…. لا يمكن لتعبير سياسي لاي طبقة كانت ان يعتمد على الكفاح المسلح باسم الشعب.”
3- … “عن أي ثورة نتحدث وثوارها من كل ربوع العالم ممولون ومسلحون من الوهابية فكرا وعتادا و من تركيا رجب الذي يحن الى الامبراطرية العثمانية الشديدة الصلة بالاخوان المسلمين؟؟ أما عن وقف الحرب المرهون بقرار من روسيا وأمريكا فالواقع يفند هذا.. وهذا الطرح يشوش على دور المقاومة الصامد لمدة 5 سنوات.. في بداية 2011 كنا مع الربيع العربي والثورات… لكن بعد ذلك تبين أن مجريات الأمور بدأت تأخذ منحى آخر بعد التدخل الامبريالي المباشر في ليبيا ومحاولة الاطاحة بنظام البعث في سوريا من خلال معارضات موالية أساسا لآل سعود وعشيرة قطر.. تدخلت بعدها دولة الكيان بشكل فاضح من خلال قصف مواقع سورية… لم يكن لبنان عن منآى المتغيرات.”
4- “…….لكن غياب الشرط الذاتي للثورة جعل منها عبثا استغلته القوى الانتهازية نقيض الاداة الثورية بمساعدة الانظمة الاقليمية لتدمير الدولة السورية وليس لتدمير النظام. ماهي الثورة؟ الثورة كسر علاقات انتاج قديمة وتعويضها بعلاقات انتاج جديدة اكثر تقدمية من الاولى . والحال ان جميع انتفاضات الربيع “العربي” فشلت وهي ليست بثورات لعدم وجود الشرط الذاتي: الاداة الثورية”
5- “… فليس كل حراك جماهيري يسكى ثورة حيث ان: لا حركة ثورية بدون اداة ثورية ولا اداة ثورية بدون فكر ثوري، فالثورة كمفهوم في نسق الفكر الإشتراكي تنظر إلى الأمام وليس للخلف كما وقع فيما سمي بثورات الربيع العربي ولنا في النموذج التونسي والليبي والمصري خير مثال.”
6- “…هذا الإرتباك النظري لذي وقعت فيه هو نتيجة تغييبك للسياقات التاريخية للمفهوم مفهوم الثورة اكتمل على المستوى النظري عند لينين عشية قيام ثورة اكتوبر وتحديدا في كتابه” الدولة والثورة” وهذا المؤلف كان هو الأرضبة النظرية التي اعتمدها لينين في قيادة الحزب البلشفي لإنجاز مهمته التاريخية، واي استحضار لمفهوم قبل هذا او تجربة قبل هاته يكون استحضارا خارج المنطق وخارج التاريخ.”
+ الحالة السورية ثورة
1- اما في الجهة المدافعة عن كون الحالة في سوريا هي ثورة فنجد مثل هذا الرأي عند الصادق جلال العظم الذي دافع عنها كثورة “سواء تعلمنت او اسلمت”

2- كما اعتبرها تيار اليسار الثوري في سوريا وجميع حلفائه في المنطقة وفي اوروبا الغربية، ثورة و هو اليوم منخرط في الكفاح المسلح ويطالب بحماية المناطق المحررة في حلب وغيرها.
3- هناك ايضا من يعتبر ان الثورة السورية انتقلت من مرحلة الثورة الوطنية الى مرحلة التحرير الوطني الديمقراطي من الاستعمار الروسي والايراني.
“إن مساندة الشعب السوري، تتطلب المطالبة بخروج الميليشيات التي إستجلبها النظام، وإلغاء كل عقود التوطين/ التجنيس التي شرع في منحها منذ أربع سنوات، كما وإلغاء إتفاقات وعقود التملك التي ضمنت بها إيران نصف دمشق وعدد من المناطق الأخرى في حمص وغيرها.”
III- في الجواب على الاطروحات الاعتراضية.
1- في تشخيص الحالة السورية: انها سيرورة ثورية.
