تيار الأساتذة الباحثين التقدميين بالمغرب دعوة لجضور ندوة تحت شعار ” راهنية الاشتراكية للقضاء على الاستغلال و خدمة الإنسان”


النقابة الوطنية للتعليم العالي
تيار الأساتذة الباحثين التقدميين بالمغرب
دعوة
تحت شعار ” راهنية الاشتراكية للقضاء على الاستغلال و خدمة الإنسان”

وبمناسبة الذكرى المئوية لثورة أكتوبر (1917-2017)، يتشرف تيار الأساتذة الباحثين التقدميين العاملين في النقابة الوطنية للتعليم العالي بدعوتكم للمشاركة في الندوة الفكرية المقرر تنظيمها ، حول موضوع :
الثورة الاشتراكية، الحصيلة والآفاق
بمساهمة الأساتذة:
– عبد الله الحريف مفكر ماركسي عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقراطي،
– المختار بنعبدلاوي أستاذ باحث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك
– عبدالكريم مادون أستاذ باحث بكلية الآداب و العلوم الإنسانية آكادير، الكاتب العام للنقابة الوطنية للتعليم العالي
– نور الدين جلال أستاذ باحث بالكلية متعددة الاختصاصات بني ملال
– يونس السالمي أستاذ تقدمي مهتم بقضايا الشباب.
السبت 9 دجنبر2017 على الساعة التاسعة صباحا-المدرسة العليا للتكنولوجيا بالبيضاء
والدعوة عامة


مائة سنة على إشعال شمعتها و
تحت شعار ” راهنية الاشتراكية للقضاء على الاستغلال و خدمة الإنسان”
ورقة الندوة الفكرية حول موضوع:الثورة الاشتراكية، الحصيلة والآفاق

أول سؤال يتبادر إلى الذهن، بعد مرور مائة سنة على الثورة الروسية، هو حول الحصيلة والأثر الذي خلفته هذه الثورة. أعلنت هذه الثورة، منذ قيامها، أنها جاءت من أجل إقرار العدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، وتكريس السلم العالمي، بعد حرب طاحنة خلفت عشرات الملايين من الضحايا، والمساهمة في تقدم البشرية جمعاء، فإلى أية درجة استطاعت تحقيق هذه الأهداف؟ وهل كانت الثورة الاشتراكية علامة فارقة في تاريخ البشرية أم أنها تلاشت بانهيار الاتحاد السوفييتي؟ وهل سوف تنبعث القيم الاشتراكية من جديد، وإن بمفاهيم وصيغ وقوى جديدة؟
هناك اليوم ميل عام، في بعض الدراسات، وفي وسائل الإعلام إلى الترويج لفكرة أن الثورة الاشتراكية غدت جزء من التاريخ؟ وأن الامتداد الرأسمالي المعولم، تحول إلى أفق تاريخي تتقاطع عنده جميع المسارات. أما على المستوى الإقليمي العربي، فقد أصبح الكثيرون يعتبرون موجة المحافظة الدينية العارمة التي تعرفها المنطقة جبا نهائيا ل: حلم التقدم، و”شطط” العقل، و”تراتيل” وحدة النوع الإنساني الأممية، والسير بمقتضى بوصلة مبادئ المساواة والعدالة والكرامة الانسانية؟
إن التقييم الشامل للثورة الاشتراكية لا يمكن، بحال من الأحوال، أن يقتصر على الصور المجتزءة لسقوط جدار برلين أو للحظات تفكك الاتحاد السوفييتي، على وقع الخلل الهائل في موازين القوى الدولية، الذي أدى فيما أدى إليه، إلى تكريس و. م. أ قطبا وحيدا في العالم، وإلى الصعود الملفت للمحافظين الجدد داخل و. م. أ نفسها، والإجهاز المنهجي على المكاسب التي حققتها الإنسانية، على مدى قرن ونصف من الزمان.
إن أي تقييم موضوعي يجب أن ينطلق من قراءة عامة لمقومات ومفاعيل الثورة الاشتراكية، بدء من الإسهام العريض للفلسفة الماركسية في إعطاء مضمون واقعي للحداثة، انطلاقا من مبدإ أن وظيفة الفيلسوف أو المثقف العضوي لا تنحصر في فهم العالم، وإنما تمتد إلى تغييره لكي يصبح أكثر عدالة وإنسانية. بهذا المعنى لم تحرر الفلسفة الماركسية العقل وحده من الخرافة والوثوقيات، ولكنها حررت التاريخ، بإعادة قراءته قراءة موضوعية، من منطلق مركزية الوجود الواعي للإنسان، القادر على تجاوز أوهام الذات، واعدد مستويات الحقيقة، المتجه، في سياق تكريس فكرة التقدم، وتأكيد مرجعية العمل والخلق والابتكار، كما حررت الماركسية الوجود الاجتماعي، والنظرية الأخلاقية من السطحية والتزلف بإعادة تأسيسها على صرح من قيم المساواة والعدالة والتضامن.
هكذا شذبت الماركسية زوائد وطفيليات الثورة الصناعية، فأمتدت أنوار الفكر الاشتراكي، وعادت للعمل اعتباره إلى جانب رأس المال، وظهرت النقابات، وجرى تحديد ساعات العمل، وإقرار نظام التقاعد، والضمان الصحي والعطل، والتنصيص في المؤسسات الدستورية على الحق في العمل، والعلاج، والسكن، والتعليم، ورعاية الطفولة، وحماية الفئات الهشة، وبناء مجتمع متماسك يفسح المجال أمام الإبداع الفني بكل تعبيراته وأشكاله، ويضعه في متناول الجميع.
لم تجد القوى الرأسمالية بدا، في أوج صعود الحركة الاشتراكية، من أن تساير المد الشعبي التواق إلى العدالة والمساواة، فقامت بإدخال عدد من الإصلاحات الاجتماعية والسياسية على أنظمتها حتى تؤجل سقوطها، وتستوعب الدينامية الأممية المتطلعة إلى التقدم والمساواة. لكن ذلك لم يكن كافيا، فلجأت إلى الاستتباع، وإلى النهب المنهجي لثروات الشعوب، وإلى دعم الدكتاتوريات، وحماية الأنظمة الفاسدة، وإشعال فتيل الحروب الأهلية على أسس عرقية، ودينية وطائفية، بغرض استنزاف طاقة الشعوب الساعية إلى التنمية، من أجل إلهائها عن النضال الأساسي من أجل الحرية والعدالة والمساواة.
أما على المستوى الدولي فقد لعب الاتحاد السوفييتي، والمعسكر الاشتراكي، دورا أساسيا في دعم حركات التحرر الوطني، وتوفير الوسائل العسكرية والسياسية لنيل استقلالها، وكان، فيما يخص المنطقة العربية، أول من فضح اتفاقية سايكس بيكو، والمخططات الاستعمارية. كما حد الثقل السياسي للاتحاد السوفييتي من الابتزاز الإمبريالي عندما أسهم في بناء السد العالي في المرحلة الناصرية، وفي خلق حاضنة لصناعة وطنية ثقيلة، وفي دعم حركة التحرر الفلسطينية.
لم ينحصر الدور الإيجابي للاتحاد السوفييتي، على المستوى الدولي، في إقرار توازن معطل لعدد من المناورات الإمبريالية، ولكنه يسر كذلك انبثاق حركة عدم الانحياز، التي أعطت صوتا لدول العالم الثالث، وأفسحت المجال لمناضلين أمميين مثل المهدي بنبركة للمشاركة في بناء عالم عادل ومتوازن، وإدخال دول إفريقيا وآسيا إلى المعترك الدولي.
إن هذا الجرد الملخص لإسهام الفكر الاشتراكي، وللمثبطات التي أعاقت مساره، لا يقتضي منا أن نرسم لوحة وردية للإيجابيات أو أن نبحث عن مبررات التراجع، ولكن أن نقف، بصورة خاصة، عند عدد من التجاوزات والأخطاء كذلك، فالمرحلة الستالينية عرفت نكوصا كبيرا في الخصوبة والانفتاح الذي وسم الماركسية المؤسسة، فحلت الدولة البيروقراطية محل مشروع بناء المجتمع الاشتراكي، وجرى تكريس أولية الأمن الأيديولوجي على حرية الفكر والإبداع، والمشاركة السياسية. كما لعبت الهيمنة الإعلامية الرأسمالية العالمية دورا هائلا في ترويج أوهام الحرية الفردية، والمبادرة، وحرية السوق لمجتمعات محبطة، غير قادرة على تقدير مكاسبها، ولا على الاستمرار في مشروعها المجتمعي، ولا على استشفاف الوجه الآخر للرأسمالية العالمية المتمثل في آفة البطالة، والفوارق الاجتماعية، والنهب، والاستغلال، والدفع بالفقراء لكي يكونوا وقودا لحروبها المستدامة.
