النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي بين المناضلين اليساريين بين المسؤولية و السفسطة


النقاشات في وسائل التواصل الاجتماعي بين المناضلين اليساريين
بين المسؤولية و السفسطة

لعبت وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة و في مقدمتها الفيسبوك دورا رياديا في فتح النقاش العمومي على مصراعيه ، ففي الوقت الذي كان التواصل السياسي و التعبير عن المواقف مرتبط بالجرائد المكتوبة ، وبالاجتماعات المغلقة ، و جلسات المقاهي ، و الفضاءات الاجتماعية المختلفة حيث تكون هناك علاقات إنسانية مباشرة أصبح الفايسبوك ينافس هذه الفضاءات و يسمح بحرية أفقية أكبر لتداول المعلومات و للإبراز الوجود الشخصي للأفراد في إطار إثبات المواطنة و الهوية الشخصية ، و المساهمة المباشرة في النقاش العمومي… أكيد أن ولوج وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني ولوج فضاء الحرية دائما (حرية التعبير) فهذه الاخيرة تبقى مراقبة بوسائل شتى يختلف التضييق عليها من بلد لآخر و تعرف البلدان العربية و المغاربية تضييقا ممنهجا ثابتا على مختلف وسائل التعبير و عن بتفاوت في الدرجة .
و بالإضافة إلى أن التعبير على الفايس يسمح باختراق الفضاءات الخاصة و حتى الحميميات بالنسبة للأشخاص من طرف أجهزة التتبع و المراقبة و هذا موضوع يمكن أن يتناوله الحقوقيون كما ذوي الاختصاص في حرية التعبير الرقمية .
يستعمل الكثير من اليساريون و غيرهم هذا الفضاء في الصفحات ، و المجموعات ، و المواقع الإلكترونية لفتح النقاش في قضايا مجتمعية سياسية و حقوقية و فكرية مختلفة بل لحد الآن أعتقد أن المجموعات و البروفايلات اليسارية هي الأكثر نقاشا للقضايا العامة و السياسية ، و هذه النقاشات أصبحت مفتوحة أفقيا و عموديا مما يجعل بعض المناضلين ينتقدون هذا النقاش لكونه أحيانا يعوض العمل التنظيمي الحزبي ، كما أصبحت الصورة و الصوت المباشر
( اللايفات) أكثر حضورا مما يعطي نقلا مباشرا للأحداث … إذن هناك إيجابيات مهمة لهذا الفضاء كما يوجد فيه سلبيات كثيرة …
ما يهمنا في هذا المقال هو النقاش بين اليساريين المغاربة فيما بينهم و بينهم و بين من يختلف عنهم في الأفكار و القناعات ، هل لهذه النقاشات قواعد ما و أخلاقيات يجب الاستناد إليها أم أن النقاش مفتوح على مصراعيه بلا هوادة و بلا أخلاقيات ( ديونطولوجيا )؟
عموما من خلال التتبع المستمر لهذه النقاشات يمكن ملاحظة أسلوبين على الأقل في طريقة المناقشة ::
1) الأسلوب الاول : يحاول التأصيل لمواقفه انطلاقا من أدبيات و مرجعيات اليسار و هي في عمومها الاشتراكية و الصراع الطبقي و الجدل و المادية التاريخية و المشروع المجتمعي الديمقراطي الشعبي العلماني و قيم الكرامة و الحرية و العدالة الاجتماعية و المساواة بين الجنسين و قيم التضامن و حماية البيئة و حقوق الانسان للجميع .
والربط جدليا بين التحليل و مهام التغيير ، و بين النظرية و الممارسة … ومحاولة التفاعل مع الانتقادات الموجهة لرأيه أو لفصيله أو تنظيمه السياسي من منطلق الدفاع بالحجج إن توفرت و التفاعل الايجابي مع الحجج المقدمة من طرف الآخر المختلف ، و الاعتراف بالحقيقة أحيانا باعتبارها ثورية دائما .
و التوجه الوحدوي في كل الحالات و البحث عن المشترك و التضامن أمام العدو الطبقي و القمع و الإيثار أحيانا ، و يؤرقه كون مهام النضال الطبقي لم تنجز بعد و التغيير لم يأت أجله ، و لا يعطي بظهره لمعارك الشعب الكادح .
