جريدة النهج الديمقراطي : كلمة العدد 228


 جريدة النهج الديمقراطي : كلمة العدد 228

يجتهد خبراء النظام في رسم صورة للوضع السياسي بالبلاد وفي تبعث رسائل الى الرأي العام الوطني والخارجي.
فكيف يبدو اليوم هذا الوضع؟ وما هي القضايا السياسية التي تستوجب التحليل والتفكيك حتى لايبقى فكرنا او نظرنا عالقا حيث اراده لنا خبراء الدولة المخزنية؟
اول صورة مركزية يراد لها ضد الانتباه، هي كذبة الاستقرار الاستثنائي الذي يعرفه المغرب، وهو ما يراد ابلاغه بالغياب الطويل للملك في زيارة رسمية او خاصة، جاب فيها بلادا افريقية عديدة . كما صادف غيابه عن المغرب مناسبة 6 نونبر تعتبرها الدولة عيدا وطنيا، يقدم فيه خطابا رسميا وهو ما تم فعلا من داكار.
ثاني صورة هي فرية التغيير في ظل الاستقرار، وهذا ما يراد ابلاغه من حالة اطالة مسرحية تشكيل الحكومة، التي تحولت الى مسلسل من حلقات ومشاهد درامية بغية شد الانتباه وخلق الانتظارات، لإعادة الحياة لمسلسل انتخابي كان باهتا و ولد ميتا. ان انتخابات 7 اكتوبر قاطعتها الاغلبية الساحقة من الشعب ليقينها بعبثية نتائجها و ألا مصداقية للمؤسسات التي ستولد عنها.
ثالث صورة هي مهزلة تطبيق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فكانت جريمة طحن الكادح محسن فكري في شاحنة الازبال بالحسيمة مناسبة مثالية ليحاول النظام المخزني الظهور كمن يحترم مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فمهد لذلك بتحويل الجريمة الى حادث بسيط وعادي، ثم القى بمسؤوليته على مجموعة من الاشخاص، تحت جرم عدم التزامهم بالمساطر القانونية او لإهمالهم لمسؤولياتهم، ليلبس في الاخير هذه المسؤولية الى 11 نفرا من الاشخاص هم في الحقيقة موظفون بسطاء، و الافظع يوجد من بينهم عاملين في شركة نظافة.وللامعان في التسفيه والحكرة اعلنت وزارة الداخلية عن نيتها في تنظيم ندوات بتقنية “ندوات عن بعد” (vidéo-conferences) من اجل توعية اعوانها حول طرق وكيفية ممارسة القمع.
تلك هي القضايا والصور التي ارادت لها الاجهزة المختصة في الدولة ان تشد الانظار وان تشكل ما يسمى المشهد السياسي. فهل حقا نجحت في ذلك؟ الجواب والرد من الجماهير كان واضحا وقاطعا ان النظام المخزني في واد والشعب في واد.
فخطاب داكار، ومسلسل بنكيران وفضيحة تعميد اخنوش كرئيس حزب ومهزلة الباس تهمة قتل محسن فكري لاكباش فداء، كانت كلها مواد نقد وفضح لأهدافها العلنية والخفية.
انظار الرأي العام المغربي كلها مشدودة الى الحسيمة مسقط رأس حركة 28 اكتوبر التي كانت انتفاضة الشباب ضد الحكرة التي احس بها الجميع عندما تم طحن محسن فكري واسماكه. تتظاهر الحسيمة اليوم ومعها العديد من المدن والقرى من اجل وقف هذا التدهور المروع الذي زجت فيه الطغمة المستبدة بشبابنا .ان المسيرات والمظاهرات الجماهيرية حملت من جديد مشعل حركة 20 فبراير لكن هذه المرة بنفس جديد وبآفاق متجددة، لأنها استحضرت المطالب العامة والخاصة بكل موقع من مواقع الحركة الاحتجاجية. وفي هذا الصدد كانت من جديد جماهير الحسيمة رائدة وطليعية وصاغت مطالبها وناقشتها في جمعها العام المنعقد بعد المسيرة الرائعة ليوم 11 نونبر.
فأمام هذا الفشل الدريع لدعاية النظام ما هي مهام اليسار اليوم؟ فقبل الجواب لابد من استحضار المبادئ الموجهة التالية:
1- ان الجماهير هي من تحرر نفسها بنفسها. والثورة من صنع الجماهير وليست قرارا تتخذه مجموعة ضئيلة او صغيرة بالنيابة عن تلك الجماهير.
2- في حركتها العفوية والتلقائية تعبر الجماهير عن كل المخزون من الحقد الطبقي وتعتمد على كل الرصيد المتراكم والمتحقق لها من خلال التجربة من الوعي الحسي او حتى الادراك العلمي لطبيعة التناقضات مع اعداءها الطبقيين وعلى هذه القاعدة وهذا الأساس تتمكن الجماهير من ابداع الاشكال التنظيمية والتعبيرية للدفاع عن مطالبها واحتياجاتها، ولذلك لا يجب معاملة الجماهير المنتفضة كقطيع جاهل او اناء فارغ يجب ملؤه بالعلم والمعرفة، ولذلك لا يجب كبح هذه الحركة العفوية او التلقائية او قمعها .
3- وبما ان تلك الحركة الاحتجاجية العفوية للجماهير هي موجهة ضد الاعداء الطبقيين، فإن هؤلاء الاعداء لن يبقوا مكتوفي اليدين بل سيسعون الى اجهاض تلك الحركة بتفجيرها من الداخل عبر اشعال فتيل التناقضات الثانوية، وهو ما سيسهل عملية قمعها باستعمال العنف الرجعي لإحداث خسائر مادية وبشرية بهدف بث الرعب والخوف.
فعلى ضوء هذه المبادئ والمنطلقات نري بأنه على اليسار و في قلبه اليسار الماركسي:
1- لكي يفوت اليسار الفرصة على العدو في استغلال عفوية الجماهير لا بد من الانخراط القوى في هذه الحركات الاحتجاجية لدعمها و لمساعدة الجماهير على بناء تنظيماتها الذاتية.
2- على اليسار ان يكون مسلحا بنظرة علمية لمختلف معطيات الصراع الطبقي و مدركا جيدا لموازين القوى بين الحركة الجماهيرية والعدو الطبقي. عليه ان يكون في مستوى اقتراح الشعارات الملائمة للمعارك الجماهيرية، شعارات تأخذ بعين الاعتبارات الاستعدادات والجاهزية الشعبية للنضال من اجل تحقيقها. ولذلك يجب ان تكون شعارات واقعية وجريئة في نفس الوقت.
3- على اليسار ان يدرك بشكل حاسم بان معضلة بناء موازين القوى تتطلب عقد التحالفات، وبناء الجبهات مع القوى المستعدة للنضال سواء من اجل مطلب واحد او مجموعة من المطالب. ومن اجل هذا النضال المشترك على اليسار ان يبني الجبهات المناسبة مع تلك القوى المختلفة. ان مثل هذه الجبهات تكون مؤقتة وخاضعة لدينامية التطور وتسمح بالتقدم الى صيغ وأشكال متعددة في العمل المشترك.
4- نظرا لواقع التشرذم والشتات لليسار فهو مطالب بتقوية ذاته وبتحصينها من وهم اصلاح النظام القائم، واليسار مطالب بالانخراط في مثل هذه الدينامية التي في خضمها سيمكنه اختبار اوضاعه التنظيمية ومعالجة اختلالاته وبالسرعة المطلوبة، وان يضع على المحك اطروحاته الاستراتيجية والتكتيكية ويقيس مدى اجابتها او لا على مجمل قضايا الصراع. ومن خلال هذه الدينامية وليس قبلها يمكن لليسار ان يتعافى من امراضه ويصبح في طليعة الكفاح الشعبي ويحظى بالهيمنة السياسية والفكرية المستحقة ويقود المراحل اللاحقة من الوضع المستجد.
5- لكي يحقق اليسار مشروعه لا بد من انخراطه الفعال والحقيقي في الدينامية الحالية و الانشغال اولا وقبل كل شيء بتحسين ارتباطه بالحركة الاحتجاجية والفعل في ديناميتها العفوية والتلقائية وليس الانكفاء على نفسه او محاولة اجهاض الحركة خوفا او توجسا من قوى لها تواجد معين وسط الجماهير. وفي هذا الارتباط سيحدث الفرز وسط كل القوى المنخرطة بما فيها اليسار نفسه، ساعتها ستبرز الطلائع الثورية الحقيقية وليست المدعية او الانتهازية. وسيكون لليسار وجه اخر ومكونات جديرة بثقة العمال والكادحين.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com