إن تناول إسهام الثورة الاشتراكية، في ذكرى مأويتها الأولى، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أبعادها المختلفة، سواء تعلق الأمر بالبعد الفلسفي، والعلمئنساني بصورة خاصة، الذي أعطى للحداثة مدلولا عقليا، علميا وموضوعيا، وإنسانيا، وبعدها الاجتماعي والسياسي، الذي مكن الشعوب والطبقة العملة على امتداد العالم، من اكتساب الاعتراف بحقوقها، والمشاركة الفعلية في الحياة العامة. وأخيرا، دور المعسكر الاشتراكي كفاعل دولي أساسي، على امتداد النصف الثاني من القرن الماضي، الذي مثل قوة رادعة للأطماع الإمبريالية، وقوة مضادة كرست حالة من السلم والاستقرار والاستقلالية السياسية النسبية لشعوب
العالم الثالث./.__


دفاعا عن الجوهر الحي للماركسية
عبد الله الحريف

تقـــديـــم :
تتعرض الماركسية، حاليا، لهجومات شرسة ترتكز على بعض الاطروحات والوقائع التي توظف لمحاربتها وتشويهها :
-فانطلاقا من أزمة أو فشل بعض تجارب البناء الاشتراكي يتم استنتاج أن الماركسية فشلت وتجاوزها التاريخ.
-إذ يتم تشويه الماركسية كي يسهل انتقادها وذلك عبر تسطيحها وتحويلها الى نقيضها أي إلى منظومة من المقولات ( Système ) منغلقة على نفسها وكاملة ومنتهية، بينما تعتبر الماركسية منهجا وأطروحات منفتحة وقابلة للتطور باستمرار. ويتم الرجوع، في هذا المجال إلى ما لقيته الماركسية من تشويه وتسطيح على يد بعض ” الماركسيين ” أنفسهم[1] إضافة إلى بعض أخطاء ونواقص ماركس وانجلز ولينين.
– كما يتم التشكيك، أيضا في أطروحتها الأساسية. وذلك من خلال نفي الصراع الطبقي بين البروليتاريا والبورجوازية في المرحلة التاريخية الحالية ، اما عبر إنكار دور الصراع الطبقي وتعويضه بتناقضات فعلية كالصراع الديني أو الطائفي أو القومي مثلا، هاته التناقضات التي تظل في نظرنا، محددة، في نهاية المطاف، بالصراع الطبقي، أو عبر تضبيب مفهوم البروليتاريا وصولا إلى نفي وجوده.
والجدير بالذكر، بهذا الصدد، أنه لا يمكن، في مقال مثل هذا، مناقشة كل هذه الإشكاليات الهامة. لذلك سنكتفي بتوضيح الجوهر الحي والثوري للماركسية منتقدين، في نفس الآن، الانحرافات والتشويهات التي لحقتها والنواقص والأخطاء التي يتطلب تجاوزها القيام بالمزيد من الاجتهادات النظرية ارتباطا بتطوير الممارسة النضالية.
ووعيا منا بأن الماركسية ترفض التعريفات لان هذه الأخيرة ترتكز على عزل العنصر الذي يتم تعريفه عن غيره من العناصر وتجميده في الزمان، وأن الماركسية ترتكز على العلاقات والصيرورات ( وليس على الأشياء )، فإننا سنجازف، تسهيلا للعرض، بإعطاء تعريف للماركسية محاولين، ما أمكن، أن يكون منفتحا و ” شاملا ” وساعين عند توضيحه إلى تجاوز نواقصه وعلاته.
ومن تم، فإننا نعتبر أن الماركسية هي النقد النظري والعملي للرأسمالية ولكل أشكال الاستغلال والاستلاب والعسف التي تلازمها وللإيديولوجيات التي تنتجها، ذلك النقد الذي ينطلق من موقع البروليتاريا ومصالحها الآنية والاستراتيجية ويرتكز على المادية الجدلية.
بيد، أنه قبل أن نفصل القول في هذا التعريف، لا بد من توضيح ما يلي :
إن نظرية ماركس ليست كاملة ولا مقدسة :
إن الماركسية، أذن، هي الفكر والممارسة القادران على الاستيعاب والتجاوز الجدلي لتناقضات الرأسمالية على الصعيد العالمي أي، بصيغة أخرى، تخطي تناقضات المرحلة التاريخية الطويلة التي تؤدي إلى اندحارها واقامة الشيوعية حيث يتم، في نفس الحركة، اضمحلال الدولة وبروز الإنسان المتحرر والمتحكم في علاقاته بالطبيعة والمجتمع مع بزوغ الحضارة الإنسانية الحقيقية.
وغني عن البيان القول بأن منهج ماركس وانجلز يناقض، تماما، أي تصور لفكرهما باعتباره نسقا أو منظومة كاملة وشاملة[2] أو باعتباره قوانين صالحة لكل مكان وزمان ويكفي تطبيقها على الواقع العيني لتغييره، الشيء الذي عبر عنه لينين بوضوح ودقة قائلا :
” إننا لا نعتبر نظرية ماركس كشيء كامل ” Acheve ومقدس، بل على العكس نحن مقتنعون أن ماركس وضع فقط أحجار الزاوية للعلم الذي يجب على الاشتراكيين ان يقدموه في كل الاتجاهات حتى لا يتأخروا عن تطور الحياة.
إننا نعتقد أن الاشتراكيين الروس يجب، بكل تأكيد أن يطوروا بأنفسهم نظرية ماركس لان هذه الأخيرة لا تدل سوى على مبادئ موجهة عامة تنطبق بشكل مختلف في كل حالة خاصة، في انجلترا بشكل مختلف عن فرنسا، وفي فرنسا بشكل مختلف عن ألمانيا، وفي هذه الأخيرة بشكل مختلف عن روسيا “[3].
من خلال تمعن قول لينين يتضح مدى الأهمية البالغة التي تكتسيها الكلمات المستعملة. ذلك أن لينين لا يعتبر أن الماركسية تقدم قوانين عامة تتحكم في سير المجتمعات والعالم، وانما يعتبر ان الماركسية تقدم، فقط مبادئ عامة توجه التفكير والممارسة، تلك المبادئ التي لا تكتسب مضمونها الملموس الا بفضل تطبيقها الخلاق في كل حالة خاصة على حدة.
وعلى هذا الأساس، فالماركسية في تعريفنا ليست فقط ما أنتجه ماركس وانجلز من فكر ( وان كانا قد وضعا حجز الزاوية للعلم الماركسي كما يطرح ذلك لينين )، ولكن هي أيضا، إسهامات كل الذين تبنوا تلك المبادئ الموجهة العامة، وعملوا، عبر اندماجهم في حركة البروليتاريا، في بلدانهم، على تطوير تلك المبادئ واغنائها بفضل تطبيقها الخلاق على الواقع الملموس لمجتمعاتهم.
كما أننا نجد ان كتابات انجلز تشتمل هي أيضا، على نفس الأفكار السابقة كما يتضح من المقطعين التاليين :
• ” إن المنهج المادي يتحول إلى نقيضه كلما استعمل ليس كخيط موجه ” fil conducteur ” للبحث التاريخي بل كنموذج جاهز يتم بفضله تقطيع واعادة تقطيع الوقائع التاريخية “.
• ” إن نظرتنا للتاريخ هي قبل كل شيء توجيه للبحث “[4]
هكذا، إذن يظهر أن جوهر الماركسية يتناقض مع الدوغمائية ومع فكرة النموذج الجاهز والصالح لكل مكان وزمان والذي يجب إدخال الواقع فيه رغم أنفه وأكثر من ذلك، فإن ما ينبغي استحضاره في كل لحظة، هو أن الماركسية تنطلق من تحليل الواقع كما هو[5].
وهكذا، تعرف الماركسية التقهقر والتفسخ كلما تحولت إلى منظومة أو كلما توقف الاجتهاد والإبداع أو حينما تتحول إلى تبرير للواقع عوض أن تكون منهجا ونبراسا للتغيير الثوري على طريق إقامة الاشتراكية فالشيوعية. ولعل أخطر تسطيح وتحجير للماركسية تم حين أصبحت ايديولوجيا الدولة السوفياتية أيام ستالين الذي أعطى أجوبة نهائية لكل قضايا الماركسية انطلاقا من فكرة أن الماركسية- اللينينية تقدم قوانين جاهزة وصالحة لكل مكان في مرحلة الرأسمالية ومرحلة البناء الاشتراكي، بل انه حدد نفس المراحل لتطور كل المجتمعات منذ ظهور المجتمعات البشرية. وقد أدى ذلك إلى أنه عوض النظر الى الواقع كما هو تم اعتبار العناصر التي تؤكد تلك القوانين وتم تجاهل غيرها. غير أن النتيجة تؤكد أن الواقع العنيد استمر في التطور بينما أصبحت الماركسية السوفياتية نموذجا ميتا. بحيث لعب ” تقنين ” الماركسية أيام ستالين نفس الدور الذي قام به التدوين في التاريخ الإسلامي، إذ أدى إلى توقيف الاجتهاد ووقف سدا منيعا أمام تطور بعض العلوم والفنون[6].
