إلى الأمام: صمود واستمرارية في النضال



يوم 30 غشت من كل سنة يحيي النهج الديمقراطي والمناضلات والمناضلون الماركسيون اللينينيون ببلادنا ذكرى تأسيس منظمة الى الامام المغربية. ففي مثل هذا اليوم من سنة 1970 تأسست هذه المنظمة العتيدة معلنة تعبيد طريق التغيير الثوري بقيادة منظمة ماركسية لينينية وضعت على عاتقها كمهمة مركزية المساهمة في بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة كأحد اهم ادوات التغيير الثوري ببلادنا.
وبمناسبة تخليد الذكرى الأربعين لتأسيس “إلى الأمام” سنة 2010، نشرت جريدة النهج الديمقراطي هذا التقرير الذي نقوم فيما يلي بإعادة نشره لكل غاية مفيدة.

ذكرى إلى الأمام: أربعون سنة من الصمود والاستمرارية في النضال

لماذا تخليد الذكرى الأربعين لتأسيس المنظمة الماركسية اللينينية المغربية “إلى الأمام”؟

إن تخليد الذكرى الأربعين لتأسيس منظمة “إلى الأمام” ليس لحظة حنين لماضي ذهبي بل يجب أن يكون محطة لاستشراف المستقبل على أساس القطائع والمبادئ المؤسسة لها والنظرة النقدية لتجربتها وباستحضار التطورات التي عرفها الواقع منذ تأسيسها، لذلك فإن أحسن تخليد لهذه الذكرى يتمثل في استلهام جوهر تجربتها ودروسها الغنية من أجل التقدم في الجواب على الأسئلة الحارقة التي يطرحها تطور الصراع الطبقي الآن وهنا. وهو بذلك يشكل الجواب العملي والحقيقي والعميق على الهجوم الذي تتعرض له من طرف من يريدون تشويهها بل محوها من ذاكرة شعبنا لتكريس الإحباط والاستسلام للواقع القائم من جهة، ومن طرف من يريدون تحنيطها بواسطة تقديس بعض نصوصها التأسيسية التي يتم انتقاؤها ونزعها من سياقها التاريخي من جهة أخرى.
إن إحياء هذه الذكرى يجب أن يكون بالتالي حافزا قويا لمساءلة أنفسنا حول مدى استيعابنا النقدي لتجربة منظمة “إلى الأمام” ومدى معرفتنا بواقع وتطورات التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية المغربية (أوضاع الطبقات، المضمون الاجتماعي لسياسات النظام المخزني والكتلة الطبقية السائدة وواقع مختلف القوى السياسية ووظائفها، تطورات الرأسمالية التبعية في بلادنا بارتباط بالتغيرات التي يشهدها النظام الرأسمالي العالمي…) وأيضا مساءلة ذاتنا حول مدى نجاعة وصحة خطنا السياسي والفكري وتصوراتنا للعمل وسط الجماهير الكادحة ومدى قدرة هذا الخط وهذه التصورات على الجواب على إشكالات التغيير لصالح الكادحين ومدى تجسيدنا لهذا الخط وهذه التصورات في ممارستنا اليومية والأسباب العميقة للبون الموجود بين ممارستنا وخطنا وتصوراتنا.
إن مسألة معرفة من يمثل الاستمرارية الحقيقية لمنظمة “إلى الأمام” لا يحددها التكرار الحرفي لنصوصها التأسيسية واعتبار كل من لا يتماهى معها تحريفي كما يفعل ذلك من يعتبرون أنفسهم حراس المعبد- وهم أبعد الناس عن استيعاب جوهرها- بل سيحددها من سيكون قادرا على إنجاز مشروعها أخدا بعين الاعتبار تغيرات الواقع؟ أي من سيكون قادرا على التجدر وسط الطبقة العاملة وعموم الكادحين والتقدم في صيرورة بناء تنظيمهم السياسي المستقل وتبوئه قيادة النضال من أجل التحرر الوطني والبناء الديمقراطي على طريق الاشتراكية كمهمة مركزية وحاسمة للتقدم في السيرورتين الأخريين (صيرورة توسيع وتوحيد التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير وصيرورة بناء جبهة الطبقات الشعبية).

إن النهج الديمقراطي قد أخذ على عاتقه مهمة المساهمة في إنجاز هذا المشروع العظيم بالانفتاح على كل القوى والمناضلين الذين يسعون بصدق إلى التموقع في خندق الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة وعموم الكادحين. فليكن تخليد الذكرى الأربعين لمنظمة “إلى الأمام” مناسبة ورافعة وحافزا على الاجتهاد والتسلح بمزيد من الحماس وبروح التضحية والتفاني وبالفكر النقدي لإنجاز هذا المشروع على المستويات النظرية والعملية وعلى مختلف الأصعدة السياسية والفكرية والتنظيمية والنضالية. بذلك فقط سنكون أوفياء لجوهر هذه التجربة ولشهدائها الأبرار ولرصيدها الكفاحي.

