تأملات في واقع اليسار وأسباب أزمته وإمكانيات تجاوزها


بالرغم من كون الظروف الموضوعية( أزمة عميقة ومتفاقمة لنمط الإنتاج الرأسمالي ومسئوليته على الكوارث التي نعيشها: البطالة والهشاشة والاستغلال المضاعف والبشع والحروب وتدمير الطبيعة) ملائمة لتطور اليسار وتبوئه موقع الصدارة، يتميز اليسار، في الغالب، بالضعف والتشرذم والتيه الفكري. بل أصبح مفهوم اليسار نفسه غامضا ومضببا. لذلك، لا بد من تحديد ما نعنيه بكلمة “يسار”، قبل المرور إلى تشخيص الأزمة التي يتخبط فيها وأسبابها وإمكانيات نهوضه والمهام المطروحة عليه. 

1.ماهو اليسار؟

في دول المحيط الرأسمالي، تتميز المرحلة الحالية بالصراع من أجل التحرر الوطني من هيمنة الإمبريالية ومن أجل الديمقراطية. هذا الصراع الذي تخوضه الطبقات الشعبية( الطبقة العاملة، الكادحين في البوادي والمدن والبرجوازية الصغرى والجزء من البرجوازية المتوسطة المصطف بجانب الطبقات المذكورة سابقا). ويتكون اليسار في هذه الدول من القوى تمثل وتناضل من أجل مصالح الطبقات الشعبية الآنية والاسترتيجية المتمثلة في التحرر الوطني والديمقراطية وتدافع على قيم التقدم والحرية والعلمانية والمساواة والكرامة.

أما في دول المركز، فاليسار يتشكل من القوى المناهضة للرأسمالية والمناضلة من أجل الاشتراكية ومن قوى يسارية قامت بالقطيعة مع القوى الاجتماعية- الديمقراطية، لكنها لا زالت تعتقد بإمكانية إصلاح الرأسمالية و أن الطريق الوحيد للتغيير هو البرلمانية.

هكذا ينقسم اليسار إلى يسار ثوري ويسار إصلاحي:

-اليسار الثوري يتشكل، بالأساس، من القوى الماركسية المشكلة من التوجهات الرئيسة التالية:

°التوجه الماركسي أو الماركسي-اللينيني الذي يناضل ضد الرأسمالية ومن أجل الاشتراكية ويسعى إلى بناء حزب الطبقة العاملة كأداة لإنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطي على طريق الاشتراكية في بلدان المحيط والاشتراكية في بلدان المركز.

°التوجه التروتسكي الذي يرى أن الصراع، في جميع بلدان المعمور، هو، الآن، بين البورجوازية والطبقة العاملة وأن المهمة المطروحة عالميا هي الثورة الاشتراكية.

وتتموقع أغلب التيارات الفوضوية أيضا ضمن اليسار الثوري.

-اليسار الإصلاحي هو يسار يوجد على يسار القوى الاجتماعية-الديمقراطية يناضل ضد الانعكاسات الخطيرة للرأسمالية على أوضاع الجماهير الشعبية وليس ضد الرأسمالية كنمط إنتاج ولا يرى من وسيلة للتغيير غير الانتخابات.

2-واقع اليسار حاليا:

يتميز اليسار حاليا، في الغالب، بضعف على عدة مستويات وبفقدان البوصلة:

-الضعف: يتجلى هذا الضعف في:

°الضعف الكمي والنوعي لتنظيماته المختلفة.

°ضعف ارتباطه بالطبقات و الفئات والشرائح التي من المفترض أنه يمثل مصالحها، وفي مقدمتها الطبقة العاملة والكادحين يشكل عام.

°ضعف ارتباطه، خاصة في دول المحيط وبالأخص في بلدان العالم العربي والإسلامي، بالنساء رغم كونه يدافع عن المساواة التامة بينهن والرجال.

°ضعف ارتباطه بالشباب

°التشرذم: إذا كان من العادي والطبيعي أن يتواجد في اليسار تياران أساسيان( تيار ثوري وآخر إصلاحي)، فلماذا ينقسم كلا التياران إلى عديد من المنظمات عوض البحث على ما يوحد( على الأقل بالنسبة لليسار الماركسي، العمل المشترك من أجل توسيع الإشعاع والانغراس وسط الطبقة العاملة) ولماذا لا يبحث التياران على قواسم مشتركة ويبنيان جبهة للنضال حول المشترك؟

-التيه الفكري الناتج عن أزمة البديل الاشتراكي وعن اختراق الفكر البرجوازي، بتلاوينه المختلفة، للمنظمات والمناضلات والمناضلين اليساريات(ين). الشيء الذي دفع العديد من اليساريين(ات) إلى الابتعاد عن الماركسية بل التحول إلى لبراليين أو اجتماعيين-ديمقراطيين. أما أغلب المناضلات والمناضلين المخلصين(ات) والمكافحين(ات)، فتوجهوا إلى الانغماس في الحركية واختزال الصراع الطبقي في النضال في النقابات وجمعيات المجتمع المدني والمنتديات الاجتماعية العالمية والقارية والإفراط في الرهان على الحركات المناهضة للعولمة مع أنها حركات مائعة. ويتميز اليسار، عموما، باحتقار النظرية وتراجع القناعة بإمكانية التغيير الثوري وبالاشتراكية.

 إن الجواب على هذه الأسئلة والإشكالات يجب أن يتجنب التبريرات الذاتية أو إلقاء المسؤولية على الآخرين( السلطة، الأعداء والخصوم) أو على عقليات محافظة قد تميز مجتمعاتنا، منذ الأزل وإلى الأبد، أو على هيمنة النزعة الاستهلاكية، خاصة في دول المركز، وذلك دون إنكار أو تبخيس الدور الذي تلعبه هذه العوامل وغيرها في إعاقة وفرملة تجاوز اليسار لأزمته الحالية. إن الجواب يجب أن يذهب إلى عمق الأشياء: الأيديولوجيا، الإستراتيجية، التكتيكات، الممارسات( العلاقات الداخلية ومع الجماهير ومنظماتها ومع القوى الأخرى، وخاصة الحلفاء المفترضين…)

  1. أسباب أزمة اليسار:

-الأسباب الموضوعية:

°الأسباب الاقتصادية:

خلافا لبعض التقديرات الماركسية الكارثية التي اعتبرت أن الرأسمالية غير قادرة على تجاوز أزماتها، أبانت هذه الأخيرة على قدرة لا يستهان بها على توفير مجالات جديدة للتراكم مكنتها من مواجهة قانون الانخفاض الميلي لنسبة الربح الذي يسم نمط الإنتاج الرأسمالي بواسطة:

+فتح المستعمرات السابقة التي كانت خاضعة للدول الاستعمارية أمام الرأسمالية وتصعيد نهب خيراتها وتوسيع استغلال طبقاتها العاملة في إطار تحولها إلى رأسماليات تبعية.

