عبد الرحمان النوضة: كــيــف نُــصـلـح الــتّــعـلـيــم؟

فهرس هذه الوثيقة :

1) تشخيص أبرز مظاهر أزمة التعليم بالمغرب..

2) مقدّمات منهجية قبل الكلام عن إصلاح التعليم

3) تساؤلات أوّلية حول إشكالية إصلاح التعليم

4) الإصلاح رقم 1: مشكل مجّانية التعليم العمومي.

5) الإصلاح رقم 2: منع تدخّل الحكومة في تحديد مضامين المواد المُدَرَّسَة.

6) الإصلاح رقم 3: توفير إمكانية قانونية لطرد المُدرِّسِين الرّديئين.

7) الإصلاح رقم 4: مشكل المُدَرِّسِين (والإداريّين) الذين لا يحترمون حِيّاد التعليم

8) الإصلاح رقم 5: مشكل العلاقة بين الدّين والتعليم العمومي.

9) الإصلاح رقم 6: عقلنة الأولويات في استعمال اللغات الأجنبية.

10) من يقدر على إصلاح التعليم؟

11) خاتمة. photo-ecole-ce1

1 – شخيص أبرز مظاهر أزمة التعليم بالمغرب

أهم مظاهر تخلّف التعليم العمومي بالمغرب هي التالية:

1) منذ عدّة عُقود، تـتـناقص باستمرار جودة التّـعليم في المدارس العمومية (بالمقارنة مع حاجيات التنمية الشّاملة). وتُصبح الأجيال المتلاحقة من التلاميذ والطلبة أقلّ قدرة على مسايرة مستوى التطوّرات العلمية، والتكنولوجية، والثـقافية، الجارية عبر بلدان العالم المتقدّمة.

2) بدلا من أن يساعد التعليم العمومي على الحصول على شغل مُرض، تتزايد نسب المتخرّجين من التعليم الذين يبقون عاطلين خلال أمد طويل، أو يصبحون غير مؤهّلين لأي تشغيل مُرض.

3) تتـزايد أعداد التلاميذ والطلبة الذي يغادرون مختلف أسلاك وشعب التعليم، دون الحصول على شواهد، ولا على تكوين مُرض، يؤهّلهم للحصول على شغل سارّ.

4) يَشْتَكي المشغِّلون والمقاولون من غياب تلاءم مُرض بين التكوين الذي تُوفّره منظومة التعليم العمومي، وبين التكوين الذي تحتاجه المؤسّـسات الاقتصادية (في مختلف مجالات الفلاحة، والصناعة، والمالية، والخدمات، وغيرها).

5) ضَعُفَ تكوين التلاميذ والطلبة إلى درجة أنه، في حالة عدم حصولهم على شواهد، أو على شغل مُرض، لا يجد هؤلاء التلاميذ أو الطلبة، داخل أنفسهم، المؤهلات المحفّزة الـلازمة لكي يبادروا إلى تدبّر تشغيل أنفسهم بأنفسهم.

6) تَوَسَّعَ التكوين الدّيني وتَعمّق في مؤسّـسات التعليم العمومي إلى درجة أنه أصبح طاغيا على التكوين العلمي. كأن المهمّة السرّية للتعليم العمومي غدت هي تكوين فقهاء في الدّين، وليس تكوين مهندسين، وعلماء، وأطباء، وخبراء، وتـقنيّين، ومبتكرين، وفنّانين، وغيرهم.

7) اِستغلّ النظام السياسي القائم نفوذه، وحوّل المدارس العمومية إلى آلة ضخمة للدّعاية السياسية (propagande)، تُروّج أيديولوجيات هذا النظام السياسي، وتُحاول أن تنـقش في أدمغة التلاميذ والطلبة القاصرين الإيمان بالأطروحات السياسية لهذا النظام السياسي (على شكل «تلقين ثوابت الأمّة»). وتُحاول تربيتهم على الخضوع، والخنوع. فتتحوّل هكذا المدارس العمومية، من مؤسّـسات للتّعليم، وللتّكوين، وللتّربية، إلى آلة لإخضاع وتدجين الأجيال الجديدة المتعاقبة.

