القدس… والبعد الطبقي للسؤال المخادع: “أين العرب؟


مقال جدير بالقراءة منقول من موقع “الهدف” للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين
للكاتب : نصار إبراهيم
القدس… والبعد الطبقي للسؤال المخادع: “أين العرب؟
201723 تموز / يوليو
“أين العرب!!؟”

كلما ألمّت بشعب عربي مصيبة أو كارثة… ينظر حوله مفجوعا ويصرخ “اين العرب؟؟”.
سؤال مؤلم ومفجع ، مراوغ ومخادع، واضح وغامض ، صادق وساذج… ملهاة ومأساة.
والفلسطينيون هم أكثر من أدمن هذا السؤال أو الصرخة… وكأنهم لم يتعلموا من التاريخ شيئا…
هذا السؤال بقدر ما يبدو بسيطا… سهلا وواضحا.. إلا أنه في العمق سؤال معقد يؤشر لعمق الغفلة والسذاجة، ولهذا كلما يرفع مواطن عربي أو فلسطيني هذا السؤال فإنه يتجلى بكامل سخريته وكأنه يرفع قدميه في وجوه الجميع ويضحك حتى يسقط على ظهره.
حين يغيب العقل أو يُغيَّب يلتبس الوعي والموقف.. يحدث ذلك أحيانا تحت ضغط اللحظة والاستنفار الوجداني.. ويحدث أحيانا بسبب القصور المنهجي العلمي في قراءة الواقع ومعادلاته وعوامل الفعل والتأثير فيه.
أحيانا يحدث الالتباس عند طرح السؤال وبهذه الطريقة نتيجة تشوه الوعي والاعتقاد الافتراضي القائم على مقاربة أخلاقية مجردة… فيأتي سؤال: أين العرب؟ بما يشبه صدى صرخة “وامعتصماه”… وكأن مجرد لفت نظر هؤلاء “العرب” إلى ما تقوم به إسرائيل في الأقصى أو في كنيسة المهد، أو أن أمرأة فلسطينية قد تعرضت للإهانة على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي أو مستوطنيه سيكون كافيا لاستفزازمروءتهم فينهضوا للمجالدة… إشكالية هذا الالتباس تكمن في تصديق إدعاء تلك الحكومات بأنها حريصة على الدين والمقدسات وكرامة الإنسان العربي.
وبالمناسبة هذا الالتباس يشبه إلى حد معين إشكالية المفهوم الغامض حين يتوجه السؤال/النداء إلى”الأمة الإسلامية”، وكأن الدين هو الذي يحدد تشكل الأمة، وهذا غير صحيح بالمعنى التاريخي والاجتماعي والاقتصادي، صحيح أن الدين هو أحد عوامل تشكل الأمم، ولكنه وحده لا يكفي… وإلا لأصبح لدينا “أمة مسيحية” و”أمة هندوسية” و”أمة بوذية” و”أمة يهودية”…وهكذا… وهذا غير قائم أو موجود… وهذا لا يتناقض مع توظيف الدول للدين من أجل تمكين دورها ومصالحها وسيطرتها.
خطورة هذا الالتباس أن بعض قوى الأسلام السياسي ترهن القضايا الوطنية والقومية عند بعض الدول فقط لأنها تقول بأنها إسلامية (على سبيل المثال تركيا التي لها معاهدات واتفاقيات استراتيجية مع إسرائيل )… في ذات السياق لا أدري ما الذي فعلته إندونيسيا أو ماليزيا أو باكستان مثلا لقضية فلسطين أكثر من أي دولة غير إسلامية.. فنزويلا أو كوبا مثلا…!!!.
أحداث القدس تعطينا مثالا واضحا على هذه الالتباسات التي تصل إلى حدّ التشوه ونشر الوعي المزيف… فأمام أهوال المواجهة بين الشعب الفلسطيني الأعزل وقوات الاحتلال وأجهزته الاستخبارية.. وكلما انفجرت الشوارع بالشباب والأطفال والنساء وهم يواجهون آلة القتل الإسرائيلية ويستشهدون.. ينفجر الغضب المحاصر في الصدور والوعي…
“أين العرب …!؟
فعلا… أين العرب؟؟ ينطلق ذات السؤال أو التساؤل عند كل مواجهة ومجزرة وحرب… بالضبط كما يحدث الآن وإسرائيل تنتهك الأقصى والقدس… دون أن تقيم اعتبارا لأحد…
وبالرغم من امتلاء الذاكرة الفلسطينية بالأحداث… وبالرغم من الكوارث المتواصلة.. فقد بقي هذا السؤال بدون صدى أو نتيجة… ذلك لأنه سؤال لا يقول شيئا.. ولا يقصد أحدا بعينه فيضيع كالصدى…
إذن طرح سؤال ” اين العرب؟” هكذا وبهذا التعميم يبقيه سؤالا مراوغا ومخادعا… وكأنه يسبح في الفراغ…
هذا يستدعي إعادة صياغة السؤال بما يحدد بالضبط الجهة المقصودة… حينها يمكن وعي إمكانية الفعل من عدمها.