هكذا تحولت الماركسية إلى نموذج ساهم في العديد من الأخطاء التي شهدتها ممارسة أغلبية الاحزاب الشيوعية والتي كانت لها عواقب وخيمة فضلا عما ترتب عنه من بناء هش ومصطنع للاشتراكية في دول اوروبا الشرقية؛ يقول التوسير : بحلة لـ ” مشاكل ” الماركسية… بطريقته الخاصة، فرض ستالين على تلك المشاكل حلولا كانت نتيجتها هي حجز الأزمة التي أثارتها وقوتها تلك الحلول. وبتعنيفه للماركسية في انفتاحها بل حتى في صعوباتها، أثار ستالين أزمة خطيرة في الماركسية، لكنه وبنفس الوسائل حجز : ” Il a bloqué ” تلك الأزمة ومنع انفجارها “[7].
يكمن خطأ ستالين، إذن في كونه أضفى صفة المطلق “Caractère absolu “على الحلول الخاصة بالثورة الروسية في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين التي طرحها لينين لمشاكل الماركسية. وهو، بذلك يكون قد أعطى حلولا لازمة الماركسية لكنها تبقى حلولا شكلية.
إننا نعتبر أن الماركسية التي ترتكز على العلاقة الجدلية الحية بين الذات والموضوع تعيش دائما توثرا حادا هو، في حد ذاته تعبير بالأساس على التناقضات التي يعرفها الواقع الموضوعي والفكر الذي يحاول الإمساك بذلك الواقع والفعل فيه. لذلك نجد أن جورج لبيكا كان على صواب حين كتب يقول : ” فكأن الأزمة تشكل الشكل الحاد، لكن غير الاستثنائي إطلاقا، لتمظمر الماركسية في علاقتها بموضوعها “[8].
هكذا، يتضح إذن أنه ليس أمام الماركسية من خيار سوى مواجهة الإشكاليات التي يطرحها واقع الرأسمالية المتغير بدون انقطاع وذلك استنادا إلى التراث الماركسي ليس باعتباره معرفة تحيط بالواقع في كل جوانبه، دفعة واحدة والى الأبد، ولكن كمبادئ موجهة عامة اغتنت بفضل ذلك التراث ولا تزال بقدر ما يطورها الشيوعيون في ممارستهم الثورية؛ الشيء الذي سيجعلها دائما بمثابة مبادئ عامة موجهة مهما اغتنت وتطورت إذ لا تتحول أبدا إلى معرفة نهائية.
على انه نريد التنبيه هنا إلى أن ما أصاب الماركسية من أخطاء أيام برنشتاين وكاوتسكي وستالين وبعده ليس نابعا بالأساس من إرادة وأخطاء بعض الأشخاص رغم اهمية الدور الذي لعبوه ولكن من ارغامات الواقع الموضوعي ( ألمانيا في نهاية القرن التاسع عشر[9]
وانتشار الماركسية بشكل مسطح ومبسط وسط الطبقة العاملة كما أن التقنين الستاليني للماركسية يعتبر هو أيضا إلى حد بعيد وليد طبيعة الواقع الموضوعي في الاتحاد السوفياتي[10] فضلا عن الفهم السائد للماركسية واللينينية وسط الطبقة العاملة والحزب الشيوعي السوفياتي.
الماركسية : نقد نظري وعملي للرأسمالية
لعل ما يثير الانتباه هنا هو إن ماركس وانجلز قد خصصا أغلب أعمالهما للنقد : نقد البرجوازية في كل تجلياتها، نقد واقع الرأسمالية نقد الفلسفة[11] علما بأن أعظم عمل قدمه ماركس الذي هو : ” الرأسمال ” : هو نقد للاقتصاد السياسي البرجوازي ولم يتوقف ماركس وانجلز أبدا خلال حياتهما عن تطبيق سلاح النقد في كل مظاهر الحياة الاجتماعية وعلى نشاط وفكر الحركة العمالية. غير إن منهج ماركس يتنافى والانتقاد من بعيد في الأبراج العاجية. ذلك ان الماركسية قد أحدثت القطيعة مع الفكر التأملي الميتافيزيقي. واعتبرت أن الأفكار السديدة تأتي من الممارسة العملية الهادفة إلى تغيير الواقع وذلك ما عبر عنه ماركس في أطروحاته، حول فيورباخ حيث يقول : ” إن الفلاسفة لم يقوموا سوى بتأويل العالم، بينما يتعلق الأمر بتغييره “[12]
إن ماركس يعتبر أن سلاح النقد لا يجب أن يعوض نقد السلاح أي النقد العملي عبر الممارسة النضالية الهادفة إلى التغيير الثوري. والحال أن ما تروجه البرجوازية من كون ماركس وانجلز مجرد منظرين يعتبر كذبا ولا أساس له من الصحة ذلك لانهما قد كرسا حياتهما للنضال الثوري إلى جانب البروليتاريا ولم يكفا عن الالتحام بالحركة الشيوعية ومشاكلها فكانا قادة لها. ويكفي الرجوع إلى نشاطهما قبل وخلال ثورات 1848 وبعدها والى تأسيس ماركس للأممية الأولى وما كان له من نشاط هو وانجلز داخلها ومدى اهتمامهما الكبير والمستمر بنشاط الأحزاب العمالية وكذا إدراك نضالهما الذي لم يتوقف ضد الأخطاء والانحرافات للوقوف عن كثب على الطبيعة العملية لنشاطهما.
وليس من قبيل الصدفة في شيء أن تصبح الماركسية سلاحا ثوريا جبارا أكثر فأكثر كلما مارست النقد ليس فقط ضد واقع الرأسمالية وأيديولوجياتها ولكن أيضا ضد تأثير تلك الأيديولوجيات. وذلك الواقع على الماركسية وعلى الحركة العمالية وأحزابها بما فبها الأحزاب الماركسية نفسها.
لذلك فان تطوير الماركسية على يد لينين سيتم ليس بفضل انتقاد النظريات الفلسفية البرجوازية الجديدة[13] أو تحويل الماركسية إلى “علم” أكاديمي وتطويرية مسطحة ونقد أخطاء الاشتراكيين الثوريين في تقييمهم لوضع روسيا[14] ونقد الفوضوية ومختلف أشكال الانتهازية فحسب، وانما بالوقوف كذلك عند ما أصاب الماركسية من تشويه والأممية الثانية من تفسخ فكري على يد كاوتسكي واتباعه. ولابد هنا من الإقرار أن ماركس الذي قدم فهما علميا لجوهر الرأسمالية وتناقضاتها العميقة التي لا تتغير مهما تغيرت أشكال الرأسمالية لم ينج من إعلان بعض التقييمات و”التنبؤات” التي تجد أساسها في إضفائه صفة المطلق على الشكل الذي كانت عليه الرأسمالية في عهده ( أي الرأسمالية التنافسية ) وما كانت تؤدي إليه من أزمات وانهيارات وما يصاحب ذلك من استغلال مكثف وتفقير للطبقة العاملة. الشيء الذي يعتبر مصدر بعض التقييمات الكارثية مثل الأزمة العامة والنهائية للرأسمالية[15].
والحقيقة أن الرأسمالية كانت قد بدأت تدخل في نهاية حياة ماركس في مرحلتها الامبريالية المرتكزة إلى الاحتكارات المؤسسة على قاعدة انصهار الرأسمال البنكي بالرأسمال الصناعي لتكوين الرأسمال المالي في ظل صيرورة من تمركز الرأسمال وعلى تصدير رؤوس الأموال ونهب المستعمرات. وقد استطاع لينين بعبقريته الفذة، ان يستوعب هذه التحولات لذلك وخلافا للنظرة الماركسية السائدة آنذاك والتي تجد أساسها النظري في أعمال ماركس المتعلقة بالرأسمالية التنافسية والمتمثلة في اعتبار أن الرأسمالية ستحول المستعمرات إلى دول رأسمالية متطورة على غرار دول أوروبا الغربية، اكتشف لينين قانون التطور اللامتكافئ الذي يؤدي إلى النمو الرأسمالي التابع والمشوه في المحيط وكذا قدرة الاحتكارات بفضل مراكمة الأرباح، خاصة عبر نهب المستعمرات، على ارشاء فئة من الطبقة العاملة سماها لينين بالأرستقراطية العمالية والتي برزت في الحركات العمالية إما وسط أحزاب عمالية ( مثال بريطانيا ) أو عبر تحول الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية إلى حليفة للبرجوازية كما ظهر جليا في الحرب العالمية الأولى وأدى إلى إفلاس الأممية الثانية. وقد مكن ذلك لينين قبل غيره من أن يفهم الدور الثوري لحركات التحرر الوطني في المستعمرات مهما كانت الطبيعة الطبقية لقياداتها[16].