8) انتشار وتكاثر المُدرّسين (والإداريين) المتورّطين في استغلال سلطتهم داخل أقسام المدارس لِتَرْويج أيديولوجيات إسلامية أصولية متعصّبة، وذلك في مجمل أسلاك وشعب التعليم العمومي، من الابتدائي، إلى الإعدادي، إلى الثانوي، وحتّى إلى الجامعي. ونتيجة هذه الظاهرة هي هيمنة الأيديولوجيات الإسلامية الأصولية على المواد المدرّسة، وعلى عـقول الأجيال المتعاقبة من تلاميذ وطلبة. الشيء الذي يهدّد مستقبل المغرب، ويعرّضه لخطر اندلاع حرب أهلية مدمّرة، على غرار ما حدث في بلدان أخرى، مثل أفغانستان، وباكستان، والعراق، وسوريا، ولبنان، والصومال، والسودان، واليمن، ومصر، والجزائر، وليبيا، ومالي، إلى آخره. حيث أن نفس الأسباب (هيمنة الأيديولوجية الإسلامية الأصولية)، تنتج نفس النتائج (الحرب الأهلية).

2 – مقدّمات منهجية قبل الكلام عن إصلاح التعليم

قبل الكلام عن إصلاح التعليم، ولتلافي أيّ سوء تفاهم، يجب تدقيق بعض المفاهيم، وتوضيح مناهج التفكير:

1) ما هو التعليم ؟ نُعرّف ”التعليم“ بكونه منظومة مجتمعية، يُفترض فيها أنها تهدف إلى إتـقان تمرير المعارف، والمهارات (بما فيها مَلَكَات التفكير، والإنتاج، والنّـقد، والابتكار، والتدبير)، من الأجيال السابقة، إلى الأجيال اللاحقة.

2) ما هي مهمة التعليم العمومي؟ مهمّة التعليم العمومي، ليست هي الدّعوة إلى دين محدّد، ولا هي الدّفاع عن مذهب ديني معيّن، ولا هي ترسيخ مشروعية النظام السياسي القائم، ولا هي الدّعوة إلى أي فكر سياسي أو أيديولوجي محدّد؛ وإنما مهمّة التعليم هي: تعليم القراءة، والكتابة، والحساب، والمنطق، والعلوم الدقيقة (sciences exactes)، والعلوم المُجتمعية، والآداب، والفنون، والاقتصاد، والفلسفة، والثـقافات الكونية، والمهارات المهنية، والتكنولوجيات، وتـقنيات الإنتاج، وما شابهها. وفي مجال القُدرات الذّاتية للمُتمدرسين، يرمي التعليم إلى تنمية ملكة التّـفكير، والحسّ النّـقدي، وتفعيل الذّكاء، وتشجيع الإبداع، وتلقين التثـقيف الذّاتي. وغاية التعليم العمومي، هي تكوين مواطن عَالِم، كُفْء، مثـقّف، حُرّ، مستـقل، مُبادر، مُنتج، ومتضامن، ومُسلّح بمناهج علمية، ويقظة، ومُبدعة، وناقدة.

3) من هم الفاعلون الذين يتدخّلون في التعليم ؟ أبرز هؤلاء الفاعلين هم:

الدولة (ومن خلفها النظام السياسي القائم). [ويظهر، إمّا أنهما لا يريدان، وإمّا أنهما لا يقدران، على إصلاح التعليم، وذلك منذ عشرات السّنين الماضية].

الهيئات المُدرّسة (من معلمين، وأساتذة، وإداريين). [وتنـقص نسبة هامّة منهم الكفاءة، أو الإرادة، أو الفعالية، أو الاهتمام، أو التثـقيف الذّاتي المتواصل].

نقابات المدرّسين. [وقد غرق جزء منها في تـقاليد نقابية ضيّقة، وأحيانا انتهازية. ويـقتصر بعضها على الدفاع عن المطالب المادية للمدرّسين، ولو كانت هذه المطالب مبالغ فيها بالمقارنة مع الإمكانات الاقتصادية الضعيفة للبلاد، ولو كانت على حساب طبقة المُسْتَغَلِّين. وبعض هذه النقابات لا يهتمّ بما فيه الكفاية، بالمساهمة في النضال من أجل الدفاع عن جودة التعليم، التي هي أهم مصلحة من بين مصالح التلاميذ، والطلبة، وكذلك عامّة الشعب].