+إدماج جزء من العمل المنزلي( التغذية وغيرها من الأعمال المنزلية) والمهن الحرة( أطباء، محامون…) في دورة الرأسمال.

+تصعيد مستويات التسلح: الحرب الباردة ثم الحرب ضد الإرهاب.

+تسريع عولمة النظام الرأسمالي وترسيخ فكرة أنها ضرورة موضوعية لا مفر منها بل أنها مكسب للبشرية. بينما هي، في الحقيقة، سلاح وأداة لرفع القيود أمام حركة البضائع والخدمات والراسميل.

+إدماج الصين ثم روسيا ودول أوروبا الشرقية في النظام الرأسمالي.

+خوصصة الخدمات الاجتماعية وكل الأنشطة الاقتصادية العمومية.

+الاستفادة من الثورة العلمية والتقنية لتطوير وسائل الإنتاج والتواصل والإنتاجية وتوفير مجالات جديدة أمام التراكم الرأسمالي.

+التراجع على مكتسبات “دولة الرفاه” وتصعيد الاستغلال وتوجيه الإمكانيات المالية للدول، بالأساس، لخدمة مصالح الرأسمال، وخاصة الشركات المتعددة الاستيطان.

°الأسباب السياسية والفكرية:

+تطبيق، في دول المركز خلال أربعة عقود بعد الحرب العالمية الثانية، لسياسات اقتصادية-اجتماعية كينيزية في إطار ما سمي ب”دولة الرفاه” غذت الأوهام بإمكانية” أنسنة” الرأسمالية عملت القوى الاجتماعية-الديمقراطية على ترسيخها.

+هجوم كاسح للإمبريالية على الاشتراكية وعلى الفكر التحرري بشكل عام وتشكيك في الأسس الصلبة التي أنبنى عليها الفكر التقدمي، وفي مقدمته الفكر الماركسي، تجلى في:

أ.التشكيك في كون تطور المجتمعات يخضع لقوانين، أكيد أنها جد معقدة ولا تفعل فعلها بشكل خطي ومستقيم بل بشكل متعرج وخلال سيرورة تعرف فترات من المد والجزر ومن الثورات والثورات المضادة.

ب.التشكيك في دور الفاعل السياسي الممثل للمصالح الطبقية المتناقضة في تسريع أو عرقلة أو إجهاض، بشكل مؤقت، لفعل هذه القوانين الموضوعية. وفي هذا الإطار، يتم التشكيك في دور الطبقة العاملة في القضاء على نمط الإنتاج الرأسمالي وبناء الاشتراكية، إما من خلال التشكيك في وجودها بواسطة تضخيم التمايزات داخلها أو تبخيس دورها بالارتكاز على حجمها والتحولات التي تعرفها أو إنكار أي دور لها في التغيير.

ج.التشكيك في كون هذا التطور، بالرغم من التراجعات الظرفية والمنعرجات، يسير، في نهاية المطاف، نحو التقدم أي تعويض نمط إنتاج بنمط إنتاج آخر أكثر تطورا.

د.التشكيك في كون الصراع الطبقي الناتج عن التناقضات الطبقية هو محرك التاريخ، مهما كانت اللبوس التي يتغطى بها. الشيء الذي لا يمنع من أن تلعب عوامل أخرى سياسية و/أو أيدلوجية دورا حاسما في فترة معينة. وتعويض الصراع الطبقي والتناقضات الطبقية بصراع وتناقضات أخرى تخترق كل الطبقات وإعطائها( أي هذا الصراع وهذه التناقضات) الأهمية القصوى في التغيير المجتمعي: التناقضات الجنسية والإثنية والدينية والمذهبية والطائفية وقضية البيئة وغيرها. الشيء الذي لا يعني عدم إيلاء هذه التناقضات الأهمية التي تستحق، لكن من خلال إعمال المنهج الماركسي الذي ينظر إليها من خلال تطوير الصراع الطبقي والتصدي لمحاولات توظيفها لتقسيم الطبقة العاملة والشعوب ونضالها من أجل التحرر من الاستغلال والاضطهاد والاستبداد.

ه.وصول بعض “مثقفي” وإيديولوجيي الرأسمالية إلى حد نفي أية إمكانية لتجاوز الرأسمالية من خلال الكلام عن “نهاية التاريخ” وضرب أي فكر تقدمي بإعتباره “ايدولوجيا” أي فكر يطمس ويحرف الواقع. بل ذهب بعض هؤلاء “المثقفين” المرتزقة، وخاصة الفلاسفة الجدد، إلى حد تجريم أي مشروع للتغيير المجتمعي باعتباره، حسبهم، يؤدي إلى الكليانية ، أي، بالنسبة إليهم، أبشع أشكال الدكتاتورية.  Totalitarisme

و.نشر على نطاق واسع للفكر اللاعقلاني والخرافي بواسطة الأفلام والمسلسلات والبرامج  التلفزيونية والإذاعية والمجلات والكتب وبواسطة التنظيمات النكوصية الدينية او les .sectes  

ز.تشجيع الهروب من الواقع من خلال زرع الاحلام حول إمكانية الاغتناء السريع بواسطة مختلف أشكال القمار والعديد من البرامج التلفزيونية أو تعاطي المخدرات وإدمان الكحول والهاء الجماهير بواسطة الفرجة( كرة القدم، الأفلام…) والانترنيت والفايسبوك…

ح.نشر الفكر الفرداني والتركيز على النجاح الفردي مهما كانت الوسائل واعتباره إنجازا فرديا لا علاقة له بالظروف الموضوعية. وفي أحسن الأحوال، حصر العمل الجماعي في عمل إحساني أوترفيهي.

ط.محاولة ترسيخ أن لا فائدة من النضال ومن التنظيم من أجل التغيير وأن أقصى ما يمكن فعله هو العمل في المؤسسات الرسمية أو المنتخبة.

