العمل المنتج والعمل غير المنتج في النظرية الماركسية


 

أصبحت وثيرة نمو الإنتاج الرأسمالي،متسارعة بشكل كبير،لدرجة أن قطاعا لا ماديا،غدا يغطي اكثر من نصف الإنتاج المادي  خصوصا مع الثورة التكنولوجية المعلوماتية الجديدة. فتضاربت الآراء حول طبيعة هدا القطاع الجديد: هل سيؤدي دلك الى احدات طفرة نوعية في طبيعة ودينامكية الرأسمالية،أي التحول من رأسمالية صناعية،الى رأسمالية  معرفية  (capitalisme cognitif).

وهذا رأي عدد كثير من المفكرين الماركسيين والكينزيين، ام سيظلان متجاورين، لان قاسمهما المشترك، في ظل سيطرة الرأسمالية كنظام اجتماعي هو انتاج فائض القيمة؟

نميل الى الأطروحة الثانية، بالاستناد الى ماركس نفسه،خصوصا في الجزء المجهول من رأسمال المعنون ب”نتائج عملية الإنتاج المباشر”وهو الجزء الثامن والأخير من الكتاب الأول من “رأسمال”.

يقول ماركس:”إن ميل سائر المنتوجات لان تكون سلعا،وكل عمل لان يكون عملا مأجورا،هو ميل مطلق في الإنتاج الرأسمالي. إن كتلة كاملة من الوظائف والنشاطات التي كانت محاطة في السابق بمسحة قداسة،والتي كانت تعد غاية في ذاتها،والتي كانت تؤدي دون مقابل او ان الدفع كان يجري بطرق ملتوية(مثل كل المهن،المحامون،الأطباء…)إن هؤلاء جميعا يتحولون مباشرة الى عمال مأجورين مهما بلغت نشاطاتهم،من المومس الى الملك، يصبح موضوعا للقوانين الناظمة لسعر عمل المأجور”.

ولمزيد من التدقيق يضيف ماركس:”لوصف العمل المنتج بأنه منتج،تلزمنا خصائص لا صلة لها البثة،في ذاتها ولذاتها،بالمحتوى الخاص للعمل،بنفعه المتميز او بالقيمة-الاستعمالية التي يحل فيها،لهدافان عملا يتسم بالمحتوى الواحد يمكن أن يكون منتجا او لا منتجا.وعلى سبيل المثال،فان ميلتون الدي نظم “الفردوس المفقود’ كان عاملا غير منتج،من جهة ثانية،فان الكتب الدي يضع مؤلفا لناشر بأسلوب المصنع هو عامل منتج.لقد أصبح ميلتون الفردوس المفقود مثلما تنتج دودة القز الحرير،كنشاط حيوي لطبيعته الخاصة بالذات وقد باع منتوجه فيما بعد بخمسة جنيهات وبدا أصبح تاجر سلع.لكن البروليتاري الأدبي لايسبيغ الدي  ينتج كتبا،مثل موسوعة الاقتصاد السياسي بطلب من الناشر،هو قريب تماما من العمل المنتج،طالما أن رأسمال استولى على إنتاجه.ولم يحصل هدا الا لزيادته.إن مغنية تصدح مثل عصفور هي عامل غير منتج،أما ادا باعت أغنيتها لقاء نقود،فإنها تكون الى هدا الحد عاملة مأجورة او تاجرة سلع،أما ادا تعاقدت هده المغنية مع رب عمل يجعلها تغني بهدف جني النقود، فإنها تصبح عاملا مأجورا ما دامت تنتج على نحو مباشر رأسمال.

إن معلم المدرسة الدي يعلم الآخرين ليس بمعلم عامل منتج،آما معلم المدرسة الدي يعمل بأجور في مؤسسة الى جانب آخرين،مستخدما عمله لزيادة نقود رب العمل الدي يملك مؤسسة نشر المعرفة إنما هو عامل منتج”.