قبل كل شيئ وجب الانتباه الى اننا بصدد واقعة مستجدة في العالم العربي خاصة في سوريا التي نناقش اليوم امرها، وهي ان الحالة السورية جد معقدة نظرا لوضعها الجيواستراتيجي و الهبة التي انفجرت بداية 2011 كانت محملة بكل مواصفات السيرورات الثورية التي عرفتها المنطقة. ولأنها سيرورة ثورية فتجدها تتشكل من عدة فترات ومراحل متتابعة او متداخلة، منها فترات المد او الجزر، منها الانفجار والخفوت، وايضا التقدم الى الامام اوالرجوع الى القهقرى.و لأنها حالة متعددة الاوجه والمظاهر، تتعدد التقديرات والتقييمات بين المتتبعين والمحللين، وهذا هو ما يفسر التضارب الحاصل بين من يعتبرها ثورة لأنه تلمس السيروررة في فترة المد او في مظهرها الناهض وآخر يعتبرها ثورة مضادة ومؤامرة امبريالية لانه تلمسها في فترة الجزر او دخولها في عنق الزجاجة، تماما كما وقع في قصة العميان والفيل حيث قدم كل واحد منهم تعريفا خاصا بما استنتجه من لمسه لموضع معين من هذا الحيوان.
وللبرهنة على انها سيرورة ثورية وجب الرجوع الى ما وقع بمنطقتنا نهاية 2010 وبداية 2011، لقد كان بركانا شعبيا ازاح ثلاثة انظمة، و كان مفاجئا للجميع بما فيه البينتاغون والادارة الامريكية والحكومة الفرنسية. يجب على الجميع تذكر الاسابيع الاولى وتضارب افعال وأقوال الامريكيين والفرنسيين والايطاليين. انها ثورة “الشعب يريد”، لقد كانت هبات ثورية حقيقية، فلنتذكر جيدا الميادين في مصر، وشوارع تونس واليمن والمظاهرات في سوريا. كانت انتفاضة عارمة فاجأت الجميع بما فيه الانظمة نفسها. لكن الامبريالية بعد ان استوعب الضربة الاولى والمفاجئة، غيرت من اسلوب تعاملها واستطاعت ان تركب الموجة لتتحكم فيها وتمنعها من التجدر والمزيد من الاشتعال. فاغرقت ليبيا في حرب مدمرة، كما دفنت الثورة في مهدها في سوريا عبر أرسال فيالق الموت من داعش والقاعدة لاحتلال البلدات والمدن السورية. وإمعانا في بث روح الاحباط واليأس راحت الامبريالية تروج لأطروحة ان ما حدث سبق لها وان هندسته في دهاليز ادارتها،وذلك بهدف اضفاء المصداقية على قصة المؤامرة الدولية.
لنزع الطابع الثوري عن هبة شعب سوريا في بداية 2011 حاول البعض التقليل او حتى التشكيك في مفهوم الشعب، بل عاب على معارضيهم استعمال هذا المفهوم في الحالة السورية. وعلى عكس هذا المنحى فإننا نؤكد ان الشعب السوري يتشكل من طبقته العاملة وفلاحيه وكادحيه والنازحين المهجرين الذين اصبحوا اليوم فئة اجتماعية واسعة تعدادها الملايين من النساء والاطفال والرجال، تتقاذفهم امواج البحار وطرقات وشوارع المدن الاوروبية والمغاربية، انه ايضا برجوازيته الصغيرة والمتوسطة؛ ومن جهة ثانية فان اعداء هذا الشعب برجوازية الدولة المرتبطة المصالح مع الامبريالية والرجعية الخليجية بقيادة نظام يعتبر من اخطر الانظمة البوليسية على وجه الارض. هناك من يتناسى هذه الحقيقة او يغض الطرف عليها، لأنه يلتمس ظروف التخفيف لهذا النظام، تحت مبرر انه يخوض حربا عمع الظلاميين الارهابيين الذين يستعبدون الشعب السوري في المناطق التي استولوا عليها .اذا كنا حقيقة ديمقراطيين، واصدق الديمقراطيين هم الماركسيون، يجب ان نساند الشعب السوري في نضاله التاريخي والذي صعد منه في بداية 2011 من اجل تقرير مصيره. هذا واجبنا، ومن يتخلى عنه فهو يسيء الى الشعب المغربي وباقي شعوب المنطقة وطبعا للشعب السوري المنكوب والأعزل اليوم. لكنه غدا عندما تنقشع الغيوم وتندحر داعش والقاعدة وستهزم كل القوى المعتدية، سينهض من جديد ليواجه النظام وحزبه، وسيبني تنظيماته التي ستقوده نحو الحرية والعيش الكريم.لذلك يجب ان يكون انحيازنا اليوم الى هذا الشعب لكن ويا للفضيحة اصبح البعض يتساءل هل هذا الشعب موجود حقيقة، لان شجرة النظام او داعش ومختلف الميليشيات الارهابية حجبت عنه الرؤيا.