المُتَمَدْرِسُون (من تلاميذ وطلبة)؛

النظام الاقتصادي القائم (بأنماط الإنتاج القائمة والمتداخلة فيه).

– ثم عموم المجتمع الواسع (بمختلف مكوّناته الاقتصادية، والسياسية، والنقابية، والجمعية، والثـقافية، والجهوية، والدّينية، إلى آخره).

4) تَبعًا لما سبق عرضه، تأتي مشاكل التعليم، ولو بدرجات متفاوتة، من هؤلاء الفاعلين الذين يتدخّلون في التعليم. ولا يمكن إصلاح التعليم إلاّ من خلال إصلاح وتـقويم مجمل هؤلاء الفاعلين المذكورين أعلاه.

3 – تساؤلات أوّلية حول إشكالية إصلاح التعليم

قبل الشروع في اقتراح أي برنامج لإصلاح التعليم العمومي، يجب تدقيق المفاهيم والمبادئ التي نستعمل، وتوضيح المنهج الذي نفكّر به، وطرح بعض التساؤلات العامة التالية:

1) من أين يأتي تخلّف التعليم العمومي؟ هل يأتي من قلّة الموارد المالية المرصودة له؟ هل يأتي من كونه مجانيا (مثلما يروّج البعض)؟… في العمق، يوجد ترابط جدلي بين نوعية منظومة التعليم القائمة، ونوعية النظام السياسي القائم. وعليه، فأزمة التعليم، هي مظهر من مظاهر أزمة النظام السياسي القائم. وفي إطار نظام سياسي متخلّف، أو مستبد، أو فاسد، يمكن أن نضاعف عدد المدرّسين، كما يمكن أن نضاعف الميزانية المالية المخصصة للتعليم، لكن هذه الإجراءات لن تنجح في تحويل هذا التعليم إلى تعليم مُعمّم، وجيّد؛ بل سيبقى هذا التعليم متخلّفا إذا نحن لم نغيّر، في نفس الوقت، النظام السياسي القائم. وكمثال، لا يمكن تحقيق منظومة تعليمية شبيهة بالتعليم الموجود في السويد، أو فنلندا، أو ألمانيا، أو كندا، داخل بلدان مثل المغرب، أو الجزائر. كما أن منظومة تعليم مشابهة لمنظومة التعليم القائمة في المغرب، أو الجزائر، لا يمكنها أن توجد في السويد، أو ألمانيا، أو كندا.

2) هل يمكن إصلاح التعليم في إطار النظام السياسي القائم ؟ هذا أمر صعب، أو شبه مستحيل. لأن هذا النظام، وعلى ما يظهر، لا يريد، أو لا يقدر، منذ عقود متوالية، على تحسين جودة تكوين أجيال التلاميذ والطلبة. بل يُصرّ هذا النظام السياسي على استعمال المدارس العمومية كآلة ضخمة للدّعاية (propagande)، يستعملها بهدف التلاعب والمناورة بعقول التلاميذ والطلبة.

3) هل يمكن إصلاح التعليم بالأشخاص المدرّسين الحاليين؟ في الواقع، نسبة هامّة من الأشخاص المدرّسين الحاليين يفتـقرون إلى الكفاءات اللازمة، ولا يقبلون بأن يستبطنوا داخل وجدانهم الحوافز المعنوية، أو الأخلاقية، أو العلمية، الضرورية للنّهوض بجودة التّدريس.

وتشهد معظم العائلات (التي تراقب أبنائها) أن مستوى جودة التعليم في المدارس الخصوصية (المُؤدّى عنها) هو أحسن من مقابله في المدارس العمومية (شبه مجانية). لكن الغريب هو أن أغلبية المدرّسين في المدارس الخصوصية هم، في نفس الوقت، مُدرّسون في المدارس العمومية (أو أنهم جاؤوا منها). الشيء يعني أن السبب الرئيسي في أزمة التعليم العمومي يكمن في قضايا تنظيم الموارد البشرية، وتدبيرها، وتحفيزها، ومراقبتها، ومحاسبتها، بالصّرامة اللازمة.