لقد عمل النهج الديمقراطي على جعل هذه السنة سنة لتخليد ذكرى أربعين سنة على تأسيس منظمة إلى الأمام الماركسية اللينينية المغربية، حيت كانت هذه الأخيرة عنوانا لكل المعارك والنقاشات التي خاضها النهج الديمقراطي في مختلف مناطق الوطن ومستويات الصراع، ومع حلول تاريخ 30 غشت 2010 الذي يتزامن وذكرى أربعين سنة على تأسيس منظمة إلى الأمام، عملت مختلف فروع وجهات النهج الديمقراطي على تخليد هذه الذكرى بحضور رفاق ساهموا من قريب في بناء هذا التجربة في مختلف مراحلها فبمدينة طنجة خلد الرفاق في الجهة الذكرى الأربعينية بحضور الرفيق مصطفى البراهمة نائب الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي والذي كان من المساهمين الأوائل في المرحلة الأولى لمنظمة إلى الأمام وكان من ابرز قيادييها في مرحلة إعادة البناء ولقد عرف هذا النشاط حضورا متميزا للإطارات السياسية التقدمية وللتيارات الماركسية، من جهة كمناسبة لنقاش هادئ ورصين أمام الجميع لتقديم آرائهم وتقييماتهم مهما اختلفت مما سيمكننا جميعا من الإلمام يجزئ من تاريخ مقاومة شعبنا. ورسم أفق بناء جبهة القوى الجذرية المتشبعة بالفكر الاشتراكي الكفاحي يكون العمل الميداني هو المحدد له. ومن جهة أخرى الوقوف وفضح الهجوم الذي تتعرض له تجربة اليسار الجديد بالمغرب اليوم من مختلف المصادر المتعددة الأشكال بهدف تشويهها عبر محاولة نزع الطابع الماركسي والثوري عنها أو تقزيمها باعتبارها تجربة شباب متهور، وتقديم التجربة كحركة بلانكية من دون جذور مجتمعية وخارجة عن المهام التي طرحها تطور الصراع الطبقي ببلادنا خلال فترة السبعينات من القرن الماضي. وقد جاء اختيار احد رموز ومناضلي اليسار الجدري بالمغرب ليفي بهذه الحاجة من خلال مساهمته التي عنونها ب: ¬ا لجذور التاريخية لليسار الجدري المغربي المسار والذكرى، حيث تطرق من خلالها إلى الإجابة عن الشروط والمحددات الداخلية والخارجية التي ساهمت في بروز الحركة الماركسية البينينية كايدولوجيا وكتنظيم ثوري بالمغرب وقد أجملها على المستوى الخارجي في الثورة الثقافية في الصين الشعبية، وانتصار خط ماوتسي تونغ داخل الحزب الشيوعي الصيني على الخط اليميني، هزيمة الجيوش الأمريكية في الفيتنام على يد الشعب الفيتنامي بقيادة الحزب الشيوعي وزعيمه هوشي مينه، انتفاضة الطلبة بفرنسا 1968 بتأثير من التنظيمات السياسية اليسارية، بروز حركة السلم العالمية المناهضة للحرب الامبريالية الأمريكية ضد الفيتنام، احتداد الحرب الباردة وظهور معسكرين، وعربيا هزيمة الجيش العربي أمام قوات الاحتلال الصهيونية سنة 1968 والتي على أثرها تم احتلال سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية والضفة الغربية وقطاع غزة وقد كانت هزيمة للأنظمة العربية وللفكر القومي العربي ومن النتائج المباشرة للهزيمة بروز اليسار الفلسطيني كبديل داخل المقاومة الفلسطينية أنداك، وعلى المستوى الداخلي كانت هناك انتفاضة 23 مارس 1965 بالدار البيضاء وما صاحبها من قمع وقتل بالرصاص الحي لإخمادها، تنامي النضالات العمالية، عمال الفسفاط والسكك الحديدية الذين خاضوا إضرابات بطولية وطويلة الأمد في استقلال شبه تام عن التنظيمات النقابية والقيادات البيروقراطية، انتفاضات فلاحية في أولاد خليفة بالغرب وبتسلطانة بإقليم الحوز، تنامي النضالات التلاميذية والطلابية وتجدرها على قاعدة شعارات سياسية مرتبطة بمناهضة النظام المغربي مند المؤتمر الوطني الثالث عشر وفشل مناظرة ايفران في احتوائها سنة 1970، هذه العوامل دفعت بالشباب الماركسي والعديد من المثقفين اللذين كانوا ينتقدون تقاعس الأحزاب الإصلاحية وفي وقت لاحق إلى انتقاد خطها السياسي الاستراتيجي إلى التحرك على شكل خلايا سواء داخل حزب التقدم والاشتراكية أو الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
هكذا ستنفصل المجموعة الأولى عن حزب التقدم والاشتراكية بعد أن يئست من إصلاح الخط السياسي للحزب من خلال النضال الداخلي مشكلة تنظيم “ا” كما ستشكل الخلايا التي تكونت بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية تنظيم “ب” في هدا الإطار تأسست منظمة “ا” التي ستعرف لاحقا بمنظمة إلى الأمام، وقد كان هذا التأسيس محكوما بظروف النشأة حيث ستتبنى الايدولوجيا الماركسية اللينينية وعلى المستوى الاستراتيجي الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية بقيادة الحزب العمالي المبني على قاعدة التحالف العمالي الفلاحي، وعلى المستوى التنظيمي ستتبنى النموذج اللينيني للحزب، منظمة المحترفين الثوريين بعد انتقادها للنضالات العفوية التي سادت خلال سنتي 1970 و1972 وعلى المستوى السياسي نقد الأحزاب الإصلاحية وجمودها، كم ستدعو إلى إسقاط النظام وثيقة سقطت الأقنعة وعلى المستوى الجماهيري سيتم التأسيس بشكل مشترك بين تنظيم “ا” و“ب” النقابة الوطنية للتلاميذ في السرية والتي ستقود النضالات التلاميذية البطولية بما في دلك السنة البيضاء 1973، وتأسيس الجبهة الموحدة للطلبة التقدميين داخل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب التي ستصل إلى قيادة المنظمة الطلابية 1972.