كان لليسار الماركسي اللينيني المغربي منذ نشأته موقفا معارضا لأنظمة برجوازية الدولة ومنها الانظمة المتسلطة في العراق وسوريا وفي مصر، ولم يعتبرها ابدا انظمة الثورة او ما شابهها في منطقتنا. وكان صراع القوى الثورية معها صراعا تناحريا، ذهب ضحية دكتاتوريتها وفاشيتها الالاف من الشيوعيين والديمقراطيين. كان ولا يزال الصراع ضدها من اجل اقامة سلطة الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، ان للصراع الحالي جذوره وتاريخه وهو ممتد الى يومنا هذا. فقط وحده من لم يدرك هذه الحقائق وهذا التاريخ يكتفي بالمظاهر والقشور ويرى بان نظام البعث في العراق وفي سوريا انظمة ممانعة وصمود وطبعا يعتقد انها افضل من الانظمة الرجعية الاخرى في الخليج او شمال افريقيا.
2- سوريا اصبحت ساحة حرب دولية.
على ارض سوريا تجرى اخطر حرب ساخنة بين الاقطاب الدولية القائمة، وعلى شعبها تمارس اعتى اشكال “صراع الحضارات” كما يحلو للمنظرين الامبرياليين قوله.
ان سبب هذه الحروب هي اجهاض حق الشعب السوري في الثورة ودخول سوريا للتاريخ ومساهمة شعبها في تحرر البشرية جمعاء.سبب الحروب هي منع تغيير الخرائط ومنع مراجعة التقسيم الدولي الذي فرضته القوى الامبريالية ايام اقتسامها العالم.سبب هذه الحروب منع سوريا من ان تصبح بوابة التحرر والقضاء على الكيان الصهيوني المغروس في خصر المنطقة.سبب الحروب هي بعد هزم الشعب السوري وقتل روح الثورة فيه ستقبل شعوب المنطقة بجميع التدخلات الحاصلة والمقبلة لدفن السيرورات الثورية المنطلقة والتي بفعلها تحرر المارد من قمقمه وهو يبشر بميلاد عالم جديد قد يطال اوروبا في مرحلة لاحقة.
في اعتقادنا هو ذا الاطار الذي يجب ان نضع فيه كل التطورات الحاصلة منذ 2011 الى اليوم. وبذلك يكون للثورة السورية خصوصية لم تتوفر لغيرها من بلدان المنطقة نظرا للموقع الجيوستراتيجي لهذا البلد، وخصوصية الوضع الدولي الاستثنائي في الفترة الراهنة، عنوانه تشكل اقطاب ومعسكرات جديدة وتصاعد تناحرات دولية وصراع مصالح في العالم.لقد اصبحت سوريا هي صرة العالم، فيها تتلاقى كل احبال وشرايين تغذية الصراعات الدولية. وكل انتصار او هزيمة للمشاريع المتحاربة في سوريا سيكون له صدى هائل في مناطق اخرى من العالم.
بهذا المعنى فرض على انطلاق السيرورة الثورية في سوريا ان تتراجع الى الورى وان تدخل مرحلة جزر وان تطغى على الاحداث معارك عسكرية بين قوى غريبة عن سوريا وشعبها ابتداء من النظام نفسه والذي سرعان ما فتح الباب للتدخل الاجنبي بقيادة روسيا، وفي المقابل حدث التدخل الامبريالي بشكل مباشر اوغير مباشرة عبر وكلاء وجيوش مرتزقة.