4) من بين أهمّ الإشكالات المطروحة في مجال علاقة التعليم بالاقتصاد، نستعرض الإشكالات التالية :

هل يوجد تلاءم مُرض بين التّكوين الذي توفّره مؤسّـسات التعليم، والتكوين الذي تحتاجه المؤسّـسات الاقتصادية (في مجالات الفلاحة، والصناعة، والمالية، والخدمات، إلى آخره) ؟ وهل تستطيع حقّا المقاولات الخصوصية الحالية تشغيل كل خريجي التعليم العمومي؟ وهل يمكن إصلاح التعليم في إطار نوعيّة التفاعل الحالي بين مؤسّـسات التعليم، والمنظومة الاقتصادية، كما هي في الواقع الحالي (داخل المغرب)؟ وهل يجوز حقًّا إخضاع تكوين التلاميذ والطلبة لحاجيات المشغّلين، والمقاولين, والمستـثمرين، دون مراعاة حاجيات هؤلاء التلاميذ والطلبة، كمواطنين في طور التّكوّن، ودون مراعاة حاجيات عموم الشعب ؟

وعلى خلاف بعض الأطروحات المُروَّجة، إذا رفعنا مستوى تكوين المتخرّجين من مؤسّـسات التعليم، فإن المنظومة الاقتصادية، بطبيعتها الحالية، لا تقدر بالضرورة على تشغيل مجمل هؤلاء المتخرّجين من التعليم. وتبعية المغرب الحالية (dépendance) للمراكز الإمبريالية (اقتصاديا، وسياسيا، وثقافيا)، لا تساعد على إصلاح التعليم وتنميته. ولا تهتمّ غالبية البرجوازية الوطنية سوى بالرّبح السّهل، والسّريع، ولا تنشغل بما فيه الكفاية بالاستثمار في ميادين الإنتاج الاستراتيجية الأساسية والضرورية. ولا تـقبل هذه البرجوازية الوطنية الالتزام بمستلزمات العقلانية المُجتمعية، والعدالة المُجتمعية. ولا تقبل بما فيه الكفاية تشغيل أطر من مستويات متوسّطة وعالية. ولا تـقبل العمل بِ «تفويض جزء من مسؤولياتها» (délégation de pouvoir) لـلأطر العليا التي تشغّلها. ولا تتحمّل القيام بجهد اقتصادي طويل النفس. ولا تـقبل المراهنة على المهندسين، وعلى الأطر التـقنية، وعلى البحث العلمي، والتكنولوجي، وعلى الابتكار، وعلى عقلية الجَوْدَة، وعقلنة منظومة الإنتاج، وعلى تشييد الأسـس الضرورية للمنافسة النّاجحة والطويلة الأمد.

––– ❊ –––––– ❊ –––

ونـقدّم في ما يلي، سِتَّة اقتراحات عملية ومفصّلة لإصلاح التعليم العمومي بالمغرب.

4 – الإصلاح رقم 1: مشكل مجّانية التعليم العمومي

تشخيص مشكل مجانية التعليم العمومي، ومشكل التضارب بين التعليم العمومي والتعليم الخصوصي :

على خلاف التصريحات الرّسمية المُطَمْئنة، التي يدلي بها بعض كبار موظفي الدولة، حول ”التعليم العمومي“، دخلت الدولة، منذ سنوات، في دينامية مخفيّة، و متدرّجة، تهدف إلى إخضاع ”التعليم العمومي“ للنظام الليبيرالي الرأسمالي، عبر برمجة تحقيق الأهداف التالية:

أ) إلغاء مجانية ”التعليم العمومي“، عبر استعمال المبرر المخادع، الذي يقول ب «إعفاء أبناء العائلات الفقيرة من الأداء، وفرض الأداء على أبناء العائلات الميسورة». ومن بعد، ستعمل الدولة، من سنة إلى أخرى، على تقليص أعداد العائلات المعفية من الأداء، إلى أن تصبح هذه الأعداد عديمة الأهمية.