-الأسباب الذاتية:

°فشل تجارب بناء الاشتراكية: ليس المطروح هنا التباكي على هذا الفشل الذي أعتبره مؤقتا. بل استخراج الدروس من هذه التجارب العظيمة. وهنا أود أن أنبه إلى أن نقد هذه التجارب لا يجب أن يدفعنا، على غرار الدعاية الرجعية أو بعض القوى التقدمية، بما فيها بعض القوى الماركسية، إلى تبخيس أو، وهذا هو الأخطر، إنكار الدور التقدمي لهذه التجارب فأحرى تجريمها كما تسعى إلى ذلك الدعاية الإمبريالية وبعض القوى “الماركسية” التي تلقي المسؤولية الكاملة فيما آلت إليه الثورة البلشفية عل ستالين. على العكس من ذلك، يجب أن نعتز بما حققته  هذه التجارب لشعوبها وشعوب العالم وما مثلته من ملاحم بطولية ومن تضحيات جسام وفي نفس الآن، القيام بتقييم موضوعي للانحرافات والأخطاء التي شابتها. فهذه التجارب، بما لها وما عليها، هي إرث لكل الشيوعيين في العالم.

وبالنسبة للثورة البلشفية في روسيا، فلعل بعض أسباب إجهاضها هي:

-موضوعية: وتتعلق، خاصة بالحروب والحصار اللذان فرضتهما الرجعية الروسية والإمبرياليات الأوروبية ضد الثورة المنتصرة والتي تطلبت مواجهتهما بناء دولة قوية ومركزية واقتصاد يركز على التصنيع الثقيل الموجه للصناعة الحربية على حساب الفلاحة والتصنيع الخفيف الموجه لتحسين الأوضاع المعاشية للشعب. هذا التوجه الذي تعمق أمام صعود النازية والفاشية. كما تطلبت هذه الظروف الاستثنائية انضباطا حديديا داخل الحزب مما أدى إلى تغليب المركزية على حساب الديمقراطية.

-ذاتية لعل أهمها منع التعددية الحزبية والتغيرات التي طرأت على الحزب حيث أدت هذه الحروب والتصفيات داخله إلى القضاء على أغلب الكوادر البلشفية وامتلائه بعناصر لم تعش تجربة الحزب قبل تسلمه السلطة وارتبطت به كحزب الدولة وافتقدت، في الغالب، التكوين الأيدلوجي والثقافة والقيم الشيوعية وغياب أو تغييب تنظيمات شعبية، مستقلة عن الحزب والدولة وقادرة على مراقبتهما ومحاسبتهما مما أدى إلى تبقرطهما وعزلتهما. كل ذلك وغيره سيؤدي إلى انحرافات داخل الحزب والدولة وبروز بيروقراطية (النومنكلاتورا) من داخلهما تحكمت عمليا في وسائل الإنتاج المملوكة للدولة وحولتها من بعد إلى ملكية خاصة.

°أخطاء اليسار:

+في دول المحيط: لعل أخطر خطأ ارتكبته أغلب القوى اليسارية -ما عدا استثناءات قليلة كالحزب الشيوعي الصيني والحزب الشيوعي الفيتنامي- هو عدم ربطها بين النضال التحرري ضد الاستعمار والنضال ضد الإقطاع ومن أجل الثورة الزراعية وترك قيادة النضال ضد الاستعمار للبرجوازية الوطنية أو الصغرى. ولا زالت تأثيرات هذا الخطأ مستمرة لحد الآن. بل ساعدت، في العالم العربي والإسلامي، على تقوية الحركات الأصولية وتبوئها مركزا معتبرا. مما فاقم أزمة حركة التحرر الوطني في هذه البلدان.

أما في بلدان العالم العربي، فإن تبوء البرجوازية قيادة حركات التحرر الوطني، بسبب الأخطاء الإستراتيجية للأحزاب الشيوعية الناتجة عن تبعيتها للإتحاد السوفياتي، أدت إلى فشلها في تحقيق الأهداف التي ناضلت من أجلها الشعوب و هي التحرر من هيمنة الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية المحلية( الإقطاع و الكمبرادور) و بناء الديمقراطية و توحيد شعوب المنطقة.

وبدوره لم يستطع، لحد الآن، اليسار الثوري الماركسي-اللينيني في العالم العربي الذي تشكل على أساس نقد التحريفية والإصلاحية واسترجاع الجوهر الثوري  للفكر الماركسي ونقد قيادة البرجوازية لحركات التحرر الوطني في المنطقة، لم يستطع أن يشكل بديلا للقيادة البرجوازية الفاشلة للأسباب التالية:

-ضعف المجهود من أجل تطوير الماركسية و تأصيلها في البيئة المحلية مما جعل بعض مكونات هذا اليسار، إما ترتد أمام ضخامة المهام و تعقدها أو تنغلق في الدغمائية و تقديس النصوص..

-دخوله في صدام مباشر مع الأنظمة القائمة التي كانت نوعان:

+نوع مناهض للإمبريالية جاء نتيجة انقلابات عسكرية( مصر، العراق، سوريا، ليبيا) كان يتمتع بشعبية كبيرة نسبيا واجه اليسار بالقمع، مما جعل جل تنظيمات اليسار تحل نفسها وتلتحق بالحزب الوحيد.

+نوع رجعي تبعي للإمبريالية كان، آنذاك،  لا زال يتوفر على إمكانيات مهمة لكسب الطبقات الوسطى لصفه بواسطة استرجاع الثروات التي كانت في أيدي الاستعمار وبناء مختلف أجهزة الدولة( الجيش، الأمن، القضاء، التعليم…). لقد سهل هذا الواقع الطبقي ودخول اليسار الجديد في صدام مباشر ضد الأنظمة القائمة بينما كان لا يزال ضعيفا ومعزولا نسبيا عن الجماهير الكادحة قمعه وإضعافه إلى حد لا يستهان به.

ويشكل صعود القوى الأصولية الإسلامية الناتج، بالأساس، عن الأزمة العميقة التي تعيشها حركات التحرر الوطني واستسلامها للسيطرة الإمبريالية، عرقلة خطيرة أمام البديل الاشتراكي في بلدان العالم العربي الإسلامي. غير أن الأصولية، عوض أن تشكل بديلا حقيقيا للقيادات البرجوازية لحركات التحرر في العالم العربي والمغاربي، هي تعبير عن تعمق مأزق نضال شعوب المنطقة  من أجل التحرر الوطني و البناء الديمقراطي و الوحدة. فمن خلال طرح الأغلبية الساحقة من قوى الإسلام السياسي أن الإسلام هو الحل، يتحول الصراع في المنطقة من صراع ضد الإمبريالية و الصهيونية و الرجعية المحلية و من أجل التحرر الوطني و الديمقراطية و الوحدة إلى صراع بين “الشرق المسلم” و “الغرب المسيحي و الملحد” وصراع من أجل أسلمة المجتمعات و الدول عوض أن يكون صراعا من أجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، صراع بين المستغلين و المستغلين. لذلك، في اعتقادي، لا مستقبل ل”المشروع الأصولي”، رغم تحقيقه لبعض الانتصارات و توفره حاليا على بريق و امتدادات وسط الجماهير الشعبية، اللهم إلا إذا قامت بعض مكوناته بنقد جذري لمنطلقاته و أهدافه في اتجاه التخندق بجانب المستغلين و ضد أعدائهم في الداخل( الرجعية) و الخارج( الإمبريالية و الصهيونية) و إذا استطاعت التوجهات التنويرية داخل الإسلام السياسي بلورة قراءة تقدمية للإسلام بالارتكاز إلى الجوانب المشرقة في التراث الإسلامي و استلهام تجارب الإصلاح الديني في أوروبا و لاهوت التحرير في أمريكا اللاتينية.