لهذا يكون الموقف المبدئي المناسب هو الانحياز الى شعب سوريا الذي انتفض على نظام البعث في سنة 2011 وخرج يتظاهر وينجز ثورته وبما توفر له من أدوات آنذاك؛ إلا ان الثورة قمعت وتم اغراقها في بحر من الدماء. هذا هو الشعب الذي في حاجة الى دعمنا اليوم. على ما يبدو فالحرب بين الاطراف الدولية المتصارعة على ارض سوريا، ذاهبة الى نهاياتها حسب اتفاقات روسيا وامريكا، وليست حسب ارادة ومشيئة نظام البعث، وهذه هي الجزئية التي لا ينتبه لها البعض. ان النظام استطاع البقاء بفضل التدخل الروسي اساسا والايراني وليس لأنه نظام وطني حماه شعبه. اصبحت ارادة روسيا هي الارادة التي تمشي على الارض السورية ومستقبل النظام مربوط بخدمته لهذه الارادة. طبعا روسيا ليست هي امريكا ولا هي رجعيات الخليج ولا هي داعش وفي هذه الحرب الدائرة بين هذين الطرفين تنفس الشعب السوري الصعداء لان تناقضات المجرمين من شانها ان تبعد عنه جحافل داعش والقاعدة، لكنها في المقابل قوت شوكة النظام. وهذا الامر سيخلق وضعا جديدا يزيد من تعقيد مهام القوى المناضلة لكن ثقتنا في عظمة هذا الشعب تجعلنا متفائلين ومطمئنين لمستقبل انطلاقة متجددة للسيرورة الثورية السورية وبنفس جديد.
3- في السيرورة الثورية تنضج الشروط الموضوعية والذاتية للثورة.
في نفي طابع الثورة على الحالة السورية والقول بأنها ليست إلا مؤامرة امبريالية اعتمد مناضلون على نصوص مقتبسة من كتاب الدولة والثورة للينين وعمدوا الى قياس الحالة بمنطوق النص واستخلصوا بطلان الزعم بأنها ثورة، بل اعتبروا مرتكزات معارضيهم مرتكزات لا تمت للماركسية اللينينية بصلة بل هي من خارج النسق الماركسي.
رغم حرارة النقاش اعتقد ان هناك بعض القضايا التي يمكننا التقدم فيها نسبيا اولها التعامل مع النصوص والاستشهادات من اقوال القادة، ولأننا ماركسيين نسترشد بالديالكتيك المادي، فان تعاملنا مع النصوص يتوخى استحضارها من اجل تقوية او دعم حجتنا التي توصلنا لها عبر التحليل الملموس للقضية التي نحن بصدد دراستها.لا نقتبس النصوص ولا نقدمها كحجة في ذاتها وإلا تحولنا الى عبدة الكتب والزعماء. ولهذا نعتبر الاستشهاد الذي قدمه المناضلون حول موقف الشيوعيين من حالة سوريا: “لا يجب على الشيوعيين مساندة لص صغير في مواجهة لص كبير وأشد خطورة….بل يجب على الشيوعيين استغلال التناقض بين اللصوص لا ستهدافهم جميعا” هو لتأكيد واقعة حقيقية وهي تحول سوريا اليوم الى حلبة صراع الامبرياليات، لكل واحدة منها حلفها، وقد قام هذا الصراع في الاصل من اجل الاجهاز على سيرورة ثورية المندلعة في بلد له خصوصيات جيواستراتيجية، لأنه لو نجحت السيرورة الثورية في سوريا لكانت النتيجة هي حصول تغييرات هائلة على الخريطة بالمنطقة، وعلى المصالح الامبريالية الامريكية والروسية والكيان الصهيوني، بل لامتدت نار الثورة الى كل من الاردن والسعودية.
في اللحظة الراهنة اتفقت روسيا وأمريكا على حل سياسي يضمن مصالح الطرفين الامبرياليين ويسمح للنظام البعثي بالوجود والاستمرار. فالحرب الحالية منظورا لها من زاوية الشعب السوري هي حرب لصوص يحاول كل طرف حصد الغنائم.
بعتمد بعض المناضلين على حجة غياب الحزب الشيوعي الثوري من اجل انكار طابع الثورة على الحالة، وهي حجة خاطئة، وهو ما سنوضحه عبر مثال تاريخي ثم باستعراض شرح مختصر لمسالة الهبة الثورية التي عرفتها سوريا نفسها.لقد اندلعت ثورة البروليتاريا في باريس وهي ما عرفت بكمونة باريز والتي لم يترأسها الحزب الشيوعي، لأنه لم يتأسس بعد. لكنها وبالرغم من عدم وجود هذا الحزب، اعتبرت ثورة حقيقية، بل كانت احدى اولى التجارب في بناء دولة البروليتاريا وديكتاتورية البروليتاريا كما سماها ماركس وانجلس، طبعا لم يكتب لها النجاح والاستمرار وتلك قصة اخرى تتعلق بعدم توفر شرط نجاح الثورة وهو القيادة السياسية الطبقية اي الحزب الثوري او الجبهة.