هكذا استطاع لينين فعلا وبشكل خلاق أن يطبق الماركسية عبر إمساكه بجوهرها وتجاوزه لبعض أطروحاتها التي لا تنطبق سوى على مرحلة الرأسمالية التنافسية. ومن ثمة يتضح إذن ان مختلف الإسهامات الرائعة للينين لم تتوقف عن نقد الاطروحات الخاطئة التي واكبت الماركسية من الداخل تحت تأثير الاتجاهات السائدة في العديد من الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية ( وخاصة الحزب الألماني ) بالارتكاز إلى أن الماركسية ليست مقولات جامدة، وإنما هي مبادئ موجهة عامة، وان الرأسمالية تغيرت من حيث الشكل حتى تستطيع الاستمرار من حيث الجوهر بينما أدى تغير الرأسمالية بالعديد من المنظرين الاشتراكيين الديمقراطيين إلى الظن بأنها يمكن أن تتغير من حيث الجوهر في إطار صيرورة تطورية هادئة ستوصل إلى الشيوعية، مما أدى إلى انقسام الاشتراكية –الديمقراطية في بداية القرن وانهيار الأممية الثانية.
لقد عانت الاشتراكية كما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه من التحجر بفعل تحويلها أيام ستالين إلى منظومة كاملة من ” القوانين ” النهائية لتطور العالم ماضيا وحاضرا ومستقبلا. ولعل من سخرية التاريخ ان الماركسية في الوقت نفسه الذي كانت تشهد ” انتصارها ” بعد أن أصبحت في صيغتها الستالينية ايديولوجيا الدولة السوفيايتة كانت تعيش انحطاطها إلى منظومة ميتة تلعب دور إعطاء المشروعية للبيروقراطية مما أفقدها جوهرها النقدي.
لقد كان لينين يعتقد أن السلطة السوفياتية يجب أن تكون في نفس الوقت دولة ولا دولة ” Non Etat ” وهو يعني بذلك إنها سلطة مركزية تتوفر على وسائل العنف والإكراه في مواجهة أعداء الثورة الداخليين والخارجيين، وانها تمركز ارادة البروليتاريا وحلفائها. لكنه كان، في الوقت نفسه كامل الوعي بخطورة الانحراف البيروقراطي وبنزوع الدولة في ( شكلها الكلاسكي ) الى التشكل كجسم منفصل عن المجتمع ومهيمن عليه. لذلك ظل يواجه بكل شدة وحزم البيروقراطية ويؤكد ضرورة تطوير كل اشكال المساهمة الشعبية في مختلف الميادين وخاصة الميدان السياسي : السوفياتات، النقابات، الجمعيات، الحزب الشيوعي… الخ. وهو ما كان يعبر عنه ب ” لا دولة “. لقد شدد لينين في كتاب : ” الدولة والثورة ” على الأهمية القصوى للديمقراطية المباشرة وللمشاركة والمراقبة الشعبية الفعلية، وأكد على ضرورة أن يكون الموظفون منتخبين وأن تتوفر الجماهير على الحق في عزل ممثليها في السوفياتات وفي إقالة الموظفين كلما أخلوا بالتزاماتهم أو تصرفوا بشكل يضر بمصالح الجماهير. وقال بأن للدولة، في المرحلة الانتقالية من الرأسمالية الى الاشتراكية، مضمونا مختلفا عن الدولة السابقة لأنها دولة مفترض فيها أن تعيش مرحلة الاضمحلال عبر التفويض التدريجي لمختلف وظائفها إلى المجتمع المدني المبني على أساس تعاون المنتخبين الأحرار فيما بينهم، كما نادى بثورة ثقافية ليصل المجتمع إلى مرحلة أعلى من الرقي والوعي والتطور حتى يواجه خطر البيروقراطية.
غير أن الصيرورة التاريخية للمجتمع السوفياتي أفضت إلى عكس هذا التطور حيث انتفخت الأجهزة الإدارية وتفاقم طابعها القمعي-السلطوي، بينما اضمحلت اللادولة متمثلة في أشكال التنظيم المستقل للمجتمع[17] وأصبحت الماركسية التي تقول باضمحلال الدولة في مرحلة الانتقال من الرأسمالية الى الشيوعية تبرر لتضخم الدولة وتعسفها وبطشها، لذلك لابد في نظرنا بعد انتصار ثورة البروليتاريا في بلد ما ألا يتماهى الحزب والدولة، وان يطبق المركزية الديمقراطية الحقيقية في صفوفه، وان يحترم الى أقصى حد التنظيمات المستقلة للجماهير ويعمل على ان تتطور ويتعامل معها تعاملا ديمقراطيا وان يحافظ على الجوهر النقدي للماركسية وذلك، من خلال عدم السماح بتحويلها الى ايديولوجيا للدولة لان الماركسية هي موجهة فكرا وممارسة المرحلة التي يتم خلالها اضمحلال الدولة.
وقد انتصر الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماوتسي تونغ في حرب التحرر الوطني بفضل قدرته على نقد وتجاوز اطروحات الأممية الثالثة وعلى استيعاب التناقضات الملموسة في المجتمع الصيني باعتباره مجتمعا شبه مستعمر وشبه إقطاعي.
فقد رفض ماو تحاليل الأممية الثالثة حول القبول بقيادة البرجوازية الوطنية لمرحلة التحرر الوطني، حيث اعتبر إنها طبقة متذبذبة وغير قادرة على قيادة الثورة، بينما رأى في الفلاحين الذين يشكلون الأغلبية الساحقة من الشعب الصيني القوة الرئيسية في الثورة المضادة للاستعمار والإقطاع أما بخصوص البروليتاريا فقد اعتبرها هي القوة القادرة على قيادة كل الطبقات والفئات الوطنية نحو الاشتراكية خلال صيرورة لا تنقطع وعبر مراحل تمثل الديمقراطية الجديدة التي يجب ان تنجز الأهداف المشتركة ما بين الطبقة العاملة والفلاحين والبرجوازية الصغرى والوطنية في مرحلتها الأولى. كما احدث ماو قطيعة مع نموذج البناء الاشتراكي الذي ساد في الاتحاد السوفياتي واعتبر ان الاشتراكية ليست نمطا جديدا للإنتاج ولكنها مرحلة متناقضة يتم خلالها الصراع بين ” الشيوعية الناشئة والرأسمالية المحتضرة “.
وقد كان ماو شديد الوعي بخطر البيروقراطية وخطر بروز من داخلها ومن داخل الحزب فئة محظوظة قد تتحول إلى برجوازية جديدة وقد حاول الإجابة على هذا التناقض عبر الدعوة إلى ثورة ثقافية ضد الحزب نفسه. غير ان هذه الثورة فشلت ربما لأنها سقطت في الارادوية والفوضوية ولم تأخذ بعين الاعتبار بما فيه الكفاية واقع المجتمع الصيني الذي كان لا يزال يعاني العديد من مظاهر التخلف لم تكن ملائمة للقيام بمثل الثورة التي تحولت إلى تصفية حسابات وصراعات وسط الحزب وغدت معزولة عن الجماهير.
والان، يكون من المفيد جدا التأكيد بأن المطلوب اليوم وخاصة بعد الانهيارات التي عرفتها العديد من الأنظمة الاشتراكية وبعد أن دخلت الرأسمالية في مرحلة جديدة هو الرجوع إلى الجوهر النقدي للماركسية.
وإذا كان يعد من الغرور طرح تصور متكامل للمرحلة الجديدة من الرأسمالية خاصة وان ملامح هذه المرحلة لا زالت غير واضحة بعد فإنه من الممكن إبراز بعض الارهاصات والميولات العامة التي يناط بالحركات التقدمية المناهضة للرأسمالية دراستها وتوضيحها وتصحيحها.
إننا نعتبر ان احد أهم تطورات الرأسمالية هو الاتجاه نحو التدويل ” Mondialisation ” غير ان هذا لا يتم بشكل متجانس وانما في اطار بنية تراتبية ” Structure Hierachisée”
ترتكز على صيرورة متناقضة من الادماج التهميش. فإذا كان الادماج الرأسمالي قد تم في البداية والى حدود هذه المرحلة في اطار فضاء الدولة / الامة وكذلك التهميش، الشيء الذي ادى الى بروز مركز ومحيط فان التدويل الرأسمالي ينحو الى ادماج مناطق معينة من مختلف الدول في الاقتصاد الرأسمالي وتهميش أخرى[18] وكذا ادماج قطاعات اقتصادية وتهميش اخرى وبالتالي ادماج فئات من البرجوازية وتهميش اخرى وحتى نكون واضحين اكثر سنعطي بعض الامثلة : فدول المركز نفسها لم تبق تلك الفضاءات الاقتصادية الممركزة على الذات حيث يتم توزيع العمل بينها على أساس موازين القوى، فهذا القطاع تهيمن عليه الامبريالية الفلانية وتنظم تدويله والتطور يتم بشكل غير متكافئ على المستوى الوطني بل هناك مناطق في الولايات المتحدة الامريكية أو اوروبا الغربية تعاني من تهميش حقيقي وكذلك الامر بالنسبة للبرجوازيات : فإذا كانت بعض فئات البرجوازية في المحيط، مدمجة في الاقتصاد الرأسمالي العالمي ( البرجوازية النفطية مثـلا )، فان بعض فئات البرجوازية، في المركز تظل مهمشة عن الاقتصاد العالمي.