وفي سياق استعراض الرفيق براهمة لمختلف التباينات السياسية والفكرية التي كانت حاضرة بين كل من تنظيم “ا” و“ب” خلال تلك المرحلة فقد أوضح انه على المستوى الإيديولوجي والفكري لم تكن هناك اختلافات جوهرية بين مكونات الحركة الماركسية الناشئة أنداك حيث كان تنظيم “ا” يتبنى الخط اللينيني مع إسهامات الرفيق ماوتسي تونغ أي بناء الحزب البرولتاري على قاعدة التحالف العمالي الفلاحي، في حين كان منظمة “ب” تتبنى بناء الحزب العمالي البرليتاري، أي حزب الطبقة العاملة، مما سيدفع بالتيار الذي كان قد أعطى الأهمية القصوى للفلاحين وعلى الخصوص فكر ماو سينشقون وسيعرفون فيما بعد ب”لنخدم الشعب” سنة 1971، أما باقي الاختلافات الجوهرية الأخرى فقد تركزت حول التقديرات السياسية للمرحلة حيث انه غداة الاعتقالات الأولى التي شملت أعضاء الكتابة الوطنية من إلى الأمام منهم عبد الحميد أمين، علي أفقير، عبد اللطيف اللعبي،… وبعد حضر الاتحاد الوطني لطلبة المغرب واعتقال رئيس المنظمة الطلابية آنذاك الرفيق عبد العزيز المنبهي من تنظيم “ا” ونائبه عبد الواحد بلكبير من تنظيم “ب” وبعد هذه التطورات سيختلف التنظيمين حول قراءة الظرفية مع ما لدلك من تبعات على مستوى الممارسة السياسية، حيث ستعتبر منظمة إلى الأمام ومن خلال وثيقة الظرف السياسي الراهن والمهام العاجلة سنة بان القمع 1973 القمع المسلط على الحركة والذي يلجا إليه النظام ليس دليل قوة بل هو تعبير عن الضعف الذي يعانيه وستدعو إلى التصعيد كما سيتم اعتبار بان الحزب يولد تحت نيران العدو، وستصدر وثيقة لنبني الحزب تحت نيران العدو وستعتبر بان الأحزاب الإصلاحية أنداك أصبحت فقط أدوات يلجا إليها النظام للتنفيس عنه عند احتداد الصراع الطبقي في حين سيعتبر تنظيم ب بان القمع السلط من طرف النظام دليل على قوته ولا يمكن من واصلة الصراع في ظل اختلال موازين القوة ولذلك لابد من الحفاظ على الأطر وكوادر التنظيم، وهو ما سوف تنتقده منظمة إلى الأمام باعتباره خط داخلي كما سيتخلى تنظيم ب عن الدعاية والتحريض وعن تنظيماتها القاعدية والمتعاطفين معها وسيتوقف العمل الوحدوي، كما أن الاعتقالات ستستمر غداة المسيرة الخضراء وستشمل العديد من كوادر المنظمة وأبراهام السرفاتي وعبد اللطيف زروال الذي سيستشهد على اثر التعذيب الذي مورس عليه في 14 نونبر 1974 ثم في مرحلة لاحقة ما تبقى من القيادة الفاكهاني عبد الفتاح، المشتري بلعباس، لكن الخلايا التي سلمت من القمع ستستمر في حمل المشعل، بعد هذا الاستعراض طرح الرفيق براهمة سؤالا عن ما هي الدروس العبر ومختلف التقييمات التي ستبرز.
في سياق إجابته عن السؤال السابق اعتبر بأنه إذا كانت الحركة الماركسية أصيلة ونتيجة احتداد الصراع الطبقي في المغرب، وإذا كان أطرها ومناضلوها قد قدموا تضحيات جسام تقاس بقرون من الاعتقال والسجن التي وزعها عليهم القاضي افزاز في محاكمة 1977 فانه لابد من استخلاص الدروس والعبر.
أولا لم تستطع الحركة بحكم النشأة في وسط الشبيبة طلبة وتلاميذ من تجاوز هده الفئات الاجتماعية والانغراس وسط الكادحين من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء بل إن الحركة لم تعر للعمل النقابي أدنى اهتمام ضمن اكبر مركزية نقابية أنداك على الصعيد الإفريقي الاتحاد المغربي للشغل وبقية محاولات الارتباط بالطبقات الأساسية في التغيير بقية محدودة. نموذج الارتباط بالفلاحين بمنطقة الخميسات بتاطير وقيادة بنزكري، وحضور نقابي في المكتب الوطني للكهرباء بقيادة زعزاع
ثانيا التركيز على التحريض بدل التوجه نحو الدعاية الطويلة النفس، والاستهانة بقوة النظام والمبالغة في قدرة المناضلين على الصمود خلال الاعتقال والتعذيب حيث تم إصدار كراس كيف نتجاوز القمع كان يحث المناضلين على الصمود حتى الشهادة وعدم البوح بأسرار التنظيم خلال التعذيب وفترة الاعتقال
ثالثا التركيز على الإستراتيجية في غياب تكتيكات عملية ملموسة تنمي وتطور قدرة النضال لدى الجماهير حيث أن ما كان سائدا هو الدعاية لما هو استراتيجي للتميز عن الأحزاب الإصلاحية، المغالاة في نقد الأحزاب الإصلاحية وعدم التمييز بين قيادتها اليمينية والتيارات الراديكالية والثورية بها التي ستبرز كحركة 3 مارس والتي لم تسلم من النقد حيث تم اعتبارها مجرد حركة بلانكية.