اما من ناحية ما جرى في سوريا في بداية 2011 فقد حدثت هبة شعبية كتعبير عن تفاقم الاحتقان الاجتماعي الى درجة اصبحت فيه الجماهير الشعبية غير قابلة للاستمرار في تحمل الفقر والاستبداد، وبات النظام نفسه غير قادر على اقناع الشعب بسياساته. هذا هو مفهوم الثورة والشروط التي يجب ان تتوفر لها. اذا توفرت الشروط الموضوعية اي شروط الازمة الثورية كما وضعها لينين وكان له السبق والإبداع على من سواه في هذه القضية. وهي شروط معروفة- ربما سيكون من المفيد اعادة ذكرها، وهي تهم طرفي التناقض. الطرف الاول ما نسميه الشعب اي مجمل الطبقات الاجتماعية والفئات وعلى رأسها الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء ومجمل الكادحين وطبعا كل الفئات المتضررة من الاستغلال والاستبداد.اذا وصلت كل هذه الطبقات الى درجة من الشعور والإحساس والوعي الحسي والوعي العلمي، بأنها لن تستمر ولم تعد قادرة على تحمل المزيد من تردي اوضاعها المعيشية والاجتماعية، وبالتالي لم تعد لا قابلة ولا على استعداد في الاستمرار و الاحتمال. وفي الطرف الثاني اي الطرف العدو للشعب من كتلة طبقية سائدة او طبقة سائدة ونظامها السياسي، اذا وصلت بدورها الى حالة العجز وانعدام القدرة على اقناع المحكومين والمسيطر عليهم بتقبل استمرار الهيمنة السابقة. تلك بتركيز هي الشروط الموضوعية للازمة الثورية؛ عند نضج هذه الشروط تقع الهبة وينطلق مسلسل المواجهات وبمختلف الاساليب، فتندلع انتفاضة او هبة او سيرورة ثورية.في هذه الثورة يتحقق التطور والتقدم للشعب ولقواه المنخرطة اكثر مما يمكن ان يتحقق له طيلة عشرات السنين من الجزر والاستكانة. لكن ولكي تنجح الثورة المندلعة وجب ان يتدخل عنصر حاسم و هو عنصر الوعي المنظم و هياة اركان التي يمكنها ان تقود الحرب الطبقية والتي هي الثورة. هياة اركان هذه هي ما بناها لينين وهي الحزب البلشفي الظافر بالسلطة في 1917 ولم يتوفق في بناءها في قبل ثورة 1905. من زاوية اخرى فالحزب بدوره المنخرط في قيادة الثورة يجب ان يكون على استعداد لتبني خط الجماهير وليس املاء نظرياته التي خططها في حجرات مغلقة. و هذا الامر فيه تعميق للفكر اللينيني، أفادتنا فيه الثورة الصينية، ومساهمات روزا لكسمبورغ. ان المربي دائما في حاجة الى تربية.
اريد ان اثير انتباه المناضلين الى مفهوم السيرورة الثورية الذي تبنيناه في كل ما عرفته شعوبنا منذ نهاية 2010 الى اليوم.انه مفهوم غني fécond لأنه يسمح لنا بالنظر الى الحراك في ديناميته وما توفره من امكانيات هائلة وجديدة لملائمة الوضع الذاتي مع الشروط الموضوعية بالنسبة للقوى الثورية القادرة على قراءة الواقع ومستعدة لاستنتاج مهامها ومسؤولياتها. وخلفية المفهوم هي على الثوريين ان يتجاوبوا ويندمجوا مع الحركية النضالية لشعوبهم وليس العكس. وكل من يرى غير ذلك، ويزعم بان على الشعب تجنب الانتفاضة او الثورة حتى يتجهز ثوريوه ويبنوا حزبهم الشيوعي؛ فمثل هؤلاء لا يرجى شفاؤهم من مرض الانتظارية والتقاعس، بل سيجدون انفسهم يباعون في اسواق النخاسة او يؤدون الجزية او هم متدلون في اعواد المشانق، لان هناك قوى ظلامية متربصة لن تنتظر احدا، وهو ما حصل في تونس ومصر وسوريا وليبيا.وكلما كان اليسار منظما ولو في الحد الادنى، كلما استطاع ان يبصم السيرورة الثورية ببلاده بنفحة تقدمية فيضمن موطأ قدم في قيادة السيرورة الثورية ويمكنها من النهوض مجددا واستكمال مهام الثورة كما وقع نسبيا في تونس.اعتذر على الاطالة التي كانت من اجل التوضيح ورفع الغموض او الالتباس. كما انوه بضرورة توخي الموضوعية عند قيامنا بواجب التحليل الملموس لواقع شعوبنا لأننا بصدد البحث عن حقيقة ثورتها والتي لن نجدها نائمة في اي كتاب.
