الحراكات الشعبية المحلية ومضامين الملفات المطلبية

  • عبد الحميد أمين


الحراكات الشعبية المحلية ومضامين الملفات المطلبية

بعد انطلاق حراك الحسيمة في 28 أكتوبر 2016، مع استشهاد بائع السمك محسن فكري، والذي امتد في ما بعد لنواحي أخرى من الريف ثم إلى مناطق أخرى بالمغرب، تضامنا مع حراك الريف وتفاعلا مع شعار “الحراك في كل مكان”، وتجاوبا مع المتطلبات النضالية لتحقيق المطالب المحلية الملحة، كان من اللازم ــ وعلى غرار الحراك بالحسيمة الذي قام ببلورة ملف مطلبي مدقق وبشكل ديمقراطي وجماهيري بالموازاة مع تحديد استراتيجية للنضال الجماهيري السلمي المستقل لتحقيقه ــ على الحراكات الشعبية المحلية أن تضع بدورها ملفاتها المطلبية الملحة وكذا أساليبها التنظيمية والنضالية الملائمة لتحقيقها.
لن يتم في هذا المقال تناول إشكال الأساليب التنظيمية لتحقيق المطالب الملحة مع التأكيد فقط على ضرورة بناء جبهات ميدانية مفتوحة لمجمل القوى الديمقراطية والحية الواعية بأن أحد المصادر الأساسية لقوة المخزن والرأسمالية التبعية المتوحشة يكمن في تشتتها، والراغبة في العمل الوحدوي ضد التغول المخزني والاستبداد والقهر والظلم والفساد وضد التوحش الرأسمالي.
كما لن يتم هنا تناول إشكال الأساليب النضالية لتحقيقها مع التأكيد فقط على ضرورة تبني منهجية النضال الجماهيري السلمي والمستقل.
وإن الغرض من هذا المقال هو بالأساس طرح الإشكالات المرتبطة بمضمون المطالب الملحة للحراكات الشعبية المحلية على أساس أن المواضيع الأخرى ستعالج في حيز آخر من هذا الملف حول الحراكات الشعبية.
في البداية لا بد من الإشارة إلى أن مطالب الحراكات الشعبية قد تمتد من مطلب واحد (كالتصدي لغلاء فواتير الماء والكهرباء، أو تحسين الخدمات الطبية بمستشفى معين، أو التصدي لمصادرة أراضي الجموع) إلى مجموعة من المطالب ببعد واحد (ضد غلاء المعيشة بمختلف لوازمها) إلى منظومة واسعة من المطالب الملحة تهم ساكنة منطقة بكاملها (إقليم الحسيمة أو طاطا أو الراشيدية مثلا).
وللتذكير، فقد سبق لمجموعة من القوى والفعاليات المناضلة بمنطقة الرباط ــ سلا ــ تمارة أن بادروا إلى تشكيل جبهة محلية تحت إسم “شبكة التضامن من أجل الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية” وبشكل مختزل “شبكة التضامن بمنطقة الرباط ــ سلا ــ تمارة”. وتم صياغة أرضية عمل لهذه الشبكة تتضمن ملفا مطلبيا شاملا لكن مركزا. كما تمت مراسلة سائر القوى الديمقراطية السياسية والنقابية والشبيبية والنسائية والجمعوية الأخرى لحثها على تشكيل “شبكات التضامن” بمختلف المناطق.
وقد تفاعلت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بشكل إيجابي مع هذه المبادرة وبعثت تعميما لجميع فروعها لحثها على المبادرة إلى تشكيل شبكات التضامن المحلية بالانطلاق من الملف المطلبي لشبكة التضامن بالرباط سلا تمارة.
وفي هذا المقال سيتم الانطلاق من مطالب شبكة التضامن ومن الملف المطلبي لمنطقة الحسيمة ومن رصيد التنسيقيات المحلية لحركة 20 فبراير لاقتراح أبرز المضامين التي يمكن أن يتضمنها ملف المطالب الملحة للحراكات الشعبية المحلية بمختلف المناطق. والمقترح هنا هو طرح ملف مطلبي إطار على أساس أن يتم إغناؤه وتدقيقه وتفصيله وفقا لوضع كل منطقة على حدى. وفي جميع الأحوال تبقى الأهداف الأساسية من الحراكات الشعبية المحلية ومن تحقيق ملفاتها المطلبية هو التصدي الجماعي والوحدوي للقمع السياسي والقهر الاجتماعي وفرض احترام حد أدنى من الحريات والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية في انتظار توفير شروط النضال الوطني الوحدوي من أجل التخلص من المخزن وبالتالي من الاستبداد والظلم والقهر والفساد وتشييد مغرب الديمقراطية بما يضمنه من كرامة وحرية ومساواة وعدالة اجتماعية وحقوق الإنسان للجميع.