رابعا: المغالاة في تدقيق الإستراتيجية الثورية، الحديث عن الحرب الشعبية الطويلة الأمد، وعن البؤر الثورية، القواعد الحمراء المتحركة والعديد من القضايا ذات البعد الاستراتيجي البعيد من دون الاستناد إلى معطيات تطور الصراع الطبقي العام بالمغرب وقوة وتوسع الحركة، إضافة إلى إدخال الأطر العمالية في السرية مما أدى إلى عزلهم عن مجال عملهم الطبيعي وسط الجماهير مع ما لذلك من تبعات اجتماعية على العائلات
وقد اعتبر بان مرد هذه الانزلاقات إلى تصورين كانا سائدين رغم أنهما لم يبرزا في أدبيات ووثائق الحركة لكنهما كانا رائجين.
1- الشبيبة المدرسية كطليعة تكتيكية.
2- تصور أن الثورة على الأبواب وما على المناضلين سوى الاستعداد والتأهب.
كل هذا كان، في ظل غياب حزب ثوري وجبهة للعمل، كما سجل الرفيق البراهمة انه بالمقابل لكل هده الأخطاء وفان هده الحركة الثورية المكافحة والصامدة أعطت أملا للشباب بإمكانية التغيير وجعلته يؤمن بان افقآ آخرا ممكن وأن الإصلاح والاستبداد ليس قدرا حتميا على الشعب المغربي، وما يحسب للحركة أيضا هو أنها لم تنخدع بالانقلابين العسكريين واعتبرتهما تعبيرا عن انفجار التناقضات والفئات الحاكمة داخل النظام، في ظهر في ما بعد بان بعض القوى الإصلاحية ربما كانت على علم بما يدبر وراهنت عليه، وهو ما فسر انتظاريتها وركودها في انتظار حسم هذه الأمور.

بعد هذا العرض الهام والذي ارتأينا أن نعرض جزءه المتعلق بالتجربة الأولى، بشيء من التفصيل، من جهة لان هذا الجزء من تاريخ الحركة الماركسية اللينينية المعطيات المتوفر بشأنه ضعيفة ولإمداد المناضلين ووضع جزء هام من تاريخ الحركة ومنظمة إلى الأمام على الخصوص في متناولهم، تم بعدها فتح النقاش أمام الحضور الذي عبر من خلاله جميع المتدخلين، على تحية الرفاق في النهج الديمقراطي بطنجة على إتاحتهم هذه الفرصة لمناقشة إحدى القضايا الهامة المرتبطة بجزء من تاريخ الحركة الماركسية بالمغرب والشعب المغربي، وقد كان النقاش غنيا حول قضايا الايدولوجيا الماركسية وحول القاعدة الطبقية للحزب الثوري، وانتهى اللقاء في ساعة متأخرة بعد منتصف الليل. بترديد شعارات لنا يا رفاق لقاء غدا سنأتي ولن نخلف الموعدا ونشيد زروال زروال يا أيها الشهيد.
وفي نفس السياق خلد الرفاق بجهات الدار البيضاء الكبرى هذه الذكرى بعرض من تأطير الرفيق المصطفى براهمة تحت عنوان: “من منظمة إلى الأمام إلى النهج الديمقراطي : التأسيس، الامتداد، الاستمرارية ” إذ أكد الرفيق في البدء على أن هذه التجربة هي ملك لليسار وللقوى الديمقراطية والحركة السياسية المغربية وللجميع الحق في قراءتها واستخلاص الدروس منها كما أشار إلى أن دراسة هذه التجربة بشكل دقيق لازالت تحتاج إلى مزيد من الوقت لأن ثوراتها وإنتاجها الفكري والسياسي لازال في طور التجميع إذ سيعمل النهج الديمقراطي على نشر كل والوثائق المتوفرة وكذا البحث عن المزيد من الوثائق التي لم تسمح ظروف القمع من المحافظة عليها لهذا الغرض عقد الرفيق لقاء بأحد أطر المنظمة بالخارج ألا وهو الرفيق الحاج ناصر الذي يحتفظ ببعض أرشيف المنظمة.
وبعد ذلك حاول الرفيق تأطير الظروف التي ساهمت في نشأة المنظمة سوى على المستوى الدولي أو المحلي في إرتباطها بحركة التحرر وبعد تسليط الضوء على هذا الجانب تطرق الرفيق إلى المرحلة الأولى من تأسيس المنظمة وعرض معالمها والإنتاج الفكري والسياسي الذي تبلور في هذا الخضم ليعرج فيما بعد على الضربات القمعية التي ستتعرض لها المنظمة ليتم بعد ذلك التمهيد لمرحلة ثانية من نضال المنظمة من داخل وخارج السجن وقد أوضح الرفيق براهمة بان هده المرحلة يمكن مقاربتها من خلال العديد من المفاتيح
1 – النضال داخل السجن حيث كان على أعضاء الحركة النضال على ثلاثة مستويات
الاستمرار في التعبير عن مواقفهم من النظام والحركة الجماهيرية ومن الأوضاع السياسية.
2 – النضال من تحين أوضاعهم داخل السجون، من خلال الاضربات عن الطعام بدعم من حركة العائلات (الأبناء، الأمهات، الزوجات…) وقد كان لهذه الحركة تأثيرا قويا في دعم المعتقلين وهي ما عرفت بحركة عائلات المعتقلين السياسيين، إضافة إلى دعم الحركة الحقوقية بالخارج آنذاك “امنستي” وسيؤدي الرفاق ثمن هذا النضال غاليا، استشهاد الرفيقة سعيدة ألمنبهي بتاريخ 12 دجنبر 1977 بعد 45 يوما من الإضراب عن الطعام…
3 – النضال من اجل محاكمتهم، والتهيىء خلال المحاكمة للتعبير عن القضايا التي اعتقلوا من اجلها والدفاع عن الخط السياسي لمنظمة إلى الأمام وتحويل المحاكمة إلى محاكمة للنظام، وهو ما سيتحقق من خلال إطلاق سراح بعضهم 105 من المعتقلين من الفصائل الثلاثة خلال أواخر سنة 1976، ومحاكمة الباقي سنة 1977 في جو من القمع والإرهاب وصلت الأحكام إلى المؤبد زائد سنتين وقد شملت هذه الأحكام تلاميذ وطلبة في سن 16 و17 سنة.