غير ان هذا الادماج لمناطق او قطاعات او برجوازيات من مختلف الدول لا يتم على قدم المساواة بل يخضع لموازين القوى الاقتصادية بما في ذلك التحكم في النظام النقدي المالي الدولي- والسياسية والعسكرية بين البرجوازيات المختلفة كما ان تهميش بعض المناطق وبعض فئات البرجوازية وبعض القطاعات عن الاقتصاد الرأسمالي العالمي لا يعني بالضرورة القضاء عليها اذ يمكن ان تستمر على صعيد وطني لكن تحت سيطرة الرأسمال العالمي المدول. كما أن ذلك التهميش لا يمس الدول الرأسمالية بنفس الشكل ولا علاقة له بالتهميش الذي تعانيه الدول التابعة. ان هذا التطور يؤدي الى اعادة هيكلة الاجهزة الانتاجية وبشكل عام اقتصاديات كل الدول الرأسمالية بما في ذلك المتطورة تحت غطاء ما يسمى بالليبرالية الجديدة في اتجاه ضرب تماسكها وطابعها الممركز على الذات :
” Autocentré ” وغني عن البيان ان الشركات والبنوك المتعددة الجنسية ” Transnationales ” التي هي عادة من جنسية معينة بالاساس، اما امريكية شمالية او أوربية غربية او يابانية والتي قد تفتح رأسمالها، في حدود لجنسيات أخرى حسب مرتبة البرجوازية المعينة وموقعها الخاص في هذا القطاع او ذاك هي المحرك للتدويل والمستفيدة منه وان الليبرالية الجديدة هي ايديولوجيتها التي تستطيع بفضلها اعطاء مصالحها صفة الصالح العام بل صفة الضرورة الاقتصادية ” الموضوعية “. فهل لا يمكن ان نجد في هذه التطورات اسباب أزمة الدولة وخاصة في العالم الثالث ؟.
فالدولة التي كانت تعبر عن مصالح الطبقات السائدة المتحالفة أصبحت تفتقد قاعدتها الطبقية السابقة لتصبح اكثر فأكثر المعبر عن مصلحة الفئة المدولة من البرجوازية. هذه الفئة التي تخدم مصلحة تدويل الرأسمال اكثر من خدمة مهمة التراكم على الصعيد الوطني. وإذا كانت الشركات المتعددة الجنسية هي التي تسهر على تدويل الرأسمال فان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وغيره من مؤسسات الإمبريالية العالمية ( كالمجموعة الاقتصادية الأوروبية مثلا ) تتدخل هي الأخرى لرسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية للدول التابعة حتى تتلاءم واحتياجات الشركات المتعددة الجنسية أي تدويل الرأسمال.
هكذا تنزع أجهزة الدولة في هذه البلدان إلى التحول إلى أدوات لتنفيذ سياسات الرأسمال المدول. أما في الدول الرأسمالية المتطورة نفسها، فان قدرة الدول بمختلف أجهزتها التشريعية والتنفيذية على بلورة وتنفيذ سياسات اقتصادية واجتماعية أو حتى ثقافية مستقلة قد أصبحت تتقلص باستمرار أمام ضرورات تدويل الرأسمال وتفويض تلك الدول للعديد من اختصاصاتها لهيآت فوق وطنية كالمجموعة الاقتصادية الأوروبية مثلا.
إن النزوع القوي والموضوعي للرأسمال نحو التدويل يصطدم بتشكله التاريخي بالاساس في اطار فضاءات وطنية. ولا شك ان الفهم العميق لهذه الصيرورة من شأنه ان يساعد على رسم الشكل الملموس الذي يأخذه في المرحلة الجديدة من تطور الرأسمالية التناقض الجوهري ما بين البرجوازية والبروليتاريا.
ولا مفر، من التأكيد بهذا الشأن على انه اذا كانت الرأسمالية كأنماط الإنتاج السابقة المرتكزة الى استغلال الإنسان للإنسان محكوم عليها بالزوال فإنها تتوفر على قابلية اكير للتطور من انماط الانتاج السابقة وذلك لأنها أول نمط إنتاج قادر على ان يصبح عالميا لانه يرتكز الى السوق المعممة ولان الرأسمالية تبدو خلافا لأنماط الإنتاج السابقة وكأنها خاضعة لقوانين اقتصادية موضوعية حيث يتم انتزاع فائض القيمة بشكل اوتوماتيكي وليس كما في الأنماط السابقة عبر اللجوء إلى الإكراه[19] وذلك ما يعطي فعالية خطيرة للأيديولوجيا البرجوازية التي تبدو ” طبيعية ” وبالتالي يصعب التخلص من حبالها[20] لذلك لا بد من تسليط سلاح النقد الماركسي على هذه الأيديولوجيا وتجلياتها الحديثة.
الماركسية تنطلق من موقع البروليتاريا ومصالحها الآنية والاستراتيجية
ان الماركسية تعلن صراحة انحيازها لموقع البروليتاريا ومصالحها الانية والاستراتيجية، انها انبثقت من صلب حركة الطبقة العاملة الاوروبية وكفاحاتها وهي تتقدم وتتطور بقدر ما تلتحم بتلك الحركة وتجيب على اشكالاتها وانشغالاتها وتربط ما بين مصالحها الانية ومصلحتها الاستراتيجية في تحرير الانسانية من نير الاستغلال. وقد اوضحنا بشكل مركز في الفقرة السابقة كيف ان الانصهار الذي تم ايام ماركس وانجلز ولينين وماو قد ادى الى تقدم هائل للماركسية.
وعلى عكس ذلك فان الانفصام ما بين البروليتاريا والماركسية او عدم الربط الجدلي ما بين المصالح الانية والاستراتيجية للبروليتاري أديا الى تفسخ الماركسية أو في أحسن الاحوال الى اكسابها لطابع اكاديمي مجرد ووصمها في الغالب بالوضعية ” positivisme “. والعلموية ” scientisme ” والحال ان الماركسية في صيغتها الوضعية قد اصبحت جزءا من ” العلم ” الاكاديمي. كما ان ذلك الانفصام أو عدم الربط ما بين المصالح الانية والاستراتيجية للبروليتاريا قد أنتجا تحولات داخل حركة الطبقة العاملة تمثلت في الحفاظ على البروليتاريا تحت هيمنة الايديولوجيا البرجوازية في اطار العديد من الاحزاب العمالية[21].
ويكفينا التذكير، هنا فقط بالمقولة المشهورة لبيرنشتاين والتي تذهب الى أن الحركة هي كل شيء وان الهدف النهائي هو لا شيء معبرة بذلك عن التخلي عن أي هدف استراتيجي في تغيير النظام الرأسمالي.
كما ان ما اصاب ما يسميه بيري اندرسون ” Perry Andersone ” ب الماركسية الغربية[22] يعد خير دليل على ما نطرحه من ضرورة انصهار الماركسية بحركة الطبقة العاملة. فبسبب ما كانت تعانيه الأحزاب الشيوعية من فهم وتطبيق خاطئين للمركوية الديمقراطية ومن تبعية لانقدية للنموذج السوفياتي بما في ذلك ل ” Dia-mat ” السوفياتي لم تكن الاحزاب رغم جماهيريتها الكبيرة، والاحترام الكبير الذي كانت تحضى به خاصة بعد الحرب العالمية الثانية تسمح بالنقاش الجدي والاختلاف الشيء الذي أدى الى انسلاخ العديد من المثقفين عنها وقد ظل هؤلاء في أغلبهم أوفياء للماركسية وأعداء للراسمالية وطوروا أبحاثهم حول الماركسية في الجامعات بعيدا عن حركة البروليتاريا.
لذلك تركزت تلك الأبحاث على قضايا نظرية عامة ولهذا فان اندرسون يطرح انه خلافا لماركس الذي انتقل في دراساته من الفلسفة الى السياسة ثم الاقتصاد سارت الماركسية الغربية في الطريق المعاكس والادهى من ذلك ان الاهتمام بالفلسفة نفسها قد تمركز حول قضايا المنهج : الابستمولوجيا أكثر منه حول المضمون. وتطورت أيضا الدراسات الماركسية حول الآداب والفنون. وكانت نتائج هذا الانفصام وخيمة بلا شك وقد تمثل أخطرها في غياب التفكير الاستراتيجي أي غياب بلورة آفاق ممكنة وملموسة للانتقال من الديمقراطية الرأسمالية إلى الديمقراطية الاشتراكية في دول أوربا الغربية.
الشيء الذي طبع الممارسة السياسية للأحزاب الشيوعية في تلك البلدان بالتجريبية والبرغماتية وتقلبات المواقف التي ليست مبنية على أسس نظرية متينة. وقد تعزز هذا الاتجاه بغرقها إلى حد لا يستهان به في اللعبة الانتخابية.
