الزفزافي: توصلت ب120 مكالمة تهديد بالقتل و3 محاولات اغتيال



بعد فضيحة تسريب الفيديو المشينة للمعتقل ناصر الزفزافي وهو شبه عار يتساءل أحد المتتبعين لتطورات الوضع بالريف الشامخ والعصي على الإخضاع والتركيع عبر العصور، عن السر في توقيت عملية التسريب تلك والغايات المتوخاة من تزامنها مع نهاية الاستنطاق التفصيلي مع أبرز نشطاء الحراك السلمي بالريف وأحد الرموز الوازنة التي برزت وبرعت في قيادة دفة سفينة ما بات يعرف بالحراك الشعبي بالريف، في بحر تعلوه أمواج عاتية من المؤامرات والدسائس والادعاءات والافتراءات والاغراءات والمساومات والاستفزازات والتهديدات وووو… لتستمر السفينة إلى وجهتها المقصودة دون أن تحيد عن خط سيرها نحو منارة العزة والكرامة والمستقبل الواعد لأجيال المنطقة في مرسى وطن الحرية والديمقراطية والمواطنة الغير منقوصة، وذلك بفضل حنكة طاقمها وانضباطه الذي أبهر المتتبعين محليا ووطنيا ودوليا. واستطاعت السفينة أن تصمد في محيط متقلب وتمنت من الإبحار في أجواء إقليمية ودزلية عاصفة وشروط محلية مناوئة ومعادية، ولم تفقد البوصلة، في أي لحظة..

الشاب الزفزافي الذي أصبح بطلا في عيون أهالي منطقة لها موروث تاريخي مشرف في الكفاح ومناهضة الظلم، بديهي أن يصبح مستهدفا وتركيعه أصبح ضروريا لإخضاع الباقي وإذلاله يفتح باب التعاطي مع الأزمة من موقع الفاعل والمتحكم…

سير أطوار جلسة التحقيق التفصيلي مع ناصر الزفزافي يوم 10 يوليوز الجاري أتبث فشل ذلك المسعى لأصحاب الحال، حيث مثل الزفزافي أمام قاضي التحقيق ليس كمتهم ولكن كمدافع يرافع بثقة وثبات عن قضيته التي يؤمن بعدالتها ويحاكم سياسات الدولة الفاشلة منذ عقود ويشرح مساوئها ونتائجها الكارثية على المنطقة وانعكاساتها على مصير الأجيال المتعاقبة، في جميع المجالات. كان الزفزافي واثق من نفسه ومن برائته ومن ورطة سجانيه، وفند كل الادعاءات الواردة في صك الاتهام الذي دبج بقلم التعمية وبمداد الأزمنة الغابرة، وببساطته ووضوح أفكاره.


تفاصيل مثيرة في جلسة التحقيق

من أطرف اللحظات بجلسة التحقيق التفصيلي كانت تلك التي روى فيها الزفزافي قصه صوره الشخصية التي سربت مع تفسيرات مغرضة توحي بطريقة عيشه الباذخة ومنها صورة “اليخت” الذي ظهر على متنه بلباس البحر يتمتع بحمام الشمس، حيث أوضح بأن الأمر يتعلق بقارب بسيط ومعروف بالحسيمة يقوم باكترائه كل من رغب في قضاء بعض السويعات على أمواج البحر وبثمن لا يتعدى 100 درهم وهو الأمر الذي أكده أحد أعضاء الدفاع المنحدر من المنطقة خلال الجلسة، ولكن الطرافة تحولت إلى استياء عندما فضح ناصر الطريقة البشعة التي تم بها الاستيلاء على الشريحة الالكترونية التي كانت تحوي تلك الصور، وكان ذلك بعد الهجوم الهستيري على منزل عائلته وترويع أهله والعبث الانتقامي بكل محتويات غرفة نومه وكانت النتيجة إصابة والدة ناصر بوعكة صحية حادة نقلت على إترها للمستشفى حيث خضعت للعلاج لمدة طويلة…

يوم مثل ناصر الزفزافي (الاثنين 10 يوليوز 2017) أمام قاضي التحقيق بالغرفة الأولى لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء في الجلسة التي خصصت للتحقيق التفصيلي معه في المنسوب إليه، كانت المحكمة وقبل موعد انطلاق الجلسة في حالة “استثناء”، حيث عرفت إنزالاً أمنيا مكثفا لجميع أنواع الأجهزة السرية منها والعلنية منذ الساعات الأولى للصباح، موزعين داخلها وخارجها والكل في حالة استنفار مخافة حدوث أمر ما، فيما تحلق أمام الباب الخارجي للمحكمة العشرات من الصحفيين والمصورين من مختلف الوكالات ووسائل الإعلام الوطنية والدولية.

