شهادة أمام هيئة الحقيقة والكرامة


  • هذا جزء من شهادتي أمام هيئة الحقيقة والكرامة اليوم
    كنت سنة 1972 تلميذا في المعهد الثانوي للذكور بصفاقس شعبة رياضيات وكنت أقيم في القسم الداخلي مع مجموعة من التلاميذ قدمنا من المعهد الثانوي بجربة رأت الوزارة آنذاك أن تلحقنا بالمعهد المذكور نضرا لقلة عددنا .
    في تلك السنة و في شهر فيفري وصلتنا أنباء عن الاضطرابات الحاصلة في الجامعة نتيجة التدخل العنيف لقوات البوليس بعد محاولة عقد مؤتمر الاتحاد العام لطلبة تونس يوم 5 فيفري 1972
    علمنا وقتها أنه في بداية شهر فيفري 1972 احتشد بكلية الحقوق بتونس ما لا يقل عن 4000 طالب لعقد المؤتمر الاستثنائي للإتحاد العام لطلبة تونس نظرا لأن المؤتمر 18 لم ينه أشغاله إلا أنه وقبل تلاوة البيان الختامي للمؤتمر، تدخلت ميليشيا الحزب الحاكم، تساندها فرق النظام العام مما أدّى إلى مواجهات دامية بين الطلبة و قوات البوليس تم على إثرها إيقاف أكثر من 900 طالب.
    في شهر جوان 1972 اجتزت امتحان الباكالوريا بنجاح لكن في نفس الأسبوع توفي والدي رحمه الله ولم أتمكن من الفرح بهذا النجاح الكبير, كانت في ذلك الوقت تذبح الذبائح و تقام الولائم بمناسبة التحصل على شهادة الباكالوريا. بالعكس شعرت بحزن شديد حتى أنني لازمت المنزل طيلة العطلة الصيفية تارة أساعد جارا لنا كان قد كلفه شقيقي بحفر فسقية و تارة أخرى أقرأ كتبا و مجلات جلبها شقيقي من العاصمة بعدما أتم دراسته حتى أنني عندما علمت بتوجيهي إلى فرنسا لدراسة طب الأسنان كان الوقت قد فات ولم أتمكن من استخراج الوثائق الضرورية للسفر فتم توجيهي إلى شعبة الطب

    التحقت بكلية العلوم بداية السنة الدراسية 72-73 وكانت السنة التحضيرية في تلك الفترة تدرس في كلية العلوم.
    كان الحراك الطلابي على أشده نتيجة لما حدث في السنة التي سبقت. في البداية دهشت لمناخ الحرية الذي كان سائدا في الجامعة عكس ما كانت عليه الأمور في المعهد الثانوي للذكور بصفاقس . لكنني سرعان ما انخرطت في هذا الحراك فكنت أحضر مختلف الاجتماعات العامة و حلقات النقاش التي كانت تنظمها القيادات الطلابية من أجل عزل الهياكل النقابية المنصبة من طرف السلطة ومقاطعة انتخاب هيئات الفروع التي كانت تسعى إلى تنظيمها

    في منتصف شهر جانفي 1973 حضرت أول اجتماع عام كبير في كلية الحقوق طرح فيه برنامج للخروج من أزمة العمل النقابي يتمثل في انتخاب هياكل نقابية مؤقتة (هيئات فروع ، مكاتب فيدرالية و لجنة جامعية مؤقتة) تكون اللجنة الجامعية المؤقتة الناطق الرسمي والوحيد باسم الاتحاد العام لطلبة تونس إلى حين انجاز المؤتمر الاستثنائي باعتبار أن المؤتمر الثامن عشر لم ينهي أشغاله

    وافق وزير التربية آنذاك محمد مزالي على هذا المشروع، وبعث بمنشور لعمداء الكليات يطلب منهم السماح بتنظيم انتخابات الهياكل النقابية المؤقتة، لكن و أمام الفوز الساحق الذي حققه الطلبة اليساريون في هذه الانتخابات قرر سحب الاعـتراف باللجنة الجامعـية المؤقتة، وأخضعت السلطة العـديد من الطلبة للتجنيد الإجباري. كما أحيل الكثيرون عل مجالس التأديب مما أدى إلى حدوث فراغ كبير في الهياكل النقابية المؤقتة فانضم إليها العديد من الطلبة الجدد كنت أحدهم

