حول النزعة التحريفية


التيتي الحبيب
حول النزعة التحريفية

اصبحت تهمة التحريفية شائعة و متداولة، و لا يكاد يخلو اي نقاش بين المناضلين الماركسيين من التراشق بها.بل اصبحت تشكل حكما صارما تصدره المجموعات في حق بعضها البعض، و كل من صدر في حقه هذا الحكم بات عدوا طبقيا ستنفذ فيه عدالة الاتجاه الغير التحريفي الممتلك لشرعية ثورية مزعومة ضد العدو التحريفي، لكن الطامة الكبرى تقع عندما يحكم كل واحد على الاخر بالتحريفية، فتندلع حرب اهلية بين جميع الاطراف التحريفية.
لكن عند طرح السؤال على مناضلين اثنين من نفس التيار حول فهمهما للتحريفية غالبا ما يكون الجواب غاية في الغرابة، نتيجة ما يقدم من اجوبة يختلط فيها المزاجي بالموقف الشخصي و النفسي و ببعض مما علق لهما في ذهنهما من قراءة مضببة لمقال حول الموضوع.
هناك ايضا من يرفض الكلام عن التحريفية في الماركسية بدعوى انها ليست كتابا او نصا مقدسا، لكن مثل هذا الرأي يعتبر خاطئا لأنه لا يأخذ بعين الاعتبار وجود مبادئ مؤسسة للماركسية بدون الالتزام بها يضيع الانتماء للتوجه برمته، كما انها رؤية خاطئة لأنها تهدف الى ترك المجال مفتوحا امام كل الاطروحات باعتبارها جزء من الماركسية ولها الحق بالتواجد و التساكن و هي نظرة ليبرالية طبعا.
مساهمة مني في تقريب مفهوم النزعة التحرفية و رسم معالم هذه الظاهرة، سأحاول استعراض بعض الاسس التي يمكن اعتمادها من اجل القياس بان هذا الرأي او تلك الممارسة، او هذا التنظيم او ذاك الشخص، يعتبر حقا في عداد من سقط في التحريفية او انه اصبح تحريفيا بالكامل. و في هذا الاطار ساشتغل على مقالة لينين التي كتبها في 1908 و عنوانها الماركسية و النزعة التحريفية وهي متضمنة في المجلد الثالث من المختارات ص414 .
1- التحريفية ظاهرة حتمية في المجتمع الرأسمالي.
في المجتمع الرأسمالي يخلق تطور الرأسمالية نفسه جملة من الشروط والأوضاع تظهر فيها فئات اجتماعية متوسطة تتشكل من منتجين صغارا، يدفعون بدورهم دفعا الى الالتحاق بصفوف البروليتاريا. و هي وضعية دائمة، ولن تصل الحالة ابدا في ظل الرأسمالية الى تحويل اغلبية السكان الى بروليتاريا، و بدوام وجود هذه البرجوازية الصغيرة ستبقى الاسس الطبقية للتحريفية كتعبير طبقي على مصالح هذه الفئة المنجرة الى البروليتاريا وهي فئة متذبذبة ومتخاذلة في علاقتها بالبروليتاريا و يمكنها ان تلعب اخطر الادوار ساعة الحسم الثوري.
2- التحريفية ظاهرة عالمية
فالى جانب كونها ظاهرة حتمية نظرا لجذورها الطبقية في المجتمع المعاصر، فان الواقع المعاش في جميع البلدان الرأسمالية في القرن التاسع عشر و ما بعده برزت نماذج من التحريفية وسط الحركة الاشتراكية او الاحزاب الشيوعية و تجسدت في نوعين من التحريفية :تحريفية يمينية و تحريفية يسارية.
3- التحريفية هي شكل من اشكال الحرب طبقية داخل الحركة الشيوعية
بعد انتصار الماركسية على النظريات المعادية لها، و بعد احتلالها مكانتها الطليعية في النشاط السياسي و الفكري و قيادتها نضال الطبقة العاملة،لم تستسلم القوى الطبقية الحاملة للنظريات المعادية للماركسية ولذلك غيرت من طريقة تعاملها و هو ما حاولته عبر استعادة ادوارها و مواقعها لكن هذه المرة من داخل المنظومة الماركسية او الاشتراكية نفسها.”و هكذا بدأ النصف الثاني من القرن الأول من وجود الماركسية (بعد 1890) بنضال التيار المعادي للماركسية في قلب الماركسية”(لينين الماركسية و النزعة التحريفية).