1/ فرض الحريات العامة والفردية: إنه الشق الحقوقي الأول من مطالب الحراكات المحلية إذ بدون احترام الحق في التنظيم والتجمع والتظاهر السلمي والإضراب وحرية الصحافة والإعلام وحرية الرأي والتعبير والضمير والمعتقد والتنقل وغيرها من الحقوق المدنية والسياسية لا يمكن ضمان احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية.
بالنسبة لمطالب حراك الحسيمة تجسد شق الحريات والحقوق المدنية والسياسية أساسا في المطالبة بإلغاء ظهير العسكرة وبكشف الحقيقة حول الشهداء (شهداء 20 فبراير، محسن فكري ثم عماد العتابي) وبالإفراج عن كافة معتقلي الحراك وإلغاء كافة المتابعات وبالتفاوض مع قادة الحراك حول ملفهم المطلبي، وبالمعالجة الصحيحة لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي عرفتها المنطقة خاصة في 1958 ــ 1959 وفي 1984.
وفي إطار الدفاع عن الحريات يجب أن تساهم الحراكات المحلية في التصدي للقوانين المجهزة على الحريات: القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية وقانون الصحافة ومشروع قانون الإضراب وغيرها.
2/ تفعيل الحق في التنمية على مستوى المنطقة المعنية بالحراك الشعبي، إذ في غياب هذا التفعيل لا يمكن احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية فيها ولا يمكن بالخصوص توفير فرص الشغل لعموم المواطنين/ات.
وإن تفعيل الحق في التنمية يستوجب:
+ تطوير القطاع الفلاحي وهو ما يفترض معالجة إشكالية التوزيع العادل لعوامل الإنتاج وأساسا الأرض وماء الري والقروض ومعالجة إشكال أراضي الجموع التي أصبحت عرضة للسطو والنهب والأراضي المسترجعة من المعمرين التي تم توزيعها في إطار الريع على “خدام الدولة” وطرح إشكال اختيار الإنتاج الفلاحي بالمنطقة لينسجم مع مبدأ الاكتفاء الذاتي الغذائي للمنطقة والبلاد بصفة عامة.
ويجب الإشارة كذاك إلى إشكال التمييز ضد النساء السلاليات وإلى إشكال أراضي الأوقاف وإشكال الإفراط في نزع الأراضي بدعوى المنفعة العامة.
+ تطوير قطاع المياه والغابات كضرورة إنتاجية واجتماعية (سد حاجيات السكان بالمناطق الغابوية) وبيئية.
+ تطوير قطاع الصيد البحري بالمناطق الشاطئية بدءا بتأهيل الموانئ وتجهيزها ومساعدة صغار الصيادين بالإعانات المالية والقروض بفوائد مناسبة ومراقبة الأثمان لفائدة المنتج والمستهلك بدل الوسطاء الطفيليين.
+ تطوير قطاع المناجم بما يمكن من خلق فرص العمل وتطوير التشغيل محليا ومع العمل على تحويلها في عين المكان كلما أمكن ذلك.
+ تطوير قطاع النقل بالمنطقة من خلال ربطها مع الشبكة السككية الوطنية وشبكة الطرق الكبرى والطريق السيار، ومن خلال تطوير الشبكة الطرقية داخل المنطقة بما يفك العزلة عن كافة مدنها وقراها ومن خلال تطوير النقل الحضري (حافلات النقل، الطرام، الطاكسيات الكبيرة والصغيرة).
+ تطوير القطاعات الصناعية بالمنطقة انطلاقا من إمكانياتها ومؤهلاتها مع التركيز على الصناعات المنتجة للمواد المستهلكة أو المستعملة بالمنطقة أو داخل البلاد. وفي هذا الإطار يجب تجهيز مناطق صناعية بالمنطقة وكذا الاهتمام بتطوير مقاولات الأشغال العمومية والبناء للاستجابة لحاجيات المنطقة في هذا المجال.