ب) فرض أداء رسوم على التلاميذ والطلبة، تكون في البداية رخيصة، لتسهيل قبولها. ثم تتصاعد قيمة هذه الرّسوم، من سنة إلى أخرى، إلى أن تصبح مرتفعة، وقريبة من أثمان ”التعليم الخصوصي“.

ت) إفراغ أعداد متزايدة من المدارس العمومية، وبيع عقاراتها إلى المنعّشين العقاريين، وإلى الرأسماليين، لكي يستفيدَ موظفو الدولة الكبار ممّا سَيُتِيحُهُ هذا البيع من غشّ في الصفقات، ومن مناسبات للارتشاء الهائل. وقد أفرغت الدولة المئات من المدارس العمومية؛ وإلى حدود نهاية سنة 2016، برمجت الدولة بيع عقارات قرابة 500 مدرسة عمومية.

ث) الاتّجاه التدريجي نحو تعويض ”التعليم العمومي“ بِ ”تعليم خصوصي“ رأسمالي، ومُؤدّا عنه [مثلما فعلت الدولة سابقًا في مجال الصحة والتطبيب]. وتؤدي صيرورة إخضاع التعليم إلى الرأسمالية، على مدى متوسّط أو بعيد، إلى حرمان معظم أبناء العائلات الفقيرة، من إمكانية دخول المدرسة، وكذلك الجامعة. ويرى جزء من الطبقات السائدة أن أبناء الطبقات المُسْتَغَـلَّة والمهمّشة لا يحتاجون إلى معرفة كبيرة؛ بل منهم من يعتبر أن حصول أبناء المُستغَـلِّين أو المهمّشين على تعليم متقدّم، أو جامعي، يهدّد استقرار النظام السياسي القائم.

وترى الدولة تَفَاقُم رداءة التعليم العمومي، وتعرفها. لكنها لا تريد، إلى حدّ الآن، إصلاح التعليم العمومي. لأنها تعتبر، في سرّية وجدانها، أن تدهور أوضاع التعليم العمومي، يـفيد برنامجها الخفيّ، الرامي إلى إكراه العائلات على تسجيل أبنائها في مدارس خصوصية (مُؤدّى عنها). فيحدث هكذا تعويض تدريجي ”للتعليم العمومي“ من طرف ”التعليم الخصوصي“، الرّأسمالي، والمُؤدّى عنه. وهذا التحوّل يدخل ضمن عملية توسيع الرأسمالية المتوحّشة، وتعميقها، وتقويتها، وتوسيع هيمنتها على مجمل أنشطة المُجتمع وحاجيّاته.

واليوم في المغرب، يوجد قرابة 12 في المئة من مجموع التلاميذ في مدارس خصوصية. وقد تحوّل التعليم في مدارس وجامعات خُصوصية، إلى ملاذ للعائلات الميسورة نسبيا (وهي العائلات التي تستطيع أن تؤدّي للتعليم الخصوصي ما يتراوح بين 600 و 1200 درهم في الشهر لكلّ طفلة أو طفل). وتدرك هذه العائلات الميسورة رداءةَ التعليم العمومي، وتبحث عن تعليم بديل جيّد لأبنائها، لإنقاذ مستـقبلهم المهني من الضياع، وذلك رغم ثـقل النـفقات المالية الباهظة، التي تؤدّيها هذه العائلات شهريًّا، وهي مُكرهة، مقابل استفادة أبناءها من هذا التعليم في مؤسّـسات خصوصية.