4- جوهر النزعة التحريفية الفكري هو التخلي عن الفلسفة المادية.
اعتمدت النزعة التحريفية في حقل الفلسفة على ما سماه لينين ب<<العلم>> التدريسي البرجوازي، حيث شرع اتباعه في التنقيب فيه عن كل الذرائع ليثبتوا دحض اسبقية المادة على الفكر، و البرهنة على موت الفلسفة المادية. و هكذا استجلبوا فلسفة كانط و اتباعه الجدد،ورغم اعتناقهم الفلسفة المثالية فإنهم تخلوا حتى على الديالكتيك الهيغلي و استعاضوا عنه بالتحليل البسيط و الرتيب الذي ينفي وجود الطفرات او القفزات النوعية الثورية.
5- النزعة التحريفية تأسس للتوافق الطبقي
على نقيض خلاصات التحليل الماركسي لتطور الاقتصاد الرأسمالي تنفي النزعة التحريفية ظاهرة “تمركز الانتاج الكبير في الفلاحة وتطوره البطيء جدا في الصناعة والتجارة”.كما تؤكد هذه النزعة على دور الانتاج الصغير و تطوره كما ترى ان الازمات التي يعرفها الاقتصاد الرأسمالي هي في طريق الزوال و ان المعطيات تظهر بأنها آخذة في الندرة.على ارضية هذه الرؤية تدعو التحريفية الى اصلاح نظرية ماركس حول القيمة و الى اعادة النظر في التناقضات الطبقية واعتبار امكانية خدمة مصالح الفلاح الصغير في اطار خدمة الملاكين الكبار و البرجوازية وهي بذلك تدفع الفلاحين للابتعاد عن التحالف مع البروليتاريا.
بإنكارها للازمة البنيوية للرأسمالية تصبح النزعة التحريفية اداة في يد البرجوازية تستعملها لتأبيد السيطرة الرأسمالية و معاداة الثورة البروليتارية الرامية الى القضاء على المجتمع الطبقي. انها تتحول الى قوة التوافق الطبقي مع الاعداء.
“لقد تعدلت أشكال بعض الأزمات و تعدلت سيماؤها؛ و لكن الأزمات ظلت جزءا لا يتجزأ، جزءا محتما، من النظام الرأسمالي. فان الكارتيلات و التروستات ، بتوحيدها الإنتاج ن كانت تزيد في أي الوقت نفسه، و أمام أنظار الجميع، من حدة فوضى الإنتاج، و من تفاقم الشروط القاسية لمعيشة البروليتاريا، و من شدة طغيان الرأسمال؛ و بذلك، كانت تزيد من حدة التناقضات الطبقية إلى درجة لم يعرف لها مثيل من قبل. إن التروستات العصرية الهائلة هي التي أثبتت بصورة واضحة و على مدى واسع ، إن الرأسمالية تسير نحو الإفلاس ،سواء من حيث مختلف الأزمات السياسية و الاقتصادية أم من حيث انهيار النظام الرأسمالي كله انهيارا تاما.” (لينين الماركسية و النزعة التحريفية).
مما سلف يتضح ان النزعة التحريفية هي نزعة موضوعية لها جدور طبقية و هي ذات صبغة عالمية، و هي تهدف الى حرمان الطبقة العاملة من سلاحها الفكري و من ادوات خوضها للصراع الطبقي و انجاز ثورتها الطبقية.و محاربة التحريفية هي مهمة كبيرة و في غاية من الاهمية و سيكون من الطفولية ابتذال هذه المهمة وتحويلها الى مجال الشتائم و الزعيق الفارغ.ان الصراع مع النزعة التحريفية يتطلب وعيا قويا باسبابها وبحالاتها وبأسسها وشرح ذلك للمعنيين بها بهدف توعيتهم وبهدف دفعهم لتصحيح ممارساتهم و استخلاص الدروس من سقطاتهم.و كما ان للنزعة التحريفية تجليات متعدد سواء منها النزعة التحريفية اليسارية او اليمينية و جب خوض الصراع الموضوعي حتى لا يتم السقوط عند النقد في احد النوعين.
التيتي الحبيب
11/01/2017


 


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com