+ تطوير التجهيزات الأساسية بالمنطقة بمختلف مدنها وقراها: السدود للري وللماء الشروب، الكهرباء، تجهيزات الماء الشروب، الإنارة، التطهير وجمع النفايات، النظافة العمومية،…
+ تطوير قطاع التجارة: بما يمكن التجار الصغار وكذا الفراشة والباعة المتجولين من مدخول يوفر الحد الأدنى من العيش الكريم ويضمن للمواطن/ة شراء البضائع بأثمان مراقبة ومناسبة. كل هذا مع جعل حد لطفيلية المضاربين الجشعين الذين يشكلون مصدرا مهما لارتفاع كلفة المعيشة.
+ تطوير القطاع السياحي بالمنطقة عبر التشجيع على بناء فنادق ومركبات سياحية بكلفة مناسبة ووضعها رهن إشارة المواطنين/ات بأثمان مشجعة للسياحة عموما والداخلية بشكل خاص.
+ تطوير القطاع البنكي ومراقبته بما يضع حدا لأرباحه الباهظة ولأنشطته المضارباتية والطفيلية ويجعل منه أداة للتنمية عبر منح قروض متوسطة وبعيدة المدى بفوائد مناسبة تشجع على التنمية الاقتصادية المحلية.
+ نهج سياسة ضريبية عادلة تخفف من وطأة الثقل الضريبي (المباشر وغير المباشر) على فئات المواطنين/ات الضعيفة والمتوسطة الدخل وتحمل الفئات الميسورة والغنية خاصة منها ملاكو الأراضي الكبار وكبار البرجوازيين الثقل الضريبي مع جعل حد لتملص أجزاء كبيرة منها من تأدية الضرائب. ويجب أن تمكن هذه السياسة الضريبية من توجيه النشاط الاقتصادي نحو الاستثمار المنتج للثروة.
3/ تفعيل الحقوق الاجتماعية والثقافية والبيئية بالمنطقة:
+ ضمان الحق في الشغل لعموم المواطنين/ات بالمنطقة وفي ظروف إنسانية ولائقة وهو ما يستوجب التصدي للعطالة (وخاصة عطالة حاملي الشهادات) والتسريحات الفردية والجماعية للأجراء، ولهشاشة الشغل والتضامن الفعال مع المعطلين/ات.
+ احترام الحقوق العمالية وفي مقدمتها:
ــ احترام قوانين الشغل على علاتها بدءا باحترام مقتضيات مدونة الشغل والقوانين حول الضمان الاجتماعي، والحماية الصحية والأمراض المهنية وحوادث الشغل.
ــ ضمان استقرار العمل والأجر الذي يمكن من العيش الكريم.
ــ احترام الحريات النقابية وفي مقدمتها الحق في التنظيم النقابي والحق في التفاوض الجماعي والحق في الاحتجاج السلمي والحق في الإضراب الذي يتم دوسه بموجب الفصل 288 المشؤوم من القانون الجنائي والذي سيصبح مكبلا بشكل نهائي إذا ما فرضت المصادقة على المشروع الحالي للقانون التنظيمي للإضراب المقدم من طرف الحكومة للبرلمان.
+ الحق في العيش الكريم مع ما يتطلبه من دفاع عن الحق في الأجر والدخل الضامن للحياة الكريمة ومن تصدي لإجحاف النظام الضريبي ولغلاء المعيشة. وهذا ما يفرض بدوره مراقبة أثمان مواد الاستهلاك الأساسية والتصدي للمضاربين وتخفيض أثمانها خاصة الماء والكهرباء والأدوية والمحروقات.
+ الحق في الحماية الاجتماعية التي تمكن عموم المواطنين/ات من التأمين عن المرض وحوادث الشغل والأمراض المهنية والتعويض عن العطالة وفقدان الشغل ويمكن من معاش للتقاعد يوفر شروط الحياة الكريمة في سن الشيخوخة بدءا باسترجاع مكتسبات نظام المعاشات المدنية للصندوق المغربي للتقاعد وللتصدي للمنطق الليبرالي لمعالجة أنظمة التقاعد.