مستوى أخر أو مفتاح أخر كما سماه الرفيق براهمة، هو النقاش الدائر داخل السجون وحيث اشر بان السجن أتاح فرصة للتقييم والنقاش حول الحركة والتصورات المرتبطة بالتنظيم خاصة بعد تجميع المعتقلين، وقد برزت خلال هده النقاشات ثلاث وجهات نظر:
الرأي الأول يعتبر بان تأسيس الحركة الماركسية كان حدثا ورغبة ذاتية لبعض المثقفين الشباب المتحمس للتغيير، وأن الانسحاب من الأحزاب السياسية التي انتمى إليها الرفاق كان خطا كذلك ودعت إلى حل الحركة والعودة للنضال داخل هذه الأحزاب وبالخصوص الاتحاد الاشتراكي آنذاك وكان احد أقطاب هذا الرأي الرفيق المشتري بلعباس احد أعضاء الكتابة الوطنية لمنظمة إلى الأمام.
الرأي الثاني يعتبر بان الشروط الموضوعية لم تنضج بعد لتأسيس حزب الطبقة العاملة، وان الطبقة العاملة لم تنضج بعد ويتعين حل منظمة إلى الأمام والذهاب للعمل كأفراد وانتظار توفر الشروط ونضجها حينها ما على الجميع سوى الالتحاق بهذه الصيرورة، وتزعم هدا الرأي الرفيق عبد الله زعزاع عضو الكتابة الوطنية آنذاك.
الرأي الثالث اعتبر بان الرأيين السالفين يشكلان طرح تصفوي للمنظمة ولتاريخها وصمود مناضليها ولتراكمات التجربة واعتبرت بان الخطأ الجوهري الذي ارتكبته التجربة تمثل في اعتمادها وتركيزها على الشبيبة المدرسية، وان المهام المطروحة اليوم هي إعادة بناء المنظمة على قاعدة التجدر وسط الطبقة العاملة وعموم الكادحين والعمل على توحيد الحركة الماركسية اللينينية المغربية، والمسامة في بناء حزب الطبقة العاملة على قاعدة انصهار الطلائع العمالية والمناضلين الماركسيين اللينينيين، وكان هدا الرأي الذي تبناه اغلب الرفاق واطر للمنظمة بالسجن وبالخارج، وقد شكل هذا التقييم أرضية لعملية إعادة البناء وستنطلق عملية إعادة البناء، إلا أن الرفاق الذين لم يكونوا متفقين مع هذا الرأي سيلجئون إلى تجميد عضويتهم، وسيتم اعتبارهم منسحبين من المنظمة.
عملية إعادة البناء على المستوى السياسي أولا عبر رد الاعتبار للأطروحات الأساسية للمنظمة حول بناء الحزب البرولتاري ونقد تصور الشبيبة المدرسية طليعة تكتيكية، والدعوة إلى التجدر والعمال، ثانيا نقد أطروحة الثورة على الأبواب وعدم التدقيق في القضايا ذات الطابع الاستراتيجي والاقتصار فقط على مفهوم العنف المنظم وترك التدقيق في هذه الأمور إلى حين نضج الشروط الموضوعية لنضال الشعب المغربي على ارض الواقع، التركيز في نقد الأحزاب الإصلاحية على القيادة لإنضاج الشروط أمام التيارات الجذرية داخلها وهو الأمر الذي ساعد على ظهور رفاق الشهداء وحزب الطليعة لاحقا، بلورة مواقف تكتيكية بخصوص الموقف من الصحراء ونقد نظرية الثورة في المغرب العربي التي تجعل من قضية تقرير المصير قضية مركزية، تم اعتبار هذا الموقف موقف مبدئي وليس استراتيجي وبل تناولت المنظمة تأثيرات الحرب على الجماهير وستناهض الحرب بالصحراء.
تنظيميا الاستناد إلى الخلايا التي ظلت قائمة واستمرت في النضال رغم انقطاع التواصل مع القيادة التي كانت داخل السجن ومنهم من تم اعتقالهم وتعرضوا لأبشع أنواع التعذيب بالمعتقلات السرية الرباط وقلعة مكونة… من أمثال الرفيق النظراني والصحراوي والحريزي… الذين لم يقدموا إلى المحكمة.
محاولة ثانية من اجل بناء المنظمة بشكل سري من طرف مناضلين من إلى الأمام و23 مارس ومناضلين صحراويين وهي المجموعة التي عرفت بمجموعة مكناس الذين سيتم إطلاق سراحهم بعد ثلاث سنوات من الاعتقال على أساس أن تتم محاكمتهم ولم يحاكموا إلى اليوم، وفي العمل الجماهيري تأسيس الطلبة القاعديين مند 1976 بالضبط بالمدرسة المحمدية للمهندسين وعلى قاعدة فكرتين رئيسيتين 1 – نقد المؤتمر الخامس عشر باعتبار المقررات الصادرة عنه هي مواقف تفوق منظمة طلابية وهي لحزب سياسي اقرب إلى ذلك. ونقد فكرة هيكلة المنظمة الطلابية بشكل سري ودعت إلى تأسيس فصيل طلابي إلى جانب قوى الإصلاح الموجودة ب ا وط م، وقد تم اختيار اسم الطلبة الديمقراطيين إلى أن يتم التراجع عنه وإطلاق اسم الطلية القاعديين من طرف الحلافي بوجمعة للتميز آنذاك عن الفصيل المرتبط بمنظمة العمل الديمقراطي الشعبي إضافة إلى الخلايا التي أسست الطلبة القاعديين استمرت الخلايا بالجنوب والشمال وهذه الخلايا هي التي ستباشر عملية إعادة البناء، وستتطلب عملية البناء العمل بمقولة التجدر وسط العمال ونقل الخلايا الطلابية للعمل وسط العمال وتوقيف الاستقطاب وسط الطلبة وهو ما آثار ردود فعل وانتقادات من طرف بعض الأطر الطلابية التي كانت ترغب في الالتحاق بالنضال في المنظمة، إعادة الاعتبار للعمل النقابي داخل المركزيتين النقابيتين ا مش و”ك د ش” بعد أن كانت المنظمة قد اعتبرتها نقابة انشقاقية خاصة بعد النضالات التي خاضتها سنوات 1979 و1980.