بالرجوع الى الحالة السورية في مطلع 2011 فاننا نرى ان مجمل العناصر الموضوعية للازمة الثورية قد اجتمعت. لذلك وقع انفجار هبة على شكل مظاهرات ومسيرات شعبية، اخذت تتقوى ككرة الثلج، زاد من تأججها ما كانت تعرفه منطقتنا من نفس ثوري حيث ثارت شعوب المنطقة ونقلت العدوى الى بعضها البعض، كما ساعد التلفزيون والإعلام الالكتروني الجديد على التحريض وإشعال جذوة مشاعر الانتفاضة والتمرد. لكن وهذه ال”لكن” تشير هنا الى نقطة الضعف الخطيرة وهي ان القوى المفروض فيها قيادة الحراك كانت عبارة عن يسار مشتت كسيح لا عمق جماهيري له بينما كانت قوى الاسلام السياسي نسبيا معبأة ومسنودة لوجيستيكيا وإعلاميا من طرف القوى الرجعية والامبريالية. ان اليسار السوري تعرض تاريخيا لعملية اجتثاث وتصفية لمكوناته الثورية، وعملية دمج في دواليب الدولة لمكونات قابلة بالإلحاق. رغم ذلك كان من الممكن وفي خضم الحراك، ان يتحول هذا اليسار وينتقل الى حالة جديدة ليتقوى وينظم صفوفه ويقود او يؤثر في مجرى السيرورة الثورية. وللحيلولة بالضبط دون تحقيق هذا التجدر اطلق النظام حملته المسعورة من العنف و كل استفزازاته من اجل جر الحراك الى مستنقع العنف والعسكرة.
وكخلاصة نستنتج انه يمكن ان تنفجر ثورة في غياب الحزب و هذا ما حصل في حالة سوريا. لا مجال للاستمرار في الاعتقاد الخاطئ بان الثورة لن تحدث إلا بوجود الحزب، فالسؤال الحقيقي هو كيف نكون في مستوى الثورة -التي يمكن ان تفاجئنا مرة ثانية- وما يجب فعله الآن وهنا من اجل الاستعداد الجدي لها. ان للتاريخ هزاته وهي عفوية في الغالب، والسؤال الموجه للثوريين تحديدا هل هم جاهزون لتلك المواعيد مع التاريخ؟
ان السيرورة الثورية بسوريا توجد اليوم في عنق الزجاجة، وعلينا كمناضلين ماركسيين لينينين ان نساعد الشعب السوري على الصمود واسترجاع ثورته التي لن تقهر. ان الثورة في منطقتنا لا يجب ان تكون تحت راية الظلاميين بل يجب الصراع مع القوى المتنورة من قوى الاسلام السياسي حتى تلتحق بالثورة التي تسعى لها شعوب منطقتنا لتخرج من التخلف والتبعية، فالثورة في بلداننا، في عهد الامبريالية، هي ثورة وطنية ديمقراطية وشعبية تفتح الطريق نحو الاشتراكية، وعلى اليساريين الاحرار ان يعتنقوا هذه القناعة، وان يضحوا من اجلها، وان يصارعوا لكي تنتصر، عليهم ان ينجحوا في بناء ادوات قيادة هذه الثورة لا ان يكونوا حطبها، ولهذا ليس هناك خط ثالث في الامر فداعش والنصرة والنظام البعثي هم اعداء الثورة.

التيتي الحبيب
21/12/2016



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com