+ الحق في تعليم عمومي مجاني ديمقراطي وجيد مما يفرض التخلي عن خوصصة التعليم وبناء المزيد من المدارس والثانويات ومؤسسات التكوين المهني والجامعات بالمنطقة وتزويدها بالتجهيزات الضرورية وبالطاقم التعليمي الكفء والكافي وتحسين أوضاع رجال ونساء التعليم مع ضمان الشغل للمتخرجين/ات من المؤسسات التعليمية والتكوينية.
+ الحق في صحة عمومية جيدة وفي متناول الجميع بعيدا عن المنطق الرأسمالي للمتاجرة في الصحة. وفي هذا الإطار يجب بناء المستشفيات والمستوصفات الكافية والمجهزة والمؤطرة بطاقم كافي من الأطباء والممرضين/ات وتتوفر على الأدوية الضرورية لعلاج المرضى بمختلف أصنافهم كل هذا مع جعل حد للمحسوبية والرشوة في التعامل مع المرضى.
+ الحق في السكن اللائق مما يفرض وضع سياسة سكنية بالمنطقة تمكن من اقتناء سكن اقتصادي مناسب لعموم المواطنين/ات. وفي هذا الإطار تجدر الإشارة لضرورة الحماية من السطو على أراضي الفئات المستضعفة، خاصة من طرف لوبيات ومافيا العقار.
+ الحقوق الاجتماعية الأخرى لعموم المواطنين/ات وفي مقدمتها الحق في الخدمة العمومية الجيدة ــ بما فيها الخدمات العمومية المفوتة لشركات التدبير المفوض ــ والنقل العمومي والخدمات الاجتماعية الأخرى. ويؤكد الملف المطلبي كذلك على القطع مع الشطط في استعمال السلطة وضرورة اختيار مسؤولين أكفاء متشبعين بثقافة حقوق الإنسان.
+ الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للفئات الهشة: النساء، الأطفال، المسنين، العاطلين، المعاقين، المهاجرين المستقرين بالمغرب، السجناء، الفراشة، الباعة المتجولين، المتشردين،…
بالنسبة للنساء من المفروض أن يؤكد الملف المطلبي بالخصوص على الإجراءات التي تمكن من احترام كرامتهن في البيت والفضاءات العمومية ومقرات العمل ومن طرف المسؤولين الإداريين ومن تمتيعهن بالمساواة مع الرجل في جميع المجالات مما يتطلب قبل ذلك وكشرط لذلك تشجيع تحملهن للمسؤولية في قيادة الحراك الشعبي بالمنطقة.
كما يجب أن يشير الملف المطلبي خاصة بالنسبة للمناطق المصدرة لمهاجرين/ات مغاربة بالخارج مشاكل هؤلاء المهاجرين سواء هناك مع القنصليات وسلطات البلد المضيف أو هنا مع السلطات المعنية.
+ توفير شروط إنسانية للإقامة والمعيشة في المدن وأحيائها وفي القرى والدواوير، مما يفرض التوفير في شروط مناسبة للماء الشروب والكهرباء والإنارة وشروط النظافة والتطهير والطرق والبنيات التحتية والفضاءات الرياضية والثقافية والأمن للمواطنين/ات.
+ احترام الحقوق الثقافية من خلال أولا وقبل كل شيء ضمان التعليم الجيد والديمقراطي للجميع بما في ذلك تعلم اللغة الأمازيغية وكذا من خلال بناء المكتبات العمومية وتجهيزها وفتحها للعموم وبناء متاحف وبناء مراكز ثقافية ودور للشباب تتوفر على أجنحة للتمكن من ممارسة مختلف الأنشطة الثقافية والفنية من موسيقى ومسرح وسينما وغيرها. ومن أجل إنصاف اللغة الأمازيغية المعترف بها دستوريا كلغة رسمية إلى جانب العربية يجب على مستوى سائر الإدارات والمرافق العمومية استعمال اللغتين معا.
+ احترام الحقوق البيئية من خلال الحفاظ على القطاع الغابوي وتوسيعه ومحاربة التصحر، من خلال جعل حد لتشويه وتلويث النفايات للفضاء العمومي ولتلويث الأجواء والمياه ومن خلال الحفاظ على الثروة المائية للمنطقة وتحسين جودة مياه الشرب ومياه السقي والحفاض على نظافة الشواطئ
+ وأخيرا بالنسبة للقطاع الرياضي يجب بناء ملاعب رياضية بأهم مدن المنطقة مع بناء مراكز تمكن من ممارسة الأنشطة الرياضية المتنوعة بمختلف جماعات المنطقة.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com