وبعد الندوة الوطنية لمنظمة إلى الأمام سنة 1983 بالدار البيضاء ستساهم القيادة الجديدة في بلورة تكتيكات جديدة، العمل داخل الأحياء الشعبية للاستفادة من الإمكانيات التي أبرزها الشباب خلال انتفاضة 1981 بالبيضاء عشية الإضراب العام الذي دعت إليه نقابة “ك د ش” كما سيتم الاستفادة من دور الشباب عبر تأسيس جمعيات في الأحياء والعمل الجمعوي (دروس التقوية ومحاربة الأمية)، المساهمة في بناء حركة نسائية وبناء حركة حقوقية مناضلة حيث سيعمل مناضلي إلى الأمام بعد خروجهم من السجن إلى الالتحاق بالجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي كان على رأسها الاتحاديون
داخل الحركة الطلابية ستطرح المنظمة إعادة بناء الفصيل القاعدي وهيكلة اوطم من خلال وجهة نظر التي سميت بالكراس، بناء تيار نقابي داخل المركزيات النقابية، لكن أهم إبداع في تلك المرحلة كانت فكرة النضال الديمقراطي ذي الأفق الثوري، والاستفادة من الإمكانيات التي يوفرها العمل العلني لبلورت تيار ديمقراطي واسع وكان التفكير في جريدة علنية وقد تم الحصول على وصل الإيداع القانوني تحمل اسم الطريق كان سيقودها الرفيق أفقير علي لكن بعد اعتقاله للمرة الثانية سنة 1981 وستترك بعد ذلك للرفاق في حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي وسيعمد رفاق منظمة إلى الأمام إلى إصدار مجلة الأفق كما ستستمر مجلة إلى الأمام في الصدور بالخارج وإدخالها إلى المغرب، وكذلك نشرتي الشيوعي والكادح بشكل سري.
كما أوضح الرفيق براهمة أن هذا الزخم التنظيمي وهذا الهم المتواصل في البناء السياسي والتنظيمي وتطويره ومحاولة فتحه على أوسع المناضلين الجذريين والشعب المغربي وإضافة الأفكار التي كانت الاعتقاد بأنها تجيب أكثر على شروط وظروف الصراع الطبقي ولكن هذه الإضافات لم تمنع من ارتكاب أخطاء فادحة مثل:
• سيادة الارادوية أي المبالغة في الدعوة إلى الاحتجاج حتى لو لم تكن شروطها متوفرة خاصة بمدينة الدار البيضاء وفي الأحياء مما ساهم في كشف العديد من المناضلين واعتقالهم فيما بعد.
• الحركية المفرطة والمستمر ساهمت في إنهاك التنظيم ولم توفر الوقت للتكوين أمام المناضلين وتصليبهم بغرض جعلهم قادرين على التكيف مع متغيرات الصراع الطبقي.
• العودة إلى التحريض المفرط باستعمال وسائل مختلفة، منها التوقيعات المموهة مثل توقيع بأبناء الشعب الكادح، الثوريون المغاربة وبعد الاعتقالات التي مست المناضلين القاعديين وبعض المناضلين، سيتمكن العديد من الأطر إلى الهروب نحو الخارج، وبعد انتفاضة يناير 1984 بمراكش وشمال المغرب الحسيمة وتطوان، طنجة، وتحميل النظام المسؤولية لمنظمة إلى الأمام الشيء الذي اعتقدت معه قيادة المنظمة أن الوقت مناسب للاستثمار السياسي والإعلان عن مسؤوليتها في هذه الأحداث، من خلال بيان أصدرته المنظمة تؤكد فيه مسؤوليتها، والأمر الذي كان–في رأي براهمة – خطا فادحا، حيث مباشرة بعد ذلك سيتم اعتقال أعضاء القيادة سنة 1985 وسيستشهد الرفيق التهاني أمين تحت التعذيب في 6 نونبر1985، ورغم الاعتقالات استمرت المنظمة في النضال والنشاط بالخارج والداخل، خلال هذه الفترة تمت بلورة فكرة الاختراق الديمقراطي أي انه في ظل أوضاع الاستبداد بالمغرب وفي ظل هذه العتمة، يمكن النضال من اجل تحقيق بعض المكاسب الجزئية بالنضال اليومي على ارض الواقع، كما انه ستطرح المنظمة برنامج للجبهة لأنها أصبحت تؤمن بأنها ليست معنية بالثورة لوحدها، وكان برنامج الجبهة برنامجا ثوريا وبإمكانه أن يجمع العديد من الأطراف حوله، ويجيب على اغلب الإشكالات التي يطرحها المجتمع بما في ذلك مسالة الخصوصية أي الجهوية، ولأول مرة سيتم إعطاء بعد أخر إلى الصراع الطبقي وهو النضال ضد التهميش.