حين يبدأ السؤال ب: أين العرب؟ فإنه في العمق يقصد مواقف وسلوك وأداء الحكومات العربية، أي المستويات السياسية الأولى، ذلك لأن بيدها القرار وهي المخولة باتخاذ المواقف والمبادرة… وليس الشعوب.. فتلك لها مقاربات مختلفة…
إذن السؤال المحدد والصارم يجب أن يكون : أين الحكومات العربية!؟.
هكذا يستعيد السؤال وضوحه وتحديده… وينتقل من وضعية الغضب والقهر الوجداني الشعبي.. إلى موقع المحاكمة…
الآن نعيد طرح السؤال: أين الحكومات العربية من كل ما يجري في القدس والأقصى؟ هنا يمكن أخذ السؤال من يده ليتعامل مع مساحات واسعة في أكثر من بلد عربي.. أو معظمها… ليتناول قضايا عديدة مثل الفساد، والبطالة،والفقر، والديون، والحقوق المدنية وحرية التعبير، والتبعية… وفي السياق القدس والأقصى وقضية فلسطين… وغير ذلك…
الإجابة على السؤال تستدعي استجواب المضمون… بمعنى من هي القوى الاجتماعية (الطبقية) التي تمثلها هذه الحكومات؟ وبالتالي هل بمقدورها أن تتخذ مواقفها بعيدا عن طبيعتها وبعيدا عن مصالح الطبقات التي تمثلها؟ وهل تملك حرية القرار بعيدا عن تبعيتها وخضوعها السياسي والاقتصادي؟.
بمعنى: هل بمقدورها أن تخون ذاتها ومصالحها؟.
التعامل مع الإجابة من منطلق منهجي واضح سيكشف لنا وبكل بساطة جدوى السؤال وجديته.. كما سيكشف لنا السذاجة التي تحكم وعي من يطالب تلك الحكومات بتجاوز دورها ووظيفتها المتمثلة بحراسة مصالح الطبقات التي تمثلها بما في ذلك حراسة مصالح الدول التي تهيمن على سياساتها وقراراتها…
هناك قول ماركسي شهير “رأس المال ليس له وطن”… والمقصود أن السلطة التي تتجسد في الحكومة هي سلطة تمثل مصالح طبقية محددة، الوطن بالنسبة لها مجرد فرصة للسيطرة والنهب والاستغلال… وبالتالي فإن مطالبتها بدور أو مواقف أو سياسات أو سلوك يتجاوز أو يتناقض مع تلك المصالح هي مطالبات مثالية وغير واقعية… بل وساذجة.
هذه الحقيقة نجدها مجسدة في ممارسات معظم الحكومات العربية منذ عقود، ذلك لإنها جزء من حلف طبقي عالمي… وبالتالي فهي ملتزمة بمصالح هذا الحلف… والأوطان بالنسبة لها مجرد مزارع لنهب الثروات والإثراء… ولهذا فإن معظم تلك الأنظمة هي أقرب في بنيتها وسلوكها وأدائها للسماسرة والوكلاء للرأسمال الأم.
ولحماية تلك المصالح ومن أجل الحفاظ على دورها الوظيفي فإنها تبني منظومات سيطرة شاملة مباشرة وغير مباشرة.. منظومات سياسية واقتصادية وتعليمية وقانونية وإعلامية وثقافية وأمنية قمعية تتجسد في سلطة الدولة… وكلها تستهدف حماية وجود ومصالح الطبقة السائدة واحتلال الوعي الشعبي وقهره… ومن يتجاوز ويتجرأ على المعارضة والمبادرة لمواجهة هذه الهيمنة فإنها تسحقه بلا رحمة.. هذا بالضبط ما قصده لينين بقوله “إن البرجوازية هي أول من يضع الحرب الأهلية على جدول أعمالها حين تتعرض مصالحها للتهديد”… حينها لا يهمها وطن ولا وحدة وطنية.. بل وهي مستعدة للاستنجاد بالقوى الاستعمارية لتحافظ على سلطتها ومصالحها.