وتلجأ معظم العائلات الميسورة، إلى بعث أبنائها، بأعداد متنامية، تُعدّ في كلّ سنة بعشرات الآلاف، إلى مدارس وجامعات في بلدان أوروبا الغربية، وأمريكا الشمالية، لاستكمال تكوينها الجامعي. وتفضح هذه الظاهرة عجزَ دولة المغرب على توفير التكوين الجامعي اللاّزم لمجمل الأطر العليا التي تحتاجها البلاد. ونسب هامّة ومتزايدة من الشبّان والشابّات المغاربة الذين يدرسون في الجامعات الأجنبية، لا يعودون إلى المغرب، أو لا يستـقرّون فيه. كأن المغرب الفقير، ينجب الأبناء، ثم يربّيهم، ثم يُنفق الأموال الضخمة على تكوّينهم، ثم يهديهم بالمجّان إلى البلدان الإمبريالية الغنية ([1]). وهذا انحراف غير مقبول.

معالجة إشكالية مجانية التعليم العمومي، ومشكل التضارب بين التعليم العمومي والتعليم الخُصوصي:

لنتساءل: لماذا تحتاج الدولة إلى التخلّص من نـفقات التعليم العمومي؟ الجواب: لأنها تُوَجِّه أجزاء هامّة، بل متزايدة، من الضرائب المحصّلة، إلى تمويل رفاهيّة الحاكمين، وإلى الإنفاق على الأجهزة القمعية المتضخّمة (من جيش وبوليس)، وإلى تأدية أجور حشود مبالغ فيها من الموظفين غير المنتجين. كما تـقدّم الدولة أجزاء متنامية من هذه الضرائب المُحصّلة إلى الطبقات السّائدة في المجتمع، وإلى الفئات الغنية المهيمنة، وذلك على شكل مساعدات، أو تسهيلات متنوّعة، وعبر طرق غير مباشرة، أو مستـترة، أو ملتوية، أو معقّدة. وتُوَجِّه الدولة هذه الأموال (المحذوفة من تمويل الخدمات العمومية) إلى خِدمة الحكّام، والمقاولات الكبرى، والفاعلين الاقتصاديين الكبار. لأن جشع الرأسماليين يدفعهم إلى توسيع سيطرتهم على كل الموارد والثروات الموجودة في المجتمع. كما يدفعهم طمعهم إلى تسخير الدولة لخدمة الرأسماليين الكبار وحدهم، أو أكثر من غيرهم.

فتغدو الميزانيات المالية النسبية المخصّصة لتمويل الخدمات المُجتمعية (مثل التعليم العمومي، والصحة، إلى آخره) غير كافية. بل تصبح الدولة أكثر فأكثر ميّالة إلى تقليص هذه الحصص النسبية المخصّصة لميزانيات الخدمات المُجتمعية (مثل التعليم العمومي، والصحة). وهذا التخفيض (في الميزانيات المُخصّصة للخدمات المُجتمعية) هو سلوك متحيّز، وظالم، لأنه يخرق العَقْد المُجتمعي القائم بين الشعب والدولة (ولو كان هذا العقد غير مكتوب). بل يتناقض هذا التخفيض مع الدستور، ويتنافى مع ”العدالة المُجتمعية“.

ولا يُقبل من أحد أن ينسى، أو أن يتناسى، أن مبرّر وجود الدولة، في الأصل، هو توفير خدمات مجتمعية عمومية لمجمل الشعب (مثل خدمات التعليم، والصّحة، والنقل العمومي، والقضاء، والأمن، والبنيات التحتية، إلى آخره). وقد قبل الشعبُ تشريع، وتقرير، وتحصيل، الضّرائب (المباشرة وغير المباشرة)، وذلك بالضبط لتمكين الدولة القائمة من تمويل هذه الخدمات العمومية، أو المجتمعية.

وعليه، ستصبح الدولة متناقضة مع نفسها حينما تفرض ضرائب متنوعة على الأفراد، وعلى العائلات، وعلى الفاعلين الاقتصاديين، وحينما تعمل (هذه الدولة)، في نفس الوقت، من أجل التخلّص من الأعباء المالية التي يحتاجها توفير خدمات مُجتمعية (مثل التعليم العمومي).