– التجربة الثالثة:

وستبدأ بعد إطلاق سراح الرفاق من السجن في 22 يوليوز 1994، حيث سيعقدون اجتماعهم الأول بعد أسبوع من إطلاق سراحهم، وسيدعون إلى المشاركة في عملية التجميع التي كانت أنداك، وحتى تأسيس حركة سياسية علنية التي ضمت مناضلين من الحركة الطلابية واطر من الإطارات الجماهيرية والمتعاطفين مع منظمة إلى الأمام، وهي حركة النهج الديمقراطي، وبعد دلك انتزاع مكسب القانونية، وعقد مؤتمرين.

وعلى إيقاع دينامية إحياء ذكرى أربعين سنة على تأسيس منظمة إلى الأمام خلد الرفاق بالجهة الشرقية بمدينة تازة هذه الذكرى بحضور الرفيق عبد الله الحريف الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي وأحد الاطر البارزة لمنظمة إلى الأمام الذي قدم عرضا حول التجربة تحت عنوان: ”من منظمة إلى الأمام إلى النهج الديمقراطي: النشأة، التطور والآفاق” ولقد تم إفتتاح الذكرى بكلمة الكاتب الجهوي للجهة الشرقية الرفيق حسن عريض الذي أكد على أنه بالرغم من القمع الوحشي الذي ووجهت به منظمة إلى الأمام على امتداد تجربتها، فلقد استطاعت الاستمرار والتطور والتجدد على مدى أربعين سنة. وفي معرض حديثه عن التناقض الرئيسي الذي يحبل به واقع بلادنا، شدد الرفيق على ضرورة العمل على بناء المجتمع الاشتراكي، الأمر الذي يستوجب، في الفترة الراهنة، تكثيف الجهود من أجل تجسيد الشعار الذي طرحه المؤتمر الوطني الثاني “من أجل بناء قيادة حازمة للنضال التحرري الديمقراطي ذي الأفق الاشتراكي”، لأنه في غياب هذه القيادة، لن يتمكن النضال الجماهيري من إرساء الشروط الموضوعية والذاتية لإحداث التحول الجذري المنشود.
بعد ذلك، أسندت الكلمة للرفيق الكاتب الوطني عبد الله الحريف، الذي انطلق في بداية العرض، وبعد الإشارة إلى صعوبة القيام بتقييم شمولي وموضوعي للتجربة العامة لمنظمة إلى الأمام، انطلق من التأكيد على أن عملية الانتقال من إلى الأمام إلى حركة النهج الديمقراطي جاءت كمحصلة لسيرورة معقدة تداخلت في رسم ملامحها الأساسية مجموعة من الظروف الموضوعية والذاتية.
كما أكد على الاستفادة من تقييم تجربة إلى الأمام (1970_1995)، ومن تحليل مستجدات الوضع السياسي للشروع في عملية تأسيس النهج الديمقراطي، ووضع أسسه السياسية والفكرية والتنظيمية. فالنهج الديمقراطي يعتبر إذن استمرارا لهذه التجربة.
وقد وضح الرفيق ما معنى الاستمرارية من خلال التأكيد على أن ما هو أساسي هو الحفاظ على جوهر التجربة، وليس تقديسها، وأن أي تجربة غير قابلة للاستنساخ، ما دام من غير الممكن فصلها عن السياق التاريخي الذي تبلورت فيه.
فالاستمرارية، بقدر ما تعني الاستمرار في الحفاظ على ثوابت التجربة، تعني كذلك – وفي مستوى ثان- الاستمرار في نقد وتطوير تلك التجربة.
فما هي هذه الثوابت؟
في سبيل الإجابة عن هذا السؤال، عمد الرفيق إلى عرض مختلف القطائع والمبادئ التي تشكلت على أساسها منظمة إلى الأمام، والتي تكون الأساس الذي انبنى عليه النهج الديمقراطي، ومن أهمها:
– إعادة الاعتبار للماركسية التي أفرغتها التحريفية من محتواها، والنظر إليها كمنهج للتحليل، وكنظرية للتغيير الثوري، وليس كمقولات جامدة.
– التأكيد على فشل الحزب الشيوعي المغربي في انجاز مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة، وعلى ضرورة بناء مثل هذا الحزب، لقيادة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي ذي الأفق الاشتراكي.
– التأكيد على أن النظام المخزني غير قابل للإصلاح، وأن التناقض الرئيسي في بلادنا، هو بين الكتلة الطبقية السائدة وحليفتها الامبريالية من جهة، ومختلف الفئات والطبقات الشعبية، وعلى رأسها الطبقة العاملة من جهة ثانية.
– إحداث القطيعة مع الفكر السياسي للحركة الوطنية التي تبني إستراتيجيتها على التوافق مع المخزن، وتعمل، تبعا لذلك، على توقيف النضال الجماهيري وإجهاضه .
– إحداث القطيعة مع الفكر الشوفيني للحركة الوطنية، والموسوم بالنزعة الوطنية الضيقة، والتعصب (قضية الصحراء، قضية الأمازيغية )
– تكريس ثقافة الصمود والمقاومة والتفاني في مختلف الوجهات، مع التسلح بروح المبادرة والاجتهاد وتقييم الأخطاء ومحاسبة الذات على النحو الذي لا يبرر التراجع، بل يعمل على تقديم الفعل النضالي .