على أنه قد يقال ان نظرة ماركس للتناقض الجوهري في ظل الرأسمالية ما بين البرجوازية والبروليتاريا، قد تجاوزها التاريخ لان البروليتاريا أصبحت أقلية في البلدان الرأسمالية المتطورة[23]وان الطبقات المتوسطة في هذه الدول اتسعت قاعدتها إلى حد أصبحت لها الغلبة ( الأغلبية ) علما بأن البروليتاريا، في دول المحيط الرأسمالي، هي اصلا قليلة العدد أمام الأغلبية التي تتشكل من الفلاحين وكادحي ومهمشي الأحياء الشعبية.
ان هذه الأفكار غير سديدة في نظرنا لكن لابد من الاقرار ان ماركس كان يعتبر ان البروليتاريا هي البروليتاريا الصناعية بالأساس ويرجع ذلك في رأينا إلى كون ماركس قد أضفى هنا أيضا صفة المطلق على مرحلة معينة من تطور الرأسمالية وهي المرحلة التي كانت فيها الصناعة هي القطاع المهيمن على النشاط الاقتصادي والمتنامي باستمرار. بينما كانت الخدمات في أغلبيتها الساحقة لا تخضع مباشرة للرأسمال بل كانت تعتبر ميدانا لنشاط فئات بورجوازية صغرى. أما الآن فقد أصبحت الخدمات اكثر فأكثر ميدانا مباشرا ومزدهرا للتراكم الرأسمالي وقد عرفت مع تطور الإعلاميات والمواصلات وتدويل الرأسمال تطورا هائلا. لذلك يكون لوسيان سيف على صواب في نظرنا عندما يطرح أن عند ماركس ” أفقا شيوعيا للعصر الصناعي ”
[24] “une perspective communiste de l’âge industriel ” بينما نشهد حاليا إرهاصات ” أفق شيوعي للعصر المعلوماتي ”
“une perspective communiste de l’âge informationnel ”
ان قطاع الخدمات يجمع خليطا من الانشطة منها المنتجة والغير منتجة كما هو الحال بالنسبة لجزء هام من المعلوميات التي تساهم في تطوير الإنتاجية عبر تطوير البحث العلمي والتطبيقي وإشاعة المعارف والمعلومات وتحسين طرق وأساليب الإنتاج وتنظيم العمل ومنها أنشطة أخرى منتجة تتعلق بتحويل العديد من الأعمال المنزلية الى أعمال اجتماعية تتداول في السوق، وهناك أنشطة غير منتجة لكنها تبقى ضرورية لإعادة إنتاج قوة العمل : الترفيه والرياضة مثلا إضافة الى أنشطة أخرى ذات طابع طفيلي كالمضاربات المالية والتجارية وغيرها.
هكذا إذن فإن الجزء الأكبر من قطاع الخدمات يعد قطاعا منتجا يتم فيه انتزاع فائض القيمة من مأجورين يقومون بعمل منتج قد يكون بعضهم من المبدعين، أما في الجزء الباقي من القطاع فيتم انتزاع فائض العمل ” surtravail ” من مأجورين يقومون بعمل غير منتج.[25]
وعلى هذا الأساس، نعتبر ان مفهوم البروليتاريا لم يعد يقتصر على البروليتاريا الصناعية بل اصبح يضم اغلب العاملين في قطاع الخدمات بحيث نرى أن الرأسمالية في المركز وان تغيرت في شكلها[26] لم تتغير من حيث جوهرها وذلك لانه لا زال يتم انتزاع فائض القيمية أو فائض العمل من مأجورين يزداد عددهم بدون انقطاع.
صحيح ان بلدان المركز تتوفر على طبقات متوسطة واسعة نسبيا لكنها تبقى مع ذلك أقلية وعرفت مع تعمق الأزمة في هذه البلدان تراجعا محسوسا.
إن الرأسمالية في المركز تلجأ إلى مختلف أشكال الاستغلال : فهناك الاستغلال المكثف للعمال المهاجرين ولفئات من البروليتاريا المركزية نفسها في إطار ما اصبح يصطلح عليه ب ” المجتمع ذي السرعتين “، وهناك التفقير والتهميش لجزء غير بسيط من السكان[27] في حين هناك جزء من الطبقة العاملة يعرف أوضاعا أحسن لكن في ظل عمل يخضع إلى تسريع وثيرة الإنتاج لرفع الإنتاجية.
ولابد من الملاحظة أن الرأسمالية أصبحت تدمج المبدعين في نشاطها بدل أن يبقوا، كما كان الأمر من قبل بعيدين عن النشاط الاقتصادي- كي تستفيد من إبداعاتهم واكتشافاتهم بأسرع ما يمكن، وإذا كان هؤلاء المبدعون لا يعانون من الاستغلال فانهم يعانون من الاستلاب لانهم يرون أن طاقاتهم- التي يفتح أمامها التطور الهائل للعلوم والتكنولوجيا آفاقا رحبة- لا يسمح لها بالتطور إلا بقدر ما تخدم التراكم الرأسمالي أي بقدر ما تكتشف أو تطور سلعا : مادية أو رمزية تلبي طلبا كافيا في السوق، بينما قد تساهم تلك الطاقات في ظل علاقات اجتماعية أكثر عدالة في بناء حضارة توفر حدا أدنى من الحياة الكريمة للإنسان.
قد تظهر الأشياء مختلفة في بلدان المحيط الرأسمالي، لكن هنا أيضا لابد من تحليل ملموس قبل الحكم. صحيح ان البروليتاريا الصناعية رغم أنها تنمو باستمرار ( كما وقع بالمغرب منذ أواسط السبعينات ) لا تزال ضعيفة اذ لا تشكل سوى جزء بسيط من السكان بينما لا زال الفلاحون والعاملون في القطاع الغير مقنن ” secteur informel ” يمثلون الأغلبية فضلا عن تكاثر عدد العاطلين. غير أن تحليل البروليتاريا في هذه التشكيلات الاجتماعية يقتضي الرجوع الى تحاليل ماركس. هذا الأخير الذي يعتبر ان الرأسمال يحتاج الى شروط خاصة : نوع معين من قوى الإنتاج، أشكال خاصة من التنظيم الاجتماعي، قيم وايديولوجيا معينة… الخ تلك هي الشروط التي تشكل الأسس الضرورية لسير الرأسمال وتطوره حسب منطقه. على أن الراسمالية لا تجد تلك الشروط جاهزة ومعطاة بشكل مسبق كما أنه لا يمكن ان تخلقها من العدم ضربة واحدة.
فالرأسمالية تتطور أولا اعتمادا على الشروط التي تجدها في أنماط الإنتاج السابقة ( مثل الايديولوجيا القبلية والمخزنية والعلاقات الجماعية في المغرب…) إذ أن الرأسمالية تجد نفسها، في مرحلة أولى ملزمة بأن تخضع تلك الأسس التي لا تناسبها لسيطرتها دون تغييرها بحيث ان تلك السيطرة تتم بشكل خارجي. وذلك هو ما يسميه ماركس ب : ” subsomption formelle ” وفي مرحلة ثانية وبعد ان تستطيع القضاء على تلك الأسس تصبح الرأسمالية متحكمة في صيرورة الإنتاج من الداخل ” subsomption réelle ” وخلافا للرأسمالية في المركز لا زال تحكم الرأسمالية في الجزء الأكبر من البوادي وفي أنشطة عويضة في المدن، بتم بشكل خارجي غير مباشر عبر علاقات السوق والقروض. هذا التحكم يؤدي الى افلاس العديد من الفلاحين الذين يتحول جزء منهم الى عمال زراعيين في ضيعات رأسمالية والجزء الاخر ينزح الى المدن. ونلاحظ نفس الصيرورة، فيما يخص العديد من الحرف التي تخضع في مرحلة أولى بشكل خارجي لنمط الإنتاج الرأسمالي ثم تندثر ويتبلتر أصحابها. هكذا، اذن توفر الرأسمالية شروط السيطرة المباشرة على صيرورة العمل اذ توفر الشغيلة الحرة التي لا تملك سوى قوة عملها.غير ان الرأسمالية التبعية غير قادرة على استيعاب كل اليد العاملة المحررة من أنماط الإنتاج السابقة لاسباب لا يسع المجال لتوضيحها الآن. لذلك نشاهد تضخم البطالة والقطاع غير المقنن. والحال ان تواجد هذا القطاع غير المقنن الخاضع لسيطرة التراكم الرأسمالي يعني ان الرأسمالية التبعية ملزمة نظرا لطابعها التبعي بالضبط بالسيطرة على هذا القطاع من الخارج. والخلاصة التي نصل إليها هي ان البروليتاريا في الدول التبعية تنمو باستمرار وهي تسير لان تصير غالبية المجتمع بفضل نمو الإنتاج العصري والإنتاج في القطاع غير المقنن وتكاثر اعداد العمال الزارعيين.