و يستطيع بفراسته تمييز النقيض الاستراتيجي من النقيض المرحلي ، و لا يغتر بمرجعيته بل يمتحنها في قلب الصراع المجتمعي العالي التعقيد ، و ينصت لنبض المجتمع الحي و الخلاق… هذا الأسلوب يدل على تبني قضية و مشروعا مجتمعيا سيمتحن في الصراع الطبقي الضاري ، و يدل على وجود أناس مقتنعين في الحد الأدنى على أن مجتمع الغد يبنى في قلب المجتمع الحالي لهذا يتسلحون بالقيم ليس كمقولات جوفاء فارغة بل كممارسات و مضامين تعطي للآخر القدوة ، و تعطي للشباب الأدوات لمقاومة همجية الرأسمالية التبعية و قيمها المتفسخة و الرجعية .
أكيد أن بعض الأخطاء قد تقع و بعض تسربات الأسلوب الثاني كذلك ، لكن آليات التصحيح و النقد الذاتي تكون مكونا من مكونات هذا الأسلوب .
2) الأسلوب الثاني : يعتمد أسلوب السندويتش في النقاش ، فيقتطف عبارات أو مقولات أو أحداث من سياقاتها و يستعمل المرجعيات بمكر و انتهازية مقيتة ، و يهدف التحريض و البلبلة و التشويش أكثر من النقاش المسؤول و الجدي ، و تعميق الاختلافات و تكريسها و التلذذ بذلك و هو يستفيد بخبث من فضاءات التعبير التي تتيحها المواقع الاجتماعية مثل الفايسبوك ، و يستعلي على الممارسة النضالية التي تعتبر المدرسة الحقيقية لكل مناضل تقدمي ، و يرتكب العديد من الحماقات في النقاش كالكذب و الجمع بين المتناقضات و تعمد التشويش و النميمة ، و اصطياد الزلات الصغيرة و تكبيرها … و غير ذلك من الأساليب المنحطة … إنه أسلوب يميني متخلف في لغة يسارية … هذه الأساليب غالبا تطبعها الذاتية و تضخم الأنا ، و شيطنة الآخر ، و الإطلاقية و الجاهزية في الأحكام ، و التأثر بالنميمة وبالإشاعة و تكريسها و ترويجها و جمجمتها…
أصحاب الأسلوب الأول : مهما بلغت درجة الاختلاف معهم و مهما بلغت حدة النقاش من أجل الوصول إلى التقاربات الممكنة ، فهم يحضون بالاحترام و التقدير لأن نضال شعبنا طويل و شاق و معقد ، و يفترض درجة عالية من المسؤولية و من قبول الاختلاف ، كما يفترض العمل على محاربة كل أشكال العبث و المرض المتسرب إلى لغة بعض من اليسار الفاقدة ليس للعلمية فقط بل للأخلاق أيضا ، و لا أقصد هنا أخلاق الممارسات اليومية ( الضرورية ) بل الأخلاق السياسية و الفكرية و النضالية ( لأن تلك من هذه ) و هي التي تجعل اليسار يسارا بفكره و قيمه و مضامين مشروعه و ليس بالتسمية فقط .
أصحاب الأسلوب الثاني : يفتقد أصحابه في الغالب إلى التربية النضالية ، و بعضهم يفتقد للمروءة ، و قد تعبر بعض الحالات عن حالات سيكولوجية معقدة ، و شفاؤها ( الغير مضمون النتائج دائما للحالات المستعصية) يتم من خلال التكوين التنظيمي المستمر على قيمة الالتزام (L’engagement) و التواضع و الممارسة كمحك نضالي ، و التعلم من الآخر .
فليس لأن بعض أحزاب اليسار أو مكوناتها نظرا لضعفها التنظيمي أحيانا أو لقلة الأطر أحيانا أخرى قد سمحت للبعض من ذوي الثقافة و التكوين الرديء بأن يصبح عضوا في دائرة ما أو جهاز ما ، مما جعل هذا البعض يعتقد أن أن موقعه هذا يؤهله للعب دور حقيقي في النقاشات الجدية الدائرة حيث يستطيع بموجب هذا التموقع أن يتسلل بمكر لممارسة العبث الذي يبتغي ، الحقيقة أن كل ما هنالك هو فقط ملأ للفراغ التنظيمي… لقد عرفت بلادنا الكثير من المزايدين طيلة التاريخ النضالي لشعبنا لم يعد لهم أثر يذكر سوى في جبة المخزن أو في الظل البئيس، هذا على سبيل المثال فقط…
ليهتم المناضلات و المناضلون بالنقاش الجدي …و ليحاربوا السفسطة مهما كان مصدرها ، إنها خطر على المشروع المجتمعي البديل و قيمه… إنها مرض اليسار الطفولي اليوم …
إسلامي ع الحفيظ
الخميس 13 يوليوز 2017



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com