+في دول المركز: غياب النقاش الاستراتيجي أي النقاش حول التغيير الثوري، إما بسبب  انغماس القوى التحريفية والاجتماعية-الديمقراطية في التدبير اليومي أو، في أحسن الأحوال، النضال الدفاعي( أي الدفاع على مكتسبات “دولة الرفاه”) وهامشية وحلقية القوى التروتسكية. وبسبب هيمنة التحريفية على الأحزاب الشيوعية الأوروبية، ابتعد أغلب المثقفين الماركسيين عن هذه الأحزاب وعن الحركة العمالية. وبالتالي، تطورت الماركسية في الجامعات في مجالات بعيدة عن قضايا إستراتيجية التغيير الثوري.

أما الحركات التي طرحت، في نهاية الستينات( حركة مايو 1968 في فرنسا، الحركات التي حملت السلاح: الألوية الحمراء وغيرها) مسألة السلطة، فإنها، في اعتقادي، ظلت معزولة عن أوسع الجماهير الشعبية التي كانت أغلبيتها الساحقة تستفيد من مكتسبات “دولة الرفاه” ولكون بعضها لجأ إلى الإرهاب مما سهل مهمة اجتثاتها.

غير أن الأزمة الحالية  العميقة والطويلة الأمد للنظام الرأسمالي وإمعان دول المركز في تطبيق السياسات النيولبرالية التي دقت آخر مسمار في ما سمي ب “دولة الرفاه”، فرضت بقوة راهنية الماركسية وضرورة النقاش حول سبل وإستراتيجية التغيير نحو الاشتراكية في هذه البلدان. كما أن فقدان المؤسسات “الديمقراطية” والأحزاب التقليدية( اليمين اللبرالي و”اليسار” الاجتماعي-الديمقراطي) للمصداقية، إلى حد كبير، يطرح بإلحاح مسألة البديل السياسي والاجتماعي-الاقتصادي.

°أزمة البديل الاشتراكي:

لقد علمتنا التجربة التاريخية لمحاولات بناء الاشتراكية أنه لا يوجد نموذج للمجتمع الاشتراكي المنشود. أي أن الاشتراكية ستنبني خلال سيرورة طويلة من الثورات و الثورات المضادة ومن التجارب الاجتماعية المناهضة للرأسمالية. فحتى الانتقال من الفيودالية إلى الرأسمالية-وهما نمطان للإنتاج يرتكزان على الاستغلال- تطلب سيرورة طويلة من الثورات والثورات المضادة. فما بالك بنظام اجتماعي يستهدف القضاء على الاستغلال.

إن بلورة البديل الاشتراكي والشيوعي سيكون نتيجة لنضالات الشعوب وطبقاتها العاملة والكادحة من أجل القضاء على النظام الرأسمالي وإحلال نظام أكثر عدلا منه، وذلك في إطار سيرورة لا متناهية من الهدم والبناء ومن النجاحات والإخفاقات.

4.عوامل نهوض اليسار:

-العوامل الموضوعية:

°حصيلة كونية كارثية للنظام الرأسمالي: أزمة اقتصادية عميقة وطويلة الأمد وانعكاسات اجتماعية وبيئية مدمرة وحروب لا تتوقف ولا تحصى ووعي متنام وسط الشعوب بمسئولية الرأسمالية عن هذه الكوارث.

°يعيش النظام الرأسمالي مرحلة ركود طويلة قد تدوم، حسب العديد من الاقتصاديين، لعقود مخلفة دمارا هائلا: بطالة عارمة، هشاشة اجتماعية معممة، تدمير غير مسبوق للبيئة…والحلول التي لجأت إليها الدول للتخفيف من هول الأزمة تخلق شروط انفجارها من جديد بشكل أقوى لأنها ظلت حلولا سطحية وترقيعية وحبيسة الدوغما النيولبرالية التي تخدم مصالح الإحتكارات المعولمة والمعممة والتي أصبح طابعها المالي طاغيا والمسئولة عن الأزمة. إن هذا يخلق شروطا موضوعية ملائمة لنمو الوعي بضرورة تجاوز هذا النظام الوحشي الذي يزرع الموت والدمار.

°فرز متسارع وسط القوى الاشتراكية بسبب انفضاح القوى الاجتماعية-الديمقراطية كخدام أوفياء للرأسمالية وأعداء للطبقة العاملة والطبقات الشعبية.

°أزمة الديمقراطية التمثيلية والبحث عن بدائل.

-العوامل الذاتية:

°إرث نظري ونضالي هائل يجب مراجعته بشكل نقدي:

إن الإرث النظري لليسار غني وغني جدا، منذ “عصر الانوار”، مرورا بالثورات التي عرفتها أوروبا في القرن الثامن عشر، وخاصة الثورة الفرنسية، والقرن التاسع عشر مع بروز الماركسية وغيرها من الحركات المناهضة للرأسمالية، التطورات التي عرفتها وصولا إلى الاجتهادات العظيمة للينين وماو وغرامشي وغيرهم من القادة الثوريين الماركسيين.

أما الإرث النضالي، فهو هائل جدا:

إن أهم المكتسبات الديمقراطية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية التي عرفتها البشرية، خلال ما يقرب قرنين، كانت بفضل نضال و تضحيات اليسار الذي ساهم بقوة في بناء ونضال الحركة العمالية والنضال من أجل تحرر النساء ، وناهض الحروب الاستعمارية و غيرها من الحروب ضد الشعوب و كان في مقدمة النضال ضد الفاشية و النازية و من أجل تقرير مصير الشعوب. وقاد اليسار انتفاضات وثورات كلل بعضها بالنجاح كالثورة البلشفية العظيمة والثورة الصينية وحرب التحرير الشعبية في فيتنام وكوريا وكوبا.