أما في ما يتعلق بالمستوى الثاني الذي يحيل عليه مفهوم الاستمرارية، والمتمثل في الاستمرار في إغناء التجربة، فقد تطرق الرفيق عبد الله الحريف إلى بعض الاجتهادات التي تبلورت أثناء عملية إعادة بناء منظمة إلى الأمام (1979-1985)، والتي لامست العديد من القضايا، منها ما له ارتباط بالعمل السري والعمل العلني، وهنا طرحت منظمة إلى الأمام ضرورة بناء تيارات ديمقراطية ذات أفق ثوري كتيارات علنية في القطاعات الجماهيرية الأساسية (حركة الطلبة القاعديين /العمل في الأحياء الشعبية )، وطرحت فكرة إصدار جريدة علنية تشكل لسان حالها. وبالفعل أصدرت عدة مجلات مثل ” المقدمة”. كما عملت على إعادة صياغة الموقف من الشبيبة المدرسية باعتبارها طليعة تكتيكية، والانسحاب من القطاع الطلابي، الأمر الذي ترتب عليه سيادة الفوضى النقابية وضعف ثقافة التنظيم .
كما أشار الرفيق إلى بعض الاجتهادات التي تبلورت على امتداد هذه التجربة، بما في ذلك، تلك التي تمت بلورتها من طرف النهج الديمقراطي، والتي لها صلة بمجموعة من القضايا منها:
– مسألة الهوية : وفي هذا السياق، انتقد الرفيق التروتستكية التي تناضل على أساس برنامج الأممية الرابعة، ولا تأخذ بعين الحسبان خصوصيات المجتمع المغربي الثقافية والدينية.
مسألة حسم السلطة : وفي هذا الإطار، تمت الإشارة إلى التغير الذي طرأ على موقف منظمة إلى الأمام، والمتمثل في كون أن الثورة في المغرب ستكون على شاكلة الثورة الصينية. وهكذا، وبالاستناد إلى مستجدات الواقع، تم التخلي عن مفهوم حرب التحرير الشعبية الطويلة الأمد بقيادة الحزب الشيوعي وتحالف الطبقة العاملة والفلاحين، واستلهام التجربة الساندينية.
مسألة الجهوية : وفي ما يخص هذه المسألة، أكد الكاتب الوطني على ضرورة الاطلاع على تصور النهج الديمقراطي الذي ينظر إلى الجهوية باعتبارها مسألة مرتبطة بالديمقراطية، وينطلق من تحليل عميق لواقع التشكيلة الاجتماعية المغربية، وهذا بخلاف تصور النظام الذي تتحكم فيه المقاربة الأمنية، ويعمل على تسخير الجهوية لإيجاد حل لمعضلة الصحراء…
وبعد ذلك، عمل الر فيق على تقديم مجموعة من الإضاءات حول عدد غير قليل من المفاهيم من قبيل : الإصلاحية/الثورية، الإستراتيجية/التاكتيك…، كما أثار بعض القضايا التي لها ارتباط بهوية التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين، وشدد على ضرورة العمل من أجل أن تتوفر للجماهير أدوات الدفاع الذاتي المستقل، سواء قبل أو أثناء أو بعد إنجاز التغيير الثوري المنشود.
ولقد ختم الرفيق الكاتب الوطني عرضه، بالإشارة إلى أن النهج الديمقراطي ينفتح على كافة الماركسيين للعمل وفق السيرورات الثلاث : سيرورة بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين كمهمة حاسمة، – سيرورة بناء جبهة الطبقات الشعبية، – سيرورة بناء التنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير، وذلك لشق الطريق نحو إنجاز مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي ذي الأفق الاشتراكي.
ولقد تلا العرض نقاش مستفيض، تمحور بالأساس حول هوية العلاقة التي تربط حركة النهج الديمقراطي بتجربة إلى الأمام …، وفي سياق ردوده على تساؤلات بعض المتدخلين، نبه الرفيق عبد الله الحريف إلى ضرورة العمل على استبصار الحقائق عن طريق التحلي بالموضوعية وعدم الانسياق وراء الأحكام المسبقة والآراء الجاهزة… .
ونشير في الأخير إلى أن أنشطة الذكرى تم تخليدها بمجموعة من الفروع الأخر كتزنيت ومدينة جرادة العمالية والمحمدية والجديدة والرباط …
..وبهذا نقول أن هذه التجربة صارت ملكا لجميع المناضلات والمناضلين الجذريين المخلصين لقضايا شعبنا، وملكا للشعب المغربي ذي التاريخ الحافل بعدة أشكال من النضال والمقاومة والصراع الطبقي والعديد من الأشكال التنظيمية المرافقة لذلك، الشيء الذي لا يشفع لبعض المتطاولين والمتطفلين قراءة التجربة بهدف المزايدة السياسوية في الوقت الذي لا يقدمون شيئا لتحرير شعبنا من قيود الاستغلال ويكتفون بالتعليق على الأحداث أو الخطابة في أحسن الأحوال.
+- إن دروس إلى الأمام ومعها باقي فصائل اليسار الجديد كثيرة جدا ومن هنا ضرورة الإنكباب على دراستها والاستفادة منها وعدم تكرار أخطائها، هذه الدراسة التي يجب أن تكون موضوعية وتتجنب منزلقين خطيرين:
— تقديس التجربة وتحنيطها وذلك بعدم ربطها بالظروف والواقع الذي جرت فيهما.
— تبخيس أو تسفيه أو ابتذال أو تمييع أو تصفية التجربة
ففي الحالتين معا سيكون الخاسر الأكبر هو مستقبل اليسار.
+- إن ممارسة النهج الديمقراطي وأغلب مواقفه الحالية تجد أسسها في ممارسة ومواقف ووثائق إلى الأمام وفي استمراره في تبني الجوهر الحي للماركسية.
أما بعد.. فإن الشهداء والمقاومين والمناضلين المخلصين لا يمكن أن يكون مثواهم ومستقرهم الأخير إلا في أفئدة الجماهير االمناضلة وفي ضمير ووجدان هذا الشعب العظيم وأما الانتهازيين والوصوليين والمهرولين إلى عتبات القصر فإلى مزبلة التاريخ.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com