غير أن هدا التحليل يذهب الى ابعد مدى،من خلال الجزء الخامس، الدي يتعلق ب”انتاج فائض القيمة المطلق وفائض القيمة النسبي” بحيث يقول في هدا الصدد:”إن مفهومنا للعمل المنتج يضيق،فالإنتاج الرأسمالي ليس مجرد انتاج سلعة،بل هو من حيث جوهره،انتاج لفائض القيمة.أن العمل لا ينتج لنفسه،بل لأجل رأسمال،فلا يعود يكفي الآن أن ينتج العامل وحسب،إنما ينبغي آن ينتج فائض القيمة.ولا يعتبر عاملا منتجا غير داك الدي ينتج للرأسمال فائض القيمة او الدي يخدم نمو رأسمال بصورة ذاتية ،ادا ما أوردنا مثالا من خارج نطاق الإنتاج المادي ،لوجدنا آن معلم المدرسة هو عامل منتج حيث ينهك نفسه أثناء العمل،لأتراء مالك المدرسة،علاوة على معالجة رؤوس الأطفال.آما كون المالك قد استثمر رأسماله في مؤسسة للتعليم،ام في مصنع لإنتاج النقانق،فدلك لا يغير من الأمر شيئا.لدا فان مفهوم العامل المنتج لا يتضمن العلاقة بين النشاط وتمرته النافعة،أي العلاقة بين العامل ومنتوج عمله فحسب،بل ينطوي أيضا على علاقة انتاج اجتماعية خاصة،علاقة انبثقت  تاريخيا،تجعل العمل وسيلة مباشرة لإنماء قيمة رأسمال”.

وادا كان ماركس قد اقر نظريا بتحول العمل اللامادي الى منتج لفائض القيمة،فانه لم يمض في بحته من اجل ،تكريسه كواقع ملموس،وفي أحسن الحالات،العمل على تعميمه،كعمل جوهري ،في الإنتاج الرأسمالي،لان عملا من هدا الصنف يضيف ماركس:”نادرا ما يكون،قد وصل في الجزء الأعظم منه الى مرحلة خضوعه،حتى شكليا الى رأسمال،بل لايزال ينتمي في الأساس الى أشكال انتقالية،وعلى العموم،فان نمادج العمل التي تستهلك كخدمات وليس في منتوجات منفصلة عن العمل،وبالتالي غير قادرة على الوجود كسلعة،بصورة مستقلة عنه،ولكنها مع دلك قابلة لان  تستغل مباشرة بالمعنى الرأسمالي،هي نموذج دو أهمية متناهية في الصفر حتى تقارن بكتلة الإنتاج الرأسمالي وعليه يمكن إغفالها كليا،وتمكن معالجتها تحت مقولة العمل المأجور،لبس في الوقت نقسه عملا منتجا”

نستخلص من هدا التحليل لماركس، هو انه انطلق من فرضية العمل اللامادي كعمل منتج في الحالة التي يحولها الرأسمالي الى سلعة تباع في السوق، ومن ثمة خضوعها شكليا وجوهريا الى التنمية الذاتية لرأسمال وللإنتاج الرأسمالي بصفة عامة.

لقد حدث فعلا هذا التحول في منتصف القرن العشرين لما انقسمت المجموعة العمالية الى أصحاب البدلات البيضاء وأصحاب البدلات الزرقاء، وسيعرف مداه مع بلوغ الثورة التكنولوجية المعلوماتية الى حدودها القصوى،وبروز المنظمة العالمية للتجارة،التي تحتكر تراخيص المعرفة التكنولوجية و الصحية والغذائية،مما سينعكس لا محالة على البنية الطبقية للطبقة العاملة وكل الموارد الايدولوجية والسياسية التي اكتسبتها خلال نضالها ضد الرأسمالية في القرن الماضي،وهدا مايفسرالى حد بعيدا الحدود التاريخية للإستراتيجية الثورية التي مورست الى حد الآن.