أشغال الجلسة انطلقت متأخرة عن الموعد المقرر على الساعة العاشرة وخمسون دقيقة صباحاً بدل العاشرة، وتواصلت إلي ما بعد الساعة الثالثة زوالاً، وقد خصص هذا الحيز الزمني كله للاستماع لأقوال الزفزافي، فيما تم تأجيل التحقيق التفصيلي مع المعتقل جواد الصابري إلى جلسة لاحقة.

وخلال كامل أطوار الجلسة كان المعتقل السياسي على خلفية الحراك السلمي بالريف والقائد البارز لهذا الحراك متميزاً وترك انطباعاً إيجابيا لدى أعضاء هيئة الدفاع بطريقة تناوله للوضعية بالريف عبر مراحل تطورها وبتشبته بقناعاته ومبادئه وإصراره على الاستمرار في التضحية رغم الصعوبات والعوائق…

وكما أوردنا سابقا فتصريحات الزفزافي خلال الجلسة طبعتها الصراحة والوضوح والدقة والتلقائية في دحض الاتهامات الواردة في الملفات المطبوخة لكافة معتقلي الحراك وفي الدفاع عن قضية ساكنة الريف من خلال الحراك الشعبي ومشروعية مطالبه وبفضحه للمافيات واللوبيات المنتشرة بالمنطقة والتي تتمتع بالحماية السياسية والحصانة القصوى من طرف جهات معروفة لدى الجميع وذكر بعضهم بالإسم والصفة، والتي حاولت تشويه الحراك وتحريفه عن مساره وضرب شرعيته ومصداقية قياداته أمام الرأي العام الوطني والعالمي وكذا أجهزة الأمن التي مارست شتى أنواع التنكيل والانتهاكات في حق ساكنة الحسيمة وأهالي الريف عامة لترهيبهم، موردا بدقة عدة تفاصيل وأنواع الانتهاكات التي طالتهم طيلة مدة الاحتجاجات لأزيد من ثمانية أشهر، من قبيل الترويع والاهانات والقذف بعبارات ذات حمولة عنصرية والتهديد بالاغتصاب للأمهال والزوجات والأخوات.. والتي وصلت إلى محاولة الاغتيال والذي كان هو شخصياً هدفاً لها ثلاث مرات على الأقل بكل من أمزورن والناظور وسيدي عبد الله، كما كشف عن التهديدات بالقتل التي كانت ترد عليه من خلال مكالمات هاتفية بلغ عددها 120 مكالمة يهدده فيها المتصلون بالقتل ويتوعدونه بالانتقام من أفراد عائلته وينعثوه بأفظع الأوصاف وبألفاظ قبيحة وغير أخلاقية…

وفي معرض رده عن أجواء الاعتقال وظروف “الإقامة” بمخافر الحسيمة أو خلال مدة الحراسة النظرية كان سرده دقيقا للوقائع المفجعة التي رافقت عملية التوقيف ولظروف الاحتجاز بالحسيمة ووصف بإسهاب أشكال التعنيف الجسدي والنفسي التي مورست عليه بسادية ووحشية سواء بالحسيمة أو أثناء تنقيله بواسطة المروحية إلى مقر الفرقة الوطنية بالدار البيضاء، وذكر بأنه يعرف كل من اعتدى عليه بالإسم، وعبر عن رغبته في المتابعة القضائية لكل من مارس في حقه كل تلك الانتهاكات الفظيعة، وقد عاين قاضي التحقيق أثار الجروح التي لازالت برأسه والكدمات على مستوى عينه خلال جلسة التحقيق الاولى معه ودون ذلك في محضر الجلسة. كما أورد الزفزافي بأنه طالب بإجراء تحقيق مع المعتدين عليه وذكر منهم الضابط عصام الذي كان يتميز بالتشدد المفرط في التعنيف والإهانة، كما طالب باسترداد قميصه وتيابه التي كان يرتدي عند اعتقاله الملطخة بدمائه كوسيلة إتبات تجمل آثار الجريمة التي مورست في حقه، وتم إخفائها خلال فترة الحراسة النظرية بمقر الفرقة الوطنية وأضاف بان أحد الضباط هناك كان يداوم على تضميذ المناطق المصابة من وجهه بمرهم يصلح لإخفاء الكدمات التي كانت بارزة خاصة حول عينه، لمحو أدلة العنف قبل تقديمه إلى المحكمة أمام الوكيل العام… تفاصيل وتفاصيل جاءت في رواية الزفزافي لرحلة العذاب، حيث داق كل صنوف التعنيف والشتم والسب بأحط الألفاظ هو ورفاقة في الرحلة الدموية، وكل أشكال الإهانات والتشبيهات “أنت هو الهمة؟” يقول أحدهم للزفزافي بنبرة ساخرة، وهو يساق من سيارة إلى أخرى في طريق الجحيم التي عاش لحظاتها رفقة بعض من النشطاء الدين قاسموه محنة الوقوع بين أيدي من يسهرون على حمايتنا وتطبيق القانون…