    كنا في كلية العلوم مجموعة متناسقة من المناضلين والمناضلات نقوم بنشاط مكثف داخل الكلية و المبيتات الجامعية خاصة مبيتي رأس الطابية و باردو 2 و استطعنا أن نفرض سيطرتنا شبه المطلقة على الكلية بفضل التفاف الجماهير الطلابية حولنا , وصل الأمر إلى حد أن الطالب الدستوري أصبح لا يتجرأ على الكشف عن انتمائه الحزبي. أتذكر, في هذا الإطار, أنه تم اكتشاف وجود طالب دستوري بين الطلبة فتم احتجازه في قاعة وكاد الأمر أن ينتهي إلى كارثة.
    في أوت 1973 أحيل عدد كبير من الطلبة الناشطون في منظمة آفاق- العامل التونسي على محكمة أمن الدولة أدى إلى حدوث فراغ كبير فاقترح علي الانضمام إليها مع العديد من المناضلين الجدد .

    التحقت بكلية الطب في بداية السنة الجامعية 74-75 وانضممت إلى اللجنة الجامعية المؤقتة وبدأت النشاط رفقة مجموعة من المناضلين. كثفنا الاتصال بالطلبة وعقدنا اجتماعات عامة كلما استجد أمر وكنا نؤكد على أهمية أن تكون علاقتنا جيدة سواء مع الإدارة أو مع الأساتذة وكذلك عدم التخريب أو المس بالمرفق العام وكذلك عدم القيام بإضرابات مفتوحة
    كنا نناقش في الاجتماعات العامة وفي حلقات النقاش, المشاكل النقابية’ المشاكل التي تعيشها البلاد نتيجة الطبيعة اللاشعبية واللاديمقراطية للنظام
    كنا نناضل من أجل اتحاد عام لطلبة تونس ديمقراطي مستقـل, من أجل تعـليم ديمقراطي وجامعة شعـبية, من أجل قضية فلسطين وكافة حركات التحررالعـربية والعالمية.
    كنا ملهمين بالثورة الفلسطينية وبالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحديدا وكنا نقرأ مجلة الهدف. كنا معجبين بتشي جيفارا و مسيرته الثورية. كنا نسترق السمع لإذاعة تيرانا تتحدث عن المد الثوري وهو ينمو ويترعرع
    كنا نسمع عن تجربة التوباماروس في الأورقوي وعن الثورة في ظوفار. كنا نعيش حالة رومنسية ثورية لا يمكن وصفها.
    في شهر فيفري سنة 1975 تم اعتقال عدد من المناضلين من بينهم محمد الكيلاني وكنت قد آويته لبعض الوقت في غرفتي بالمبيت الجامعي عندما كان مطاردا من طرف البوليس بعد محاولة اعتقاله مع المناضلة بهيجة الدريدي في حادثة البلفدير الشهيرة التي تم فيها استعمال الرصاص لأول مرة.
    قررنا الدخول في السرية التامة والتجأنا في البداية إلى مزرعة بجهة الفحص عرفت لاحقا أنها كانت على ملك محمد شنيق وبعد مدة قصيرة رجعنا إلى العاصمة نتنقل من مكان إلى آخر إلى أن التقيت بالمناضل سالم البريكي الذي كان ينشط ضمن تنظيم سري آخر اسمه على ما أضن “التجمع الثوري للقوى الوحدوية” فاقترح علي العمل كحارس ليلي في نزل كان يعرف مالكه يقع في نهج هولندا قرب ساحة برشلونة بالعاصمة. استسغت الفكرة لأن البوليس لا يمكن أن يتوقع أن أحد المطلوبين يعمل في نزل في قلب العاصمة وتحت أنظار وزارة الداخلية.
    ذات ليلة، وحوالي منتصف الليل دخل النزل شخص كان في حالة سكر شديد فقام بتهشيم واجهة النزل وقاعة الاستقبال مما استوجب تدخل الشرطة. طلب مني الأعوان مرافقتهم إلى المركز كشاهد. أصابني خوف شديد وترددت في الذهاب معهم لكن الأمور تمت بسلام فرجعت مسرعا للنزل وجمعت الأغراض القليلة التي كانت بحوزتي وغادرت إلى مكان آخر. علمت فيما بعد أن الشرطة حاصرت النزل في الصباح الباكر بعد أن تفطنوا إلى هويتي الحقيقية.
    بعد مدة قصيرة وفي شهر أكتوبر 1975 أصدرت محكمة أمن الدولة حكما غيابيا بسجني لمدة 5 سنوات فقررت الذهاب إلى ليبيا وعبرت الحدود ليلا مشيا على الإقدام من بنقردان إلى رأس جدير رفقة المناضل سالم البريكي.
    التحقت بأحد أقاربي بمنطقة تبعد حوالي 20 كم غرب طرابلس
    بعد مدة التحقت بشركة للتنقيب على النفط وعملت فيها حوالي التسعة أشهر قمت خلالها باستحضار أوراقي وشهادة ترسيم من كلية الطب بتونس وكانت عملية معقدة نوعا ما
    التحقت بكلية الطب بطرابلس لإتمام الدراسة.
    في العام 1977 التحقت بالإذاعة الليبية قسم اللغة الفرنسية بعد أن قمت بدورة تدريبية قصيرة وفي سنة 1981 انضممت إلى التلفزة الليبية قسم اللغة الفرنسية.
    كانت هذه التجربة ثرية جدا بالنسبة لي يطول الحديث عنها أجريت خلالها العديد من المقابلات الصحفية مع عدد من قادة العالم وزعماء حركات التحرر الذين كانوا يتوافدون على ليبيا في ذلك الوقت.
    في سنة 1984 غادرت إلى فرنسا لاستكمال دراستي في تخصص أمراض القلب و الشرايين في كلية الطب بنانسي في شرق فرنسا
    في شهر أكتوبر من سنة 1988 وبعد 13 عاما قضيتها في المنفى الإجباري قررت العودة إلى أرض الوطن بعد أن تمتعت بالعفو العام وكنت قد تحصلت للتو على شهادة التخصص في أمراض القلب والشرايين
    التحقت بقسم القلب بمستشفى شارل نيكول لمعادلة شهادتي وبعد سنة ورغم الإغراءات الكبيرة فضلت الرجوع إلى مدنين والعمل في القطاع العام. كانت أصداء الثورة الصينية ومقولة “الأطباء الحفاة” ما زالت تتردد في أعماقي
    التحقت بالمستشفى الجهوي بمدنين في ماي 1990 وبدأت في تركيز قسم لأمراض القلب والشرايين
    الذي بدأ في استقبال المرضى في شهر سبتمبر من نفس السنة لكن ظروف العمل كانت غاية في الصعوبة، كان القسم الوحيد في كامل الجنوب الشرقي وكنت أعمل فيه بمفردي وعلى مدار الساعة.
    كانت المنظومة الصحية العمومية في الجهة بمجملها وبالأخص فيما يتعلق بالعنصر البشري في حالة يرثى لها. كان هناك طبيب واحد لكل3887 مواطن بينما كان في سوسة في ذلك الوقت على سبيل المثال طبيب لكل 1373 مواطن
    أمام هذا الوضع المزري انخرطت في النقابة الجهوية لأطباء الصحة العمومية والصيادلة وأطباء الأسنان وأصبحت كاتبها العام فقمت بالعديد من التحركات من اجتماعات عامة ووقفات احتجاجية ولوائح ومقالات صحفية وقمت بإعداد تقرير مفصل عن وضع القطاع في الجهة وقدمته إلى السلطات المعنية
    كان هذا النشاط يزعج السلطة فبدأت بإثارة المشاكل خاصة فيما يتعلق بظروف العمل وبالارتقاء المهني لكن الإطار الذي كان يقع ضمنه هذا النشاط وهو الاتحاد العام التونسي للشغل وفر لي بعض الحماية، إلا أن القشة التي قسمت ظهر البعير هي موقفي من الانتخابات الرئاسية لسنة 2009 فلم أكتفي بعدم مساندة بن علي بل أمضيت على نداء مساندة للأستاذ احمد إبراهيم صدر على صفحات جريدة الطريق الجديد بتاريخ 23 أكتوبر 2009.
    في ديسمبر 2010 شاركت بفاعلية في الاحتجاجات والتظاهرات التي اندلعت بداية من 17 ديسمبر
    وفي أكتوبر 2011 ساهمت في إنجاح الانتخابات كعضو في الهيئة الفرعية للانتخابات بمدنين.


  • الدكتور لعروسي ورشفني

Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com