هذه الطبقات الأنانية المتوحشة والمتخلفة هي ربيبة الرأسمال العالمي المتوحش، غير انها في واقعنا العربي “طبقات” هشة وغير أصيلة لا تملك تراثا في الوطنية واحترام الذات، ذلك لأنها طبقات غير منتجة، فهي طبقات ريعية استهلاكية (طفيلية) تراكم ثرواتها من بيع ثروات الشعوب الطبيعية وتقوم بوظيفتها كسماسرة ووكلاء للشركات والرأسمال الأجنبي … إنها طبقات انتقامية جاهلة وجبانة.. شجاعتها لا تظهر إلا حين تواجه شعوبها بينما في علاقتها مع مرجعياتها وأربابها الخارجيين تكون خاضعة ومستلبة…
بطبيعة الحال الحديث هنا عن السمة الغالبة في معظم الدول العربية وليس كلها، فهناك بلدان استطاعت بطريقة ما أن تؤسس بدايات تجارب لرأسمال وطني وأنظمة أو حكومات وطنية بنسبة أو أخرى (مصر، سورية، الجزائر، العراق… على سبيل المثال)… وهذه ليس هنا مجال البحث فيها.
بالعود لسياق النقاش نلاحظ أن غالبية الحكومات العربية وعلى مدار تاريخها شكلت قوة قهر وقمع دموي ضد القوى السياسية والمثقفين والطبقات الاجتماعية الشعبية التي تهدد مصالحها، فأعدمت واغتالت واعتقلت مئات الآلاف … كما أطلقت العنان لأجهزتها الأمنية لنشر الرعب والخوف بين الناس…
هذا الواقع هو الذي يفسر لنا كل هذا الصمت وهذا التواطؤ… فكيف تستقيم المعادلة بمطالبة حكومات تقف في حلف واحد مع إسرائيل باتخاذ سياسات ومبادرات فاعلة لمواجهة مشاريع إسرائيل في القدس والأقصى والدول العربية؟.
كيف يمكن مثلا مطالبة السعودية بموقف جدي فاعل تجاه ما يجري في القدس وهي التي أهدت ترامب في رمشة عين نصف ترليون دولار كحارس لبقاء الأسرة الحاكمة التي تقيم حلفا إستراتيجيا مع الولايات المتحدة حارسة إسرائيل الأزلية…؟.
كيف يمكن مطالبة حكومات استخدمت كل سلطتها وأموالها من أجل احتلال وتدمير العراق، واستنجدت بالناتو لتدمير ليبيا، ثم حشدت كل العصابات الإرهابية وصرفت مئات مليارات الدولارات لتدمير سورية، وهي ذاتها التي تخوض منذ ثلاث سنوات حربا وحشية دموية ضد شعب اليمن… كيف لها أن تقف مع قضية فلسطين وشعب فلسطين.. مع القدس والأقصى والمقدسات في مواجهة من تقف معهم في ذات الخندق الواحد… ؟
لكي نفهم هذا التوطؤ والصمت .. لنبحث في معادلات الاقتصاد السياسي… لنعيد النظر في طبيعة الأنظمة والقوى الطبقية المتحكمة بالقرار السياسي… حينها لا يعود هناك ما يثير الاستغراب .. والأهم أن ذلك هو الشرط لمغادرة وهم الرهان على قوى هي جزء عضوي من القوى المناهضة لمصالح وحقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية..
هذا يعني توجيه البوصلة من جديد للشعوب العربية المقهورة بدورها من سياسات حكوماتها.. وهو ما يمهد لوعي مشاكل وأزمات تلك الشعوب التي تعاني بدورها مما يجعلها موضوعيا في حال ليست أفضل كثيرا من حال الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال..
هذا هو الخيار الإستراتيجي وفرس الرهان… وغير ذلك سيستمر الركض وراء سراب الأنظمة والحكومات التي لا يعنيها سوى مصالحها التي هي فوق أي اعتبار وطني أو قومي أو ديني أو مقدس…
هذا يفرض ضرورة وعي الواقع وبناء الرؤية من منطلق علمي يعي صراع الطبقات كمحدد للسياسات والخيارات… كما يعني أن الخطاب يجب أن يتوجه للشعوب العربية وقواها السياسية التي عليها أن ترى نفسها كمكون عضوي في المواجهة.. بما يشكل ردا واضحا على الثقافة القطرية الانعزالية الناجمة عن مشاريع التمزيق والتقسيم منذ سايكس بيكو وحتى اليوم… والرد على سياسة الهيمنة والتبعية للقوى الكولونيالية المتوحشة… هكذا تتكامل حلقات المقاومة العربية حين تنطلق من وحدة المصير ووعي الأبعاد والأهداف الاستراتيجية للحلف المعادي التي ترتكز على تشويه وتغييب الوعي الجمعي العربي وحشره في زوايا القطرية والثقافة القبلية والطائفية الضيقة والسيطرة على مقدرات الأمة العربية البشرية والطبيعية والجغرافية ونهبها.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com