وبتوالي الدقائق والساعات في سرد مشاهد الآلام وأهوال السلوكات لأناس قساة كانت إجابات ناصر تضيء أماكن العتمة في دهن المستمعين والمستمعات، ومنها قصة عرقلة العبادات عن طريق الشعارات، أوضح الزفزافي في روايته بكونه كان يوم الواقعة يسعد لصلاة الجمعة قرب بيته مع المصلين بالشارع خارج المسجد وأثناء استماعه لفحوى الخطبة التي كان الإمام يلقيها تفاجأ كغيره من المصلين بالمضمون التحريضي على الحراك والذي كان مستفزا بشكل كبير للمصلين، فإذا به يسمع صراخا بداخل المسجد فتوجه رفقة باقي المتواجدين لاستطلاع الأمر فوجد الإمام قد نزل من منبره ويعمل على مجادلة المصلين الذين كانوا قد شرعوا في الاحتجاج على مضمون الخطبة الغرب والمستفز، وتحول الأمر إلى تبادل النعوت فاضطر للتدخل لتهدئة النفوس.

ليفاجأ عند عودته إلى البيت بالتطويق الأمني للزقاق الذي يسكن فيه كما لاحظ بعض التصرفات المريبة لعناصر يعرفها مما جعله يخشى على سلامته في حالة تسليمه لنفسه لأجهزة لا تحضى بثقته، رغم أنه مسعد للاستشهاد في سبيل القضية التي يناضل من أجلها..

كان إلمام ناصر بالكثير من الخيوط والدقائق التي تمور بالمنطقة وتجلى ذلك في تمكنه من سرد تفاصيلها بإسهاب ورده على مزاعم الأسطوانات الدعائية لارتباط الحراك بالخارج والعلاقة بالجزائر والبوليزاريو وكان طرحه للأمور واضحا ومقنعاً واطلاعه واسعا على كافة الأحداث وأفرد جانبا من حديثه عن الاعتقالات والمحاكمات الصورية التي انطلقت من إمزورن بعد افتعال الحرق وتواصلت إلى حدود الأن بالحسيمة والناظور وتامسينت وتلارواق وبكافة بلدات الريف التي تعرف الاحتجاجات من أجل مطالب اجتماعية لا تتعدى سقف التشغيل والخدمات الأساسية والحيوية مثل المؤسسات الاستشفائية وخاصة في بعض التخصصات مثل معالجة السرطان المتفشي بالمنطقة، ويحتاج المرضى بهذا المرض إلى إمكانيات مادية كبيرة للتنقل من أجل العلاج إلى مدن بعيدة مما يضاعف معاناتهم ويغذي محنة عائلاتهم ودويهم.

كما قدم الزفزافي خلال أطوار الجلسة التي شهدتها الغرفة الأولى لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء تشريحا لواقع البؤس والعزلة التي تعيشها الشرائح الفقيرة والمعدمة بالمنطقة نتيجة سياسات التهميش والإقصاء المسلطة عليها منذ عقود، المتجلية أساسا في تفشي البطالة وغياب التنمية وبالتالي فرص الشغل، وأعطى النموذج بأسرته التي تضطر للعيش بمدخول واحد داخل أسرة تتكون من الأم والأب وأربعة أبناء براتب معاش التقاعد الذي يتقاضاه والده أحمد الزفزافي في حدود ألف وخمس مئة درهم 1500Dh للشهر…

وإذا استحضرنا بعض التطورات التي سبقت، كتلك العملية البهلوانية المرتبطة بتسريب الرسالة المعلومة أياما قبل موعد جلسة التحقيق التفصيلي وإعادة الزفزافي إلى مقر الفرقة الوطنية لاستنطاقه حول نفس الرسالة المزعومة يوم 7 يوليوز 2017 أي 3 أيام قبل الجلسة، وإذا سلمنا بأن الأجهزة المعلومة تتوفر على الوسائل التي تمكنها من الاطلاع على مجريات التحقيقات، يحق لنا أن نستنتج بأنه يمكن أن تكون الأمور قد سارت عكس رغبة أصحاب الحال خلال الجلسة التي تم تأجيلها بقرار من القاضي المشرف على التحقيق ولا زال تاريخ استكماله مع من أصبح يلقب بأسد الريف من طرف مناصريه، لم يحدد بعد. ويمكن أن يكون هذا من بين الأسباب التي دفعت إلى رد الفعل المتهور بتسريب ذلك الفيدير عبر أحد المواقع الإليكترونية المشبوهة، وهو مؤشر آخر على مدى التخبط والإخفاق الذي منيت به كل القرارات و”المبادرات” المخزنية في الملف الشائك الذي أصبح يؤرق الجهات النافذة والمتمسكة بزمام البلاد ورقاب العباد..


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com