واليوم، لا يمكن القفز عن الدور التقدمي الذي يلعبه اليسار في العديد من دول أمريكا اللاتينية و المكتسبات الاجتماعية و الديمقراطية التي حققها لشعوب هذه البلدان، بالرغم عن كل التعتيم و الكذب الذي يمارسه الإعلام الامبريالي ضد اليسار في هذه المنطقة و التحديات التي تواجه هذه التجارب و الأخطار التي تتهددها والنواقص التي تعتريها.

° كما تخوض الشعوب بقيادة اليسار تجارب اقتصادية واجتماعية وسياسية مناهضة للرأسمالية: الاقتصاد التضامني، الديمقراطية المباشرة، مناهضة العولمة الرأسمالية، تجربة التشياباس، النضال ضد تدمير البيئة الذي يؤدي إليه البحث الجنوني على الربح السريع…هذه التجارب تثري الرصيد اليساري وتشكل إسهامات مهمة في بلورة البديل الاشتراكي المنشود.

ومن الهام أيضا الاستفادة من انجازات الفكر التقدمي فيما يخص حقوق الإنسان وحقوق النساء والدفاع عن السلم العالمي ومناهضة الحروب وبلورة أشكال من التنظيم أكثر ديمقراطية وأساليب لتطوير التضامن بين الشعوب…

°وتقدم المآزق التي وصلت إليها التجارب الحالية لليسار الراديكالي في بعض دول أمريكا اللاتينية و اليسار المنحدر من الحركات الاجتماعية والمناهض للتقشف في اليونان وإسبانيا دروسا قيمة حول استحالة التغيير الصالح الكادحين بالارتكاز على الانتخابات فقط وفي غياب تغيير جذري لعلاقات الإنتاج.

°الوعي المتزايد بأهمية بناء وتوثيق العلاقات بين القوى الثورية الماركسية في أفق بناء أممية تشكل إطارا لتوحيدها ولتبادل التجارب وتطوير التضامن فيما بينها والاجتهاد النظري الجماعي.

°الاهتمام المتزايد بقضايا الإستراتيجية والتكتيك، خاصة بعد انفجار الأزمة الحالية للنظام الرأسمالي وانعكاساتها الطبقية والبيئية المدمرة.

هكذا طرح “الربيع العربي” بقوة وإلحاح قضية الصراع من أجل السلطة وسبل حسمها والتكتيكات الضرورية لعزل العدو الأكثر شراسة في كل فترة من فترات السيرورات الثورية في المنطقة( الشعارات الملائمة والأساليب النضالية المناسبة والتحالفات اللازمة والأشكال التنظيمية الضررية). وبدأ الوعي يتطور أن التحالفات الظرفية التكتيكية ذات طبيعة سياسية وليست إيديولوجية.

5.مهام اليسار:

سنركز، في هذا الجزء على المهام الأساسية لليسار الماركسي.

تقديم:

إن تحديد مهام اليسار المركسي لا بد أن يرتكز إلى دراسة تحولات الرأسمالية وانعكاسها على الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

لا يمكن الإلمام، ولو النسبي، بواقع الطبقة العاملة وعموم الكادحين والتغيرات التي يشهدها بدون تحليل دقيق للتغيرات الطبقية التي تحدثها الرأسمالية في دول المركز والمحيط لمواجهة الركود الذي يتهددها، باستمرار، والناتج عن ميل نسبة الربح نحو الانخفاض baisse tendancielle du taux de profit، وكدا الواقع الموضوعي المتمثل في تسارع وتيرة الثورة العلمية والتكنولوجية.

لا نزعم هنا أننا سنقدم هذا التحليل الدقيق والشامل بقدر ما سنطرح الميولات والتوجهات  العامة التي من شأنها إن تساعد على فهم ما يجري.

لا بد، أولا وقبل أي شيء، التأكيد على أن من أهم نتائج العولمة ما يلي:

إن حجم الطبقة العاملة في دول المحيط الرأسمالي يزداد باستمرار. هذه الطبقة العاملة التي تعيش الاستغلال المكثف على غرار ما عرفته دول المركز في القرن التاسع عشر وقبله.

إن حجم الطبقة العاملة في دول المركز، وإذا ما أخدنا بعين الاعتبار التغيرات التي عرفتها بسبب تسارع وتيرة الثورة العلمية والتكنولوجية والتي سنوضحها أدناه، لا زال معتبرا.

الشيء الذي يفند الأطروحات حول تراجع حجم الطبقة العاملة ودورها المركزي في الإنتاج وفي التغيير.

ارتكزت الرأسمالية ،منذ ثمانينات القرن الماضي بالأساس، إلى تطبيق السياسات النيولبرالية وتسريع عولمة الإنتاج.

إن أهم هدف للسياسات النيولبرالية هو سعي الرأسمالية إلى تجاوز أزماتها، أساسا بواسطة الرفع من فائض القيمة من خلال إضعاف الطبقة العاملة لفرض استغلال مضاعف عليها باستعمال الوسائل التالية(1):

-شيطنة وضرب العمل النقابي المناضل وتدجين المركزيات النقابية والتقسيم النقابي.

-نشر هشاشة الشغل بواسطة تفكيك قوانين الشغل

-تقسيم الطبقة العاملة، في البلد الواحد، بواسطة تنويع عقد الشغل( عقد الشغل لمدة محددة ولمدة غير محددة، عقد من أجل إنجاز مهمة Contrat de mission العمال المؤقتين، العمال الموسميين، عمال المناولة intérim، عمال المقاولة من الباطن sous-traitance …) وبين العمال المهاجرين والعمال الذين يتوفرون على الجنسية في دول المركز الرأسمالي.

-ويؤدي تسريع عولمة عملية الإنتاج إلى الرفع من فائض القيمة من خلال الاستغلال المكثف لعمال وعاملات المحيط وتقسيم الطبقة العاملة عالميا بين عمال المركز والمحيط.

لكن ما سبق يتطلب التوضيحات التالية:

أن الشركات الكبرى، بالخصوص في الصناعة والمناجم والنقل والطاقة تتوفر على وسائل إنتاج( آلات  وتجهيزات وبراءات brevets  وطرق الإنتاج savoir-faire ) تشكل نواتها الصلبة le cœur de métier والتي تحافظ عليها وعلى العمال والتقنيين الذين يتوفرون على الخبرات والمهارات لاستخدام وسائل الإنتاج هته ويشكلون طبقة عاملة قارة.

