خلفيات تعويم الدرهم


بقلم: حسن الصعيب

ظاهريا ،يعني قرار تعويم الدرهم،أن خزينة الدولة تعرف عجزا مزمنا على مستوى احتياطها من الذهب .ذلك أن المغرب يحتل المرتبة الثامنة عربيا وال 56 عالميا بما قدره 22طن من احتياطي الذهب.
جوهريا ،فهو تعبير عن إحدى الاختلالات الاقتصادية الكبرى،التي تعاني منها الاقتصاديات التابعة كالمغرب.
ومن أجل إعطاء صورة واضحة،عن مضمون هذا التعويم وانعكاسه السلبي على الأوضاع المعاشية للشعب المغربي،يجدر بنا تقديم فكرة واضحة عما نعنيه بمفهوم العملة في الاقتصاد المعاصر.
سبق لعالم الاقتصاد كارل بولانيي ،أن كتب مؤلفا تحت عنوان “التحول الكبير ” وهو عبارة عن نقد جدري للنظرية الاقتصادية الليبرالية سنة 1944 عشية تأسيس النظام العالمي الجديد ،وتكمن أهميته الكبيرة ،انه كان سباقا في نقد أطروحة النظرية النيوليبرالية لصاحبها المنظر الاقتصادي الأمريكي “حايك”،والتي وجدت ترجمتها مع صعود نجم الاقتصاد الليبرالي المتوحش ،إبان حكومتي تاتشر في بريطانيا وريغان في أمريكا.
اعتبر بولانيي،أن اختراع معيار الذهب كإحدى الآليات الرأسمالية،من أجل تنظيم الأسواق ذات التنظيم الذاتي،انجازا فكريا رائعا ،لأنه ابتكار مؤسساتي،سمح لنظرية الأسواق ذات التنظيم الذاتي ،أن تجد لها موطئ قدم في الاقتصاد العالمي.
لقد أراد ليبراليو السوق أن ينشئوا عالما فيه أقصى ما يمكن من الفرص لتوسيع مجال الأسواق عالميا،ولكن كان عليهم إيجاد طريقة ،يستطيع بها الناس من مختلف البلدان وهم يستعملون عملات مختلفة،أن يعقدوا صفقات مع بعضهم بعضا.وفكروا بأنه لو استطاع بلد أن يلتزم بتلات قواعد بسيطة ،فان الاقتصاد العالمي يمكن أن تكون له الآلية الممتازة لتحقيق التنظيم الذاتي عالميا.أولها أن يحدد كل بلد قيمة عملته بالنسبة الى كمية ثابتة معينة من الذهب وأن يلتزم ببيع وشراء الذهب بذلك السعر المحدد.وثانيها أن يؤسس كل بلد مخزونه المالي الداخلي على كمية الذهب التي يحتفظ بها في احتياطه،فتكون عملته المتداولة مدعومة بالذهب.وثلتها أن يحاول كل بلد أن يعطي المقيمين فيه حرية قصوى للدخول في صفقات اقتصادية عالمية.
بفضل هذه الآلية، أصبحت الشركات المتعددة الجنسية، قادرة على تصدير البضائع وتوظيف الأموال في كل أنحاء العالم.وهي على ثقة بأن العملات التي يجنونها ستكون”جيدة كالذهب”.
يحصل في المغرب تعويم الدرهم،أولا لأن الدولة تعيش عجزا ماليا منذ عقدين من الزمن،ويتم إنفاق أموال طائلة في الخارج من طرف البرجوازية الطفيلية في الكماليات والبذخ والاستهلاك الكبير للبضائع والخدمات في الفنادق البادخة ،كما تهرب بكميات كبيرة أطنان من الذهب،الى الخارج بالاضافة الى تهريب أموال الأرباح الشركات المملوكة لعائلات برجوازية محدودة.
إن الآلية التي يخرج بها الذهب من البلاد ،تطرح عدة علامات استفهام!?
وبما أن الناس الذي يعاني من العجز ينفقون عملتهم التي يعرض منها الكثير ،ستهبط قيمتها بالنسبة للعملات الأخرى،وعندما تصل في هبوطها تحت مستوى معين يسمى “نقطة الذهب” فسيكون مربحا للبنوك العالمية أن تستبدل العملة بالذهب وتخرجه من بلدنا حيث تبيعه بسعر أعلى ،ويذلك ينتقل الذهب من بلدنا التي تعاني عجزا ماليا الى التي تنعم بالفائض منه.
ينجم عن هذه العملية،خروج الذهب من احتياطييه ليسدد الدفعات المستحقة للأجانب،فينخفض أو ينكمش بصورة آلية عرض المال والقروض داخليا وترتفع معدلات الفائدة،وتنخفض الأسعار والأجور ويقل الطلب على المستوردات ،وتصبح الصادرات أكتر تنافسية في العالم.
بعد إغلاقها الحقل السياسي،تحاول اليوم،المافيا المخزنية إغلاق الحقل الاقتصادي ،نتيجة تفجير أزمة التراكم الرأسمالي ،من خلال الاستثمار في افريقيا،وذلك بإثقال كاهل الدولة بصرف ميزانية كبيرة في مشاريع ضخمة ،ليست لها انعكاسات ايجابية على الشعب المغربي ،بقدر ما سترهن مستقبله ومستقبل الأجيال القادمة ، لعقود أخرى من التفقير الاجتماعي والثقافي ،فيما سيتم تنمية الرأسمال المفترس وتغول المافيا المخزنية.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com