هكذا، إذن يظهر أن الماركسية في جوهرها وليس في الصيغ التي اتخذتها في هذه المرحلة أو تلك – سديدة ويظل تحديدها لتناقضات الرأسمالية صحيحا. ذلك ان الرأسمالية مهما غيرت جلدها لم تتغير من حيث الجوهر بحيث ان وجودها واستمرارها متعلقان بقدرتها على انتزاع فائض القيمة اما بشكل مباشر من عمال ماجورين لا يملكون سوى قوة عملهم وإما بشكل غير مباشر عبر التحكم الخارجي في أنماط الإنتاج السابقة كمرحلة على طريق تفكيكها وإدماج العاملين فيها ( أو جزء منهم ) في علاقات الإنتاج الرأسمالية.
الماركسية ترتكز على الجدل المادي
الجدل المادي أساس الماركسية
ليس الهدف هنا هو تحديد الجدل المادي أو المادية الجدلية أو الحديث عن النقاشات والاشكالات التي يطرحها بقدر ما هو توضيح بعض الجوانب التي تبدو لنا مبهمة في مواجهة ما يتعرض له الجدل المادي من تشويه وتسطيح وتفقير. فالجدل المادي يعني، بالنسبة لماركس وانجلز إن المادية والجدلية لحظتان لا تجد كل منهما خصوصيتها في نفسها بل في علاقتها بالأخرى، بمعنى أنهما تتفاعلان بشكل قوي يجعل منهما وحدة : ” عضوية ” إن صح التعبير.
والمادية، هنا لا تنطلق من فهم مسطح للمادة يسقط في تشييئها[28] ولكن ترتكز على الفهم الذي طرحه لينين في ” المادية ونقد المنهج التجريبي ” والذي يتجلى في كون المادة هي كل ما يوجد باستقلال عن وعينا له. فهو إذن تعريف معرفي للمادة. والمادية تعني أسبقية المادة على الفكر دون السقوط في ازدواجية مطلقة بينهما فلينين كتب يقول : ” ان التعارض بين المادة والوعي ليس له معنى مطلقا إلا في حدود ضيقة جدا-أي فقط فيما يتعلق بالسؤال المعرفي الأساسي : ما هو السابق ؟ ما هو اللاحق ؟ وخارج هذه الحدود، فإن نسبية هذا التعارض لا تقبل الشك والفكر لا يوجد خارج المادة لان : ” الوعي لا يمكن أبدا أن يكون شيئا آخر غير الكائن الواعي”، وهو قادر على الفعل في المادة لأنه قادر على فهم ” قوانينها “.[29]
إن المادية الجدلية هي الفكر الذي يوجه ممارسة نظرية وعملية تريد أن تكون تغييرية ثورية وواقعية في نفس الوقت الوقت والمؤكد أن هذا الفكر يعيش توثرا دائما كتعبير عن هذا البحث المستمر عن التوفيق بين هذه الضرورات. والحال أنه ليس من السهل، بتاتا التوفيق بين معرفة الواقع كما هو وتقدير الممكن الذي يحبل به تقديرا سليما والقدرة على بلورة ممارسة تجعل من ذلك الممكن واقعا فعليا.
ومن الوهم الظن، أنه من الممكن تحديد بشكل مسبق وتأملي نظري المادية الجدلية “النقية” التي تقينا خطر عدم تقدير الواقع تقديرا سليما أو بلورة بديل غير واقعي للواقع الحالي. لذلك، فكل الثورات والحركات سقطت في أخطاء وانحرافات يمكن اجمالها في ” الانحراف الموضوعي ” Objectivisme ” الذي يختزل الماركسية في حتمية تحددها قوانين موضوعية حديدية ( العامل الاقتصادي ) التي لا يسع الإنسان الا الاستسلام لها والانحراف ” الذاتوي ” ” Subjectiviste ” الذي يضخم دور الذات الفاعلة ويحولها الى اله قادر على صنع الواقع. فتجاوز الموضوعية والذاتوية ليس مسالة تأملية تتعلق بإخضاع الممارسة لمعيار مسبق صالح لكل مكان وزمان قد تقدمه لنا المادية الجدلية دفعة واحدة والى الأبد والذي يكفي أن نقيس به الواقع والممارسة حتى نتلافى السقوط في الانحرافات. إن هذا الفهم يعني تحويل المادية الجدلية إلى قوانين تتحكم في الممارسة والواقع اللذين ليس لهما إلا أن ينضبطا لها، أي أنه يضرب تلك العلاقة الجدلية التي يجب أن تربط باستمرار ما بين الممارسة والنظرية.
والحقيقة، أنه ليس هناك من إمكانية لتجاوز الانحرفين السابقين سوى اللجوء الى التحليل الملموس للواقع الملموس والاحتكام إلى الممارسة وإرجاع مشاكل المادية الجدلية إلى قلب رهانات الصراع الطبقي والى الأسس الاجتماعية لهذه المشاكل[30].
لن ترجع هنا إلى الانحرافات الكثيرة التي عاشتها الحركة الشيوعية والعمالية بشكل عام بسبب فهم خاطئ وغير مادي جدلي للمادية الجدلية. فلقد ساد في الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية وخاصة الألمانية أيام بيرنشتاين فهم للمادية الجدلية أدى إلى إفراغها من مضمونها الجدلي والتبرير لنظرة تطورية إصلاحية. فبيرنشتاين يرفض تطبيق الجدلية على تطور المجتمع الرأسمالي لانه تبنى فكرة التعايش ما بين البرجوازية والبروليتاريا. اما كاوتسكي الذي واجه بيرنشتاين فلم يستطع فهم تطورات الرأسمالية وانقسام الحركة العمالية إلى تيار ثوري وآخر إصلاحي. وذلك لأنه كان يصدر عن فهم خاطئ للجدلية حيث يعتبر أن قطبي التناقض لا يتغيران، وان العلاقة بينهما خارجية ( أي انهما لا يشكلان وحدة ) ميكانيكية إنه لم يستطع إذن أن يفهم أن قطبي التناقض يتفاعلان تفاعلا ليس عبارة عن فعل ورد فعل خارجي وإنما عبارة عن تفاعل يمس بنية كل واحد منهما والتي تتغير في هذه الصيرورة التاريخية. لذلك لم يستطع أن يفهم كيف أن القطب البرجوازي من خلال مرور الرأسمالية إلى مرحلة الإمبريالية استطاع أن يفرز داخل القطب البروليتاري ارستقراطية عمالية الشيء الذي اكسب الجدلية عند كاوتسكي طابعا كميا ميكانيكيا لأنه اعتبر أن قطبي التناقض يتفاعلان بشكل خارجي لا يمس بنيتهما الداخلية.
بيد أن لينين الذي أوضح الأساس المادي للانقسام الذي عرفته الحركة العمالية ( انحراف الأممية الثالثة ) لم يقم فقط بتطوير للنظرية الاجتماعية ولكن طور أيضا، وفي نفس الوقت المنهج المادي الجدلي. الشيء الذي يظهر تلك العلاقة الحميمية والخلاقة بين المنهج والمعرفة وذلك الاغتناء المتبادل لبعضهما البعض. وان لينين قد قدم هذا الاسهام ليس انطلاقا من تأمل فلسفي مجرد ولكن لأنه ركز على فهم التحولات الجديدة للرأسمالية التي شهدتها نهاية القرن الماضي وانعكاساتها على الأممية الثانية. فلينين كان يريد فهم الأسباب ليس الاجتماعية فحسب، ولكن النظرية والمنهجية لانهيار الأممية الثانية كذلك. وذلك ما مكنه من تطوير المادية الجدلية وإخراجها من المأزق الذي آلت إليه على يد بيرنشتاين وكاوتسكي. وهذا ما يبين أن المادية الجدلية خاضعة للتطور والإغناء مع تطور الواقع واشكالاته.
كما إن ماو قد استطاع، من خلال الممارسة الثورية والتفاعل الخلاق مع تناقضات المجتمع الصيني الخاصة من تجاوز ما أصاب المادية الجدلية من تحجر في إطار ” Dia-mat “. هكذا لم يكتب ماو دراساته الفلسفية[31] انطلاقا من رغبة تأملية مجردة بل كنتيجة للدروس القاسية والغنية للثورة الصينية. وقد ساهمت هذه الكتابات في إعطاء المادية الجدلية مضمونا ملموسا اكثر في إطار صيرورة لا متناهية تتطور خلالها المادية الجدلية ويطرح أمامها الواقع معضلات وإشكالات جديدة كما إنها ساهمت في إغناء الممارسة الثورية.
ونريد في الأخير تقديم بعض الملاحظات حول الفهم للمادية التاريخية الذي يجعل من العامل الاقتصادي العامل الوحيد لتطور المجتمعات البشرية حتى يسهل وصم الماركسية بالاقتصادوية والميكانيكية والادقاع النظري.