و تلجأ هذه الشركات الكبرى إلى المقاولة من الباطنsous-traitance أي تكليف شركات أخرى بالقيام بعمليات إنتاج. لكن هذه العمليات لا تمس نواتها الصلبة. لكنها تبقى مع ذلك ضرورية لتوفير المنتوج النهائي. وعادة ما تتوفر هذه الشركات الكبرى على عدد كبير من شركات المقاولة من الباطن لتستفيد من التنافس فيما بينها ولضمان تزودها بالمنتوج في حالة عجز إحدى الشركات على الوفاء بالتزاماتها. وهذا يعني أن شركات المقاولة من الباطن تخضع إلى حد كبير للشركات الكبرى وتلجأ، في الغالب، إلى الاستغلال المكثف لضمان بقائها.

أما المناولة intérim فتعني أن شركة تضع عمالا وعاملات، لفترة محددة، رهن إشارة شركات أخرى للقيام، في الغالب، بأعمال لا علاقة مباشرة لها بعملية الإنتاج، أي، بالأساس، الحراسة أو النظافة أو تنظيم عملية تلقي وتوزيع المراسلات داخل الشركة أو إرسالها bureau d’ordre.  فعمال وعاملات المناولة يشتغلون في شركات ليست هي التي ينتمون إليها وهم(ن) موزعون(ات) على شركات مختلفة يعملون فيها لمدد محددة.

لقد أصبحت عملية الإنتاج معولمة أكثر فأكثر. ولذلك أصبح إنتاج فائض القيمة معولم تساهم في إنتاجه حلقات الإنتاج الموزعة على مواقع وبلدان مختلفة. فالسيارة “الفرنسية”، مثلا، يساهم في إنتاجها تقنيون وعمال في عدد من الدول. وهنا يكمن الطابع الأممي للطبقة العاملة والأساس المادي لوحدتها ولضرورة بناء أممية ماركسية تجسد هذه الوحدة.

إن من انعكاسات العولمة النمو الكبير لقطاع النقل واللوجستيك الذي أصبح يشغل أعداد كبيرة من العمال والعاملات.

أن العولمة لها حدود موضوعية: فمثلا الإنتاج الزراعي والإنتاج المنجمي مرتبط بالأرض وإنتاج الكهرباء والطاقات المتجددة والنقل أنشطة ذات طابع محلي بالأساس. والطبقة العاملة في أهم وحدات الإنتاج في هذه القطاعات( الفوسفاط وباقي المناجم الكبرى، السكك الحديدية و كبرى شركات النقل الطرقي والجوي والبحري، وخاصة عمال الموانئ، المكتب الوطني للكهرباء والماء، أكبر الضيعات…)  لها مهارات وخبرات يصعب تعويضها بسرعة ولأغلبها تاريخ نضالي وتقاليد عمالية رغم الإفساد الذي لحقها بسبب هيمنة البيروقراطية النقابية.

لقد أدى تطبيق السياسات النيولبرلية إلى تزايد البطالة بشكل كبير وتحولها إلى ظاهرة بنيوية وإلى نمو سرطاني لأنشطة اقتصادية إما ذات طابع إجرامي أو مرتبطة بمهن الفقر في إطار ما يسمى بالقطاع غير المهيكل. هذا القطاع، الخاضع بشكل تام للرأسمالية، أصبح مكونا بنيويا أساسيا لها يشكل نوعا مما سماه ماركس التراكم البدائي للرأسمال من خلال الاستغلال الغير مباشر والمكثف للعاملين في هذا القطاع. وإذا كان هؤلاء العاملون يمثلون قوة كامنة مناهضة للرأسمالية وحليفا موضوعيا، فإن تشتتهم وهشاشة أوضاعهم تعقد مهمة تنظيمهم وتوحيدهم.

الملاحظ أيضا أن النظام الرأسمالي الحالي لم يعد قادرا على استيعاب أعداد كبيرة ومتزايدة من الناس، رغم توفرهم على معارف ومهارات لا يستهان بها. وهؤلاء ليسوا بروليتاريا رثة، بل إنهم يشكلون، موضوعيا، قوة مناهضة للرأسمالية المسئولة عن المآسي التي يعيشونها.

تشهد أغلب دول المحيط الرأسمالي تفقيرا متسارعا للفلاحين ونزوحا كبيرا من البوادي نحو الحواضر وصراعا قويا للفلاحين الفقراء والصغار من أجل الأرض والماء وغيرهما من ضرورات الحياة. لذلك فهؤلاء الفلاحين الكادحين، الذين يزاوجون بين عملهم في استغلاليات جد صغيرة لا يكفي إنتاجها لعيشهم وعملهم كعمال زراعيين موسميين، ينشدون التغيير ويشكلون قوة ثورية.

لقد أدت العولمة الرأسمالية وتسارع وتيرة الثورة العلمية والتقنية في دول المركز الرأسمالي إلى انتقال الصناعات التقليدية الملوثة وجزء من عمليات الإنتاج التي لا تمس النواة الصلبة للإنتاج، انتقالها نحو دول المحيط، وعلى رأسها الصين، مما أدى إلى تراجع الطبقة العاملة الصناعية في دول المركز وتزايد أعداد الطبقة العاملة في الخدمات وتزايد كبير لأعداد العاملين في المهن المرتبطة بالثورة العلمية والتقنية: التعليم والتكوين والبحث العلمي والتقني( جامعات ومراكز للبحوث والدراسات والمختبرات ومكاتب الدراسات…) والإعلاميات وكذا المكلفين في الشركات المتعددة الاستيطان بتنظيم وضبط العملية الإنتاجية التي أصبحت معولمة في إطار المقاولة من الباطن. إن أغلبية هؤلاء العاملين يساهمون في إنتاج فائض القيمة، بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال تطوير الإنتاجية وتسهيل عملية الإنتاج. ولذلك فهم يشكلون موضوعيا طبقة عاملة جديدة ويعانون كأجراء، أكثر فأكثر، من السياسات النيولبرالية( هشاشة الشغل، تراجع الخدمات الاجتماعية العمومية من تعليم وصحة وسكن…). لذلك فهم، موضوعيا، ينشدون التغيير.

-المهام الفكرية:

°العمل على بلورة بديل اشتراكي، ليس كنموذج صالح لكل مكان وزمان، بل من خلال توضيح الأسس والمبادئ التي يرتكز إليها هذا البديل والذي قد يتخذ أشكالا ومضامين مختلفة من مكان لآخر ومن زمان لآخر حسب الظروف والخصوصيات. هذا البديل الذي يجب أن يستوعب دروس تجارب بناء الاشتراكية والتجارب التقدمية للشعوب وللحركات، بما في ذلك التيارات الفوضوية الثورية، التي حاولت إن تحدث القطيعة مع الرأسمالية ،  ولو في فضاء جغرافي محدود أو في مجال معين، البيئة، القضية النسائية، مناهضة الحروب…هذه الحركات مهمة لأنها تواجه أشكالا أخرى من السيطرة الطبقية في المجتمع: سيطرة ثقافية أو إيديولوجية أو سياسية أو جنسية، إضافة إلى السيطرة الاقتصادية طبعا والتي يعد العمل النقابي إحدى واجهاتها المركزية.وأن يأخذ بعين الاعتبار الانعكاسات الطبقية للتحولات التي تعرفها الرأسمالية، وخاصة تدقيق مفهوم الطبقة العاملة اليوم بعدما اجتاح نمط الإنتاج الرأسمالي كل مناطق العالم وجل مناحي حياة البشر ولم يعد يرتكز، بالأساس، إلى الصناعة، بل في ظل تحويله للعلم والمعرفة إلى سلعة.

ولا يمكن أن يتجاهل البديل الاشتراكي معضلة الدولة والتي تركز عليها التيارات الفوضوية والتي أكدها ماركس كأحد أهم دروس كومونة باريس(2) وطرحها لينين حين قال: “كل السلطة للسوفييتات”.

بالنسبة لماركس، الشيوعية هي الحركة التي تقضي، في نفس الآن، على الرأسمالية والدولة.

فما هي مهام الاشتراكية، باعتبارها مرحلة انتقالية من الرأسمالية نحو الشيوعية، فيما يخص الدولة؟ هل يجب أن تضطلع الدولة الاشتراكية، في سيرورة واحدة، بمهام التفكيك التدريجي لعلاقات الإنتاج الرأسمالية ولأجهزة الدولة لفائدة كمونات العمال وباقي الطبقات الكادحة والشعبية بشكل عام. أي بعبارة أخرى أن الدولة الاشتراكية يجب أن تضمن اضمحلالها وتحولها التدريجي إلى سلطة الكمونات أو السوفييتات؟ أم أن الاشتراكية تفترض، كما تطرح التيارات الفوضوية، تبنى من أسفل إلى فوق، أي من خلال بناء الكومونات المستقلة ذاتيا وتوحدها الطوعي والديمقراطي في إطار أوسع؟ والإشكال المطروح في هذه الحالة هو هل ستتوفر هذه الكومونات على القدرة على الاستمرار والتوحد في ظل محيط رأسمالي عدواني؟

°مواجهة الهجوم الفكري الرجعي الذي يسعى إلى تقويض أسس ومرتكزات الفكر التقدمي النقدي في محاولة لتأبيد الواقع الحالي وتجريد الشعوب من آمالها في التحرر والعيش الكريم والقوى اليسارية من سلاحها الأمضى، وخاصة الماركسية باعتبارها النظرية الأكثر قدرة على تحليل الرأسمالية وتوفير شروط تجاوزها، بل تجريد اليسار من مبرر وجوده كقوى تؤمن بقيم التقدم والحرية وتتموقع مع الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

°مواجهة هجوم الفكر اللاعقلاني والنكوصي والخرافي ورد الاعتبار للعقلانية والعلمانية والفكر النقدي.

°مواجهة محاولات الهاء الكادحين عن واقعهم من خلال زرع الأوهام أو الإكثار حتى التخمة من الفرجة على حساب توفير إمكانيات التثقيف والتنوير.

°وخلاصة القول، يجب، على غرار ما قام به المؤسسون للماركسية الذين اهتموا بثلاثة أبعاد، إعطاء بالغ الأهمية للاقتصاد السياسي والفكر الاشتراكي والفلسفة. وأكيد أن ما ساعد لينين على انجاز التطوير وتقديم الفكر الماركسي هو اهتمامه بهذه الأبعاد  والقيام بما يلزم لأنه كان يتمتع بقدرات هائلة لانجاز مثل هذا العمل.

لذلك يجب اليوم، وبإلحاح، دراسة هذه القضايا الثلاثة:

أ.الاقتصاد السياسي كما هو اليوم، وبالأخص مراحل تطور الامبريالية وتسارع عولمة الرأسمالية وما تعنيه من قوانين الاستغلال للطبقة العاملة وللشعوب المضطهدة وبالتبعية وما هو المضمون الجديد للطبقات المستغلة- الطبقة العاملة وغيرها – والطبقات المستغلة سواء في المراكز الامبريالية او في المحيط.

ب.الفكر الاشتراكي والذي أصبح اليوم يتوفر على تجارب تطبيقية فشلت أو تقهقرت. إن دراسة التجربة وبفكر نقدي سيمكن من إنتاج تصور أكثر علمية للمجتمع الاشتراكي المقبل وسيوضح الاستراتيجيات والتكتيكات المناسبة سواء في المراكز الامبريالية او في دول المحيط. ولعل التقدم في دراسة هذه التجارب والتعمق في أسباب الفشل سيكون من الروافد لوحدة الماركسيين.

في هذا الإطار، نعتقد أن على الماركسيين ربط علاقات نضالية مع الماركسيين في دول المنظومة السوفيتية السابقة لأن هؤلاء عايشوا التجربة ولا بد أن تكون عندهم إفادات ملموسة في الموضوع طبعا مثل هذا الأمر يجب ان يتم مع الصينيين والفيتناميين.

ج.التطورات الفلسفية في القرن العشرين وبداية القرن 21 بالارتباط بالتطور العلمي وفلسفة العلوم. وطبعا لذلك علاقة كبيرة بالنظرة المادية الجدلية للكون وفي مواجهة اللا أدرية أو القدرية أي الفلسفات المثالية والتي انتعشت طيلة هذه المرحلة. ويحضرني هنا المجهود النظري الذي قام به لينين من اجل إعطاء تعريف جديد للمادة استنبطه من ما وصلته العلوم وقتها.

-المهام السياسية والتنظيمية لليسار:

°بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين الذي يرتكز إلى فكر الطبقة العاملة ويجسد هيمنتها السياسية والتنظيمية ويضم في صفوفه المثقفين الثوريين والطلائع المناضلة للعمال والكادحين. ومن الواضح، في هذا الإطار، أن الكادحين يشكلون فئات وشرائح مختلفة في دول المحيط( الفلاحون الصغار والفقراء والمعدمون والمعطلون وكادحو القطاع غير المهيكل) عن دول المركز( كادحو القطاع الغير مهيكل والفئات والشرائح التي تعاني من الهشاشة:معطلون، جزء من المهاجرين…).

°الانغراس وسط الطبقات الكادحة، أساسا، ونشر الفكر التقدمي وسطها و مساعدتها على بناء تنظيماتها الذاتية المستقلة، وعلى رأسها تنظيماتها النقابية.

لا بد من التأكيد هنا على الأهمية القصوى للتنظيمات الذاتية التي تبدعها الجماهير الشعبية والتي تشكل أهم أدواتها للدفاع عن مصالحها وتتعلم بواسطتها أهمية التنظيم والوحدة والنضال، في ظل ضعف وتراجع  اليسار وخيانة جزء منه بينما المفترض فيه أن يكون في طليعة هذه التنظيمات.

°بناء جبهة الطبقات الشعبية لإنجاز مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي على طريق الاشتراكية في دول المحيط  وإنجاز مهام الثورة الاشتراكية في دول المركز.

وفي هذا الإطار، لا يمكن أن يتجاهل اليسار في العالم الإسلامي، القوى الأصولية و لا يصح أن يتعامل معها كوحدة متراصة لا تخترقها التناقضات الطبقية. بل يجب أن يدرس، بكل عناية، التمايزات وسطها وأن يسعى إلى دفع  إلى توضيح مواقفها من الديمقراطية ومن الإمبريالية ومن المساواة بين المرأة والرجل وأن يصارع بكل قوة التوجهات المتراجعة، وخاصة التكفيرية والوهابية.

°انطلاقا مما أوضحناه في التقديم للجزء المخصص للمهام، يجب وضع على رأس أولويات العمل النقابي والسياسي القطاعات التي يتواجد فيها العمال بكثرة في نفس وحدة الإنتاج  والتي لها تأثير مباشر وأساسي على سير النشاط الاقتصادي ككل( الطاقة والنقل) أو لها ثقل جد هام في الاقتصاد وفي توفير العملة الصعبة( الفلاحة والمناجم).

كما يجب أن يحضر، في العمل النقابي في القطاعات المعولمة( صناعة السيارات مثلا)، البعد العالمي لعملية الإنتاج: فنضال العمال في المركز الرأسمالي حيث تتواجد النواة الصلبة للإنتاج le cœur de métier سيدعمه نضال المقاولة من الباطن  sous-traitants التي تتواجد في المحيط والمركز والعكس بالعكس، لأن المنتوج هو نتاج عمل النواة الصلبة والمقاولة من الباطن.

إن العمل النقابي في القطاعات العمالية الهشة( شركات المناولة والمقاولة من الباطن) صعب جدا ويتعرض، في حالة بنائه،  إلى الإجهاض بسهولة. لذلك يجب، ربما إبداع، إضافة له، أشكال أخرى من التنظيم قد يوفرها العمل في الأحياء الشعبية.

إن الإشكال والتحدي المطروح بالنسبة للعاملين في القطاع الغير مهيكل والمعطلين والفلاحين الكادحين يتمثل في تشتتهم وهشاشة أوضاعهم. لذلك لا مفر من السعي إلى مساعدتهم عل بناء تنظيماتهم الذاتية المتنوعة، وعلى رأسها التنظيمات النقابية المناضلة، ونشر الوعي الاشتراكي وسطهم.

ضرورة فهم أوضاع الطبقة العاملة الجديدة التي حددناها أعلاه والمتواجدة، أساسا، في دول المركز وما هي متطلباتها وما هي الأشكال التنظيمية والأساليب النضالية لكسبها لصف التغيير الثوري. وذلك للتعويض على الضعف الذي أصاب الحركات اليسارية والنقابية في المركز التي كانت تستمد قوتها الأساسية من تجدرها وسط الطبقة العاملة الصناعية التقليدية.

°إعطاء الأهمية اللازمة لدراسة القضايا الإستراتيجية( أدوات ومراحل ومضمون التغيير المنشود وأساليب حسم الصراع على السلطة) والتكتيكية( الشعارات الظرفية والتحالفات المؤقتة والدعاية والتحريض والأشكال التنظيمية الملائمة…).

°المساهمة في بناء أممية ماركسية.

°المساهمة الفعالة في بناء جبهة عالمية مناهضة للإمبريالية.

-المهام النضالية:

يجب أن يتواجد اليسار الماركسي، في طليعة النضالات الشعبية، وخاصة نضالات الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

ويمكن أن يتوحد اليسار، بكل مشاربه، على أساس برنامج نضالي يستهدف:

°مواجهة الهجوم النيولبرالي على المكتسبات الاجتماعية وعلى الحريات والحقوق الشغلية وعلى الحريات والعمل النقابي.

°النضال ضد اتفاقيات التبادل الحر ومن أجل إلغاء الديون التي تثقل كاهل الشعوب. 

°النضال من أجل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: الحق للجميع في عمل قار وتعليم مجاني وجيد وسكن لائق وخدمات طبية عمومية جيدة وفي ازدهار كل مكونات ثقافات ولغات الشعوب.

°النضال من أجل ثورة زراعية تمكن الفلاحين الفقراء والصغار والمعدمين من الأرض والماء وكل مستلزمات تطوير الإنتاج والرفع من الإنتاجية ورفع التهميش عن البادية.

°النضال من أجل التحرر من هيمنة الإمبريالية وعملائها المحليين.

°التضامن مع نضالات الشعوب، وعلى رأسها الشعب الفلسطيني.

°النضال من أجل الديمقراطية التي تعني احترام الإرادة الشعبية المعبر عنها بشكل بواسطة انتخابات حرة ونزيهة وفي إطار دستور يجسد هذه الإرادة باعتبار الشعب مصدر السلط وصاحب السيادة ومن أجل حقوق النساء، وخاصة المساواة الشاملة بين المرأة والرجل، وضد تدمير البيئة ومن أجل تحسينها.

°النضال ضد التوجهات ذات الطابع الفاشي( لجوء العديد من الدول إلى فرض حالة الطوارئ وتقويض سلطات المؤسسات التمثيلية) وضد العنصرية.

°النضال ضد الحروب ومن أجل السلم.

° النضال من أجل تقرير الشعوب لمصيرها.

°النضال من أجل احترام حقوق الإنسان في شموليتها وكونيتها والحريات الديمقراطية: حرية التعبير والتنظيم والتظاهر…

°النضال ضد الفساد والرشوة والزبونية

 

هوامش:

(1)إن لجوء الرأسمالية إلى أساليب مختلفة( السياسات النيولبرالية، الصراع ضد الفكر التقدمي، وخاصة الماركسي…) لإضعاف الطبقة العاملة لفرض شروط الاستغلال المكثف يواجه بنضالها ونضال مثقفيها العضويين. لذلك فهو ليس قدرا محتوما ومآله ليس محددا بشكل نهائي لا رجعة فيه.

(2)على إثر الهزيمة العسكرية لجيوش نابليون الثالث على يد الجيش الألماني في 1871، انتفض عمال وكادحو باريس وشكلوا سلطتهم الديمقراطية سميت كومونة باريس.s

 

 

 

 

 


 


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com