والملاحظ أن الحجم الإجمالي للضرائب التي تؤدّيها العائلات الشعبية الكادحة يـتـراوح بين قرابة 25 و 50 في المئة من مدخول هذه العائلات، وذلك حسب حجم هذا المدخول المعني. ومن بين الضرائب التي يؤدّيها الأجراء بالمغرب، يكفي التذكير بضريبتين فقط: الأولى هي ”الضريبة على القيمة المُضافة”، وتبلغ قرابة 20 في المئة من ثمن كل بضاعة أو خدمة يشتريها هؤلاء الأجراء، أو العائلات. والضريبة الثانية هي ”الضريبة العامة على المدخول”، وتُـقْـتَـطَـعُ عند المنبع من الأجرة، وتـتـراوح بين قرابة 20 و 40 في المئة من المدخول، وذلك حسب حجم هذا المدخول المعني.

فلا يُعقل، ولا يُقبل، أن يؤدّي الشعب مرّتين: أي أن يؤدّي مرّة أولى ضرائبَ متنوّعة (قد يتراوح حجمها الإجمالي ما بين 25 و 50 في المِئَة من الدّخل العام للعائلة الشعبية)، وأن يؤدّي مرّة ثانية كلفةَ خدمات عمومية (مثل خدمات التعليم، والصحة، والقضاء، والأمن، والطرقات، والنقل العمومي، والبنيات التحتية العمومية، والماء، إلى آخره)، بعد تفويتها للرأسمال الخص، وبعد تحويلها إلى سِلَعِ رأسمالية مُؤدّى عنها.

فإذا انحازت الدولة إلى الأيديولوجية الرأسمالية اللّيبيرالية المتوحّشة، وإذا أرادت الدولة التراجع تدريجيّا عن تمويل كثير من الخدمات المُجتمعية (مثل الصّحة والتعليم)، وإذا أرادت الدولة تسخير الضرائب المُحصّلة لِخِدْمَة الرّأسماليين الخُصوصيين، فإن هذه الدولة (ومن ورائها النظام السياسي القائم) تخرق الميثاق (غير المكتوب) الذي يربطها بالشعب، وتفقد شرعيتها، وتفقد مبرّر وجودها، ويصبح من حقّ الشعب أن ينهض لتغيير هذه الدولة (ولتغيير النظام السياسي القائم)، وتعويضها بدولة من صنف آخر، يلتزم فعليًّا بخدمة المصالح الحيوية للشعب (بما فيها خدمة توفير تعليم عمومي جيّد).

يمكن أن نفكّر، أن المرونة، وتكامل الجهود، يقتضيان أن نتـفهّم، بل وأن نـقبل، أن تسمح الدولة للرأسمال الخصوصي بأن يستثمر في مجال التعليم الخصوصي، إلى حدّ معيّن. لكن التجارب العالمية تُبيّن أنه يستحيل التعايش المتوازن، على المدى الطويل، بين ”التعليم العمومي“ و”التعليم الخصوصي“. خاصّةً في إطار نظام اقتصادي رأسمالي تبعي. وما يحدث على المدى الطويل هو، إمّا أن يهيمن ”التعليم الخصوصي“ على ”التعليم العمومي“، وأن يعوّضه، وإمّا العكس. أمّا التعايش، أو التوازن، أو التعاون بين هذين القطاعين المتنافسين، فمن المستحيل أن يدوم على المدى الطويل. وذلك رغم كلّ التّطمينات المُخادعة التي تصرّح بها الدولة الرأسمالية القائمة.

وعليه، فالحل هو تقليص وجود التعليم الخصوصي، أو التراجع عنه، أو منعه، أو إخضاعه كلّية للتعليم العمومي، وذلك مثلا عبر تغيير القانون، أو تعديل الدستور، لكي يمنع جَنْيَ الرّبح الرأسمالي في مجال التعليم. وبعدما يصبح جني الربح في مجال التعليم ممنوعا، سيبتـعد تلقائيا الرأسماليون الجشعون عن الاستثمار في هذا الميدان.