لقد أجاب انجلز على هذا الطرح، في رسالته المشهورة الى بلوخ حيث كتب يقـول : ” حسب النظرة المادية للتاريخ، فان العمل المحدد في نهاية المطاف هو انتاج وإعادة إنتاج الحياة المادية. فلا أنا ولا ماركس أكدنا اكثر من ذلك. واذا ما شوه أحد هذا الموقف في اتجاه جعل من العامل الاقتصادي العامل الوحيد المحدد فإنه يحوله الى جملة فارغة، مجردة وعبثية “، ويصيف : ” هناك تفاعل بين كل هذه العوامل تنتهي داخله الحركة الاقتصادية بشق طريقها عبر عدد لا متناه من الصدف “[32].
هكذا، إذن، يرفض انجلز أي تصور حتمي للتاريخ. وذلك، لان التاريخ محكوم في نهاية المطاف بالعامل الاقتصادي لكن عبر طريق متعرج وغير محدد مسبقا وتتدخل في تحديده كل العوامل[33]. لذلك فإنجلز لا يدعونا الى الكسل في انتظار أن يشق العامل الاقتصادي طريقه، بل يدعونا إلى الفعل بالاستناد إلى تحليل الواقع الملموس بكل أبعاده. هكذا تفتح الماركسية باب الاجتهاد أمام مختلف التناقضات التي تعيشها المجتمعات[34]. لكن المادية تقول بأن هذه التناقضات التي قد تكون حاسمة في مرحلة معينة، وبلد محدد هي نفسها محددة، في نهاية المطاف، بالعامل الاقتصادي، لذلك نعتقد أنه لابد من العمل على استيعاب تلك التناقضات في علاقاتها المعقدة والغير مباشرة والمتغيرة مع العامل الاقتصادي. ولن يتأتى ذلك إلا بالانخراط بدون دوغمائية في الممارسة التغييرية المتعددة الأبعاد والميادين وإغناء الجدل المادي بفضل الممارسة وبفضل التمثل النظري لكل تلك التناقضات.
إن الماركسية، وخلافا لما يروجه أعداؤها منفتحة على جدلية الواقع وقادرة كلما تجاوزت الاقتصادوية والميكانيكية والارادوية، وكلما تعاملت مع الواقع كما هو بدون أفكار مسبقة وبدون مثالية، على تغيير الواقع نحو الأحسن بالنسبة للأغلبية الساحقة من البشر.
ان الواقع الحالي وما يشهده من انهيار لتصور معين للبناء الاشتراكي يجعل من الحزب والدولة آلهة تملك الحقيقية وتتحكم في مصائر الشعوب ومن انبعاث جنوكي للتعصب الديني والطائفي والاثني والقومي وغطرسة إمبريالية ومن أخطار تهدد كوكبنا بالخراب وتحكم على الجنس البشري بالفناء من جراء تفاقم التلوث ووصول التسلح (وخاصة النووي) مستويات مرعبة. أن هذا الواقع وحركة الشعوب نحو القضاء على كل أشكال الاستغلال والاضطهاد والاستبداد والتمييز الجنسي أو العرقي أو غيره وإقامة ديمقراطية حقيقية بأبعادها الشاملة : اقتصادية، سياسية، ثقافية. تكرم الإنسان وتضمن شروط ازدهاره الحر. كل ذلك يطرح إشكالات كثيرة يجب على الماركسية أن تجيب عليها حتى لا تتأخر عن الحياة.
————————————————————-
[1] الاممية الثانية، الستالينية، بعض الاطروحات ” الماوية “.
[2] ألم يتشكل الفكر الماركسي، وخاصة المادية الجدلية والمادية التاريخية، عبر نقد الفلسفات التي سبقته والتي كانت تنزع الى تقديم منظومات مطلقة ومنتهية لتفسير العالم وتطوره ؟.
[3] لينين : برنامجنا، 1899 ، الاعمال الكاملة، ج 4 ص-ص : 217-218 ط الفرنسية : التسطير أصلي.
[4] انجلز : رسالة من انجلز الى ب ارنست وكونرا ادشميت : التسطير لي.
[5] ألم يعتبر لينين أن جوهر الماركسية هو التحليل الملموس للواقع الملموس ؟
[6] انظر مثلا ليسكنو الذي اعتبر أن علم الوراثة Génétique علم برجوازي مما أدى الى حظر تدريسه في الاتحاد السوفياتي.
[7] التوسير، أخيرا أزمة الماركسية في المانفسطو، السلطة والمعارضة في المجتمعات ما بعد الثورة. باريس 1973 ص ص 246-247
[8] جورج لبيكا : قاموس نقدي للماركسية ” أزمات الماركسية ”
[9] تاثير دمقرطة المؤسسات السياسية السياسية والنمو الصناعي وتعميق الاتجاهات الامبريالية على الاشتراكية الديمقراطية الالمانية خاصة في شكل بروز وتطور ارستقراطية عمالية.
[10] غلبة الفلاحين، تأخر قوى الانتاج، ضعف التقاليد الديمقراطية، اول تجربة للبناء الاشتراكي في ظل الحصار الامبريالي.
[11] فمن انتقاد الفلسفات السابقة من مادية ميكانيكية لبعض فلاسفة الانوار الى انتقاد مادية فيورباج الطبيعية naturalisme مرورا بالجدلية المثالية عند هيجل. ويكفي التذكير هنا ببعض كتب ماركس وانجلز المخصصة للنقد : ” بؤس الفلسفة ” ” العائلة المقدسة ” “نقد الاقتصاد السياسي ” مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ” الرأسمال ” ” نقد القانون السياسي عند هيجل ” الايديولوجيا الالمانية ” نقد برنامج غوتاواير فورت ” لودفيع فيورباخ ونهاية الفلسفة الكلاسيكية الالمانية ” ” ضد دوهرينج وكذا العديد من رسائل ماركس وانجلز.
[12] أطروحات حول فيوررباخ : الاطروحة العاشرة.
[13] انظر بالخصوص ” المادية ونقد المنهج التجريبي ”
[14] انظر ” تطور الرأسمالية بروسيا ”
[15] ويتساءل المرء عن دور البروليتاريا في هذه الحالة، ما دامت الازمة عامة ونهائية أي
[16] أنظر مثلا فضحه لاتفاقية ساسي-بيكو ودعمه لثورة مصطفى كمال في تركيا.
[17] أي بفعل افراغ السوفياتيات والنقابات من دورها وتحول المركزية الديمقراطية في الحزب الى مركزية بيروقراطية
[18] وهذه الصيرورة تهم ليس فقط دول المركز بل ايضا دول المحيط لكن بشكل مختلف كما سنرى ذلك في ا لتحليل.
[19] ماركس يتكلم عن : ” la contrainte économique ”
[20] انظر بالخصوص ” دور تأليه البضاعة ” festichisme de la marchandise ” حيث تبدو العلاقات الاجتماعية في الراسمالية. كانها علاقات بين الاشياء : بيع قوة العمل مقابل المال الذي يستعمل لشراء اشياء معينة.
[21] انظر تطور النزعة العمالوية ” ouvriérisme ” والاصلاحية والاقتصادية في هذه الاحزاب.
[22] ويعني بها الماركسية التي تطورت بعد الحرب في دول اوربا الغربية.
[23] حيث اصبح القطاع الثالث أهم من القطاع الصناعي.
[24] انظر lucien séve : communisme : quel second souffle ? ed : messidorfed/
ed : sociales. Paris 1990.
[25] يكون اما ضروريا لاعادة انتاج قوة الانتاج أو غير ضروري من الناحية الاجتماعية لكنه ضروري في ظل الرأسمالية.
[26] تحولها من رأسمالية تهيمن فيها الصناعة الى راسمالية تهيمن فيها الخدمات.
[27] تصل نسبة البطالة، في دول المركز الى 10% في فرنسا وتتجاوز هذه النسبة في ايطاليا واسبانيا مثلا.
[28] خاصة وأن علوم الذرة والنواة اصبحت تضع علامات استفهام على الفهم المسطح للمادة.
[29] لينين : الاعمال الكاملة ج : 14
[30] أي فهم الانحرافات نفسها كتجليات للصراع الطبقي وللمصالح المتضاربة وانعكاساتها الايديولوجية – الواعية او غير الواعية لا يهم- داخل الحركة البروليتارية نفسها، واعتبار ان فهم المادية الجدلية هو نفسه رهان من رهانات الصراع الطبقي.
[31] في التناقض : ” في الممارسة العملية ” من اين تأتي الافكار السديدة ؟ …الخ.
[32] انجلز : رسالة الى جوزيف بلوخ، 21-28 شتنبر 1890 التسطير لانجلز.
[33] بما في ذلك الإيديولوجية والسياسية وغيرها والتي يمكن أن يكون أحدها حاسما في هذه المرحلة أو تلك في هذا البلد أو ذاك.
[34] وليس فقط التناقضات الطبقية، بل أيضا التناقضات بين القوميات والاثنيات والتناقضات بين المرأة والرجل والتناقضات الطائفية والدينية ومشكل الديمقراطية وحقوق الانسان وغيرها من التناقضات التي قد تفرزها الحياة.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com