ولا يُقبل، لا من الزاوية الدستورية، ولا القانونية، ولا الحقوقية، ولا الأخلاقية، بأن يبيع هذا التعليم الخصوصي الرأسمالي المعارف المُدرّسة (التي لم ينتجها)، ولا بأن يستولي على جزء من البنية التحتية القائمة في مجال التعليم، التي شُيِّدت بأموال عمومية (مثل تكوين المدرّسين والأساتذة، وبلورة المعارف المُدرّسة، وتهييئ المواد والبرامج المُدَرَّسَة، والإعفاء من عدد من الضرائب، إلى آخره). كما لا يُعقل، ولا يُقبل، أن تستمر الدولة في التفرّج، بدون اكتراث، على تزايد تدهور جودة التعليم العمومي.

وإذا كانت الدولة الحالية عاجزة على تمويل الخدمات المجتمعية بالضرائب العادية المُحصّلة، فيلزمها أن تقدّم استقالتها. ولن يقبل الشعب من الدولة القائمة أن تزيد في حجم الضرائب. كما لن يقبل الشعب من الدولة أن تستعمل مجمل، أو معظم، الضرائب المُحصّلة فقط لتمويل التسيير الذاتي لأجهزة هذه الدولة الطُّفيلية (parasitaire) المتضخّمة، أو لخدمة الرأسماليين الكبار.

ويفرض المنطق المُجتمعي، وكذلك العدل المُجتمعي، أن يبقى المقابل لأداء الضرائب (المباشرة وغير المباشرة) هو توفير الدولة لخدمات عمومية مجانية لجميع المواطنين، بما فيها التعليم، والصحة، والقضاء، والنقل العمومي، والبنيات التحتية، إلى آخره. فإذا تخلّت الدولة عن تمويل هذه الخدمات العمومية، يصبح من حق الشعب أن يقوم بعصيان مدني، وأن يمتنع عن أداء الضرائب، وحتى أن يستبدل هذه الدولة القائمة بدولة أخرى تقبل الإلتزام التّام بخدمة الشعب.

وإذا كانت الدولة حقيقةً نزيهة، ومحتاجة إلى أموال إضافية لاستكمال تمويل التعليم العمومي، فبإمكانها أن تجني هذه الأموال عبر تدابير متعدّدة، منها مثلاً: عقلنة وترشيد نفقات التعليم العمومي، وتحسين تحصيل الضرائب المعتادة، ومحاربة التهرّب من أداء الضرائب، وحذف نفقات أُبَّهَة الحُكّام، واسترجاع الأموال العمومية المنهوبة من طرف المسؤولين الفاسدين، وإلغاء امتياز الإعفاء الضريبي الذي تتمتّع بها بعض القطاعات الاقتصادية (مثل الفلاحة الكبيرة والمتوسطة)، وتوسيع الضرائب العادية إلى الأنشطة الاقتصادية «غير المنظّمة» (informel)، وتخفيض ميزانيات الجيش والبوليس ووزارة الداخلية، واستثمار ثروات وزارة الأوقاف والشّؤون الإسلامية، وإجبار كل الذين يحتلّون أيّ ملك عام على أداء إيجار أو كراء شهري يتناسب مع المساحة المحتلّة، إلى آخره. وتكفي تعبئة هذه الموارد المذكورة بوفرة لِتغطية كلّ نفقات التعليم العمومي، لكي يكون مجّانيا، وجيّدا. أما إذا فضّلت الدولة الاستمرار في سياسة البذخ، والتبذير، والامتيازات الفئوية، واقتصاد الرّيع، فلن تكفيها موارد الكرة الأرضية كلّها لإصلاح التعليم. بل في هذه الحالة، وحتّى إذا أنفقت الدولة على التعليم العمومي أضعاف ميزانيته المالية الحالية، فإن هذا التعليم سيبقى محدودا، وفئويا، ومتخلّفا، ورديئا، ومغلقا في وجه أبناء الشعب.

5 – الإصلاح رقم 2: منع تدخّل الحكومة في تحديد مضامين المواد المُدَرََّسَة

تشخيص مشكل تحديد مضامين المواد المُدَرَّسَة:

يريد المنطق أن تكون مضامين المواد المُدرّسة من اختصاص المدرّسين القدامى الأكفاء، ومن اختصاص العلماء في التربية والتكوين، المتميّزين بكفاءتهم، وبحيادهم، وباستقلالهم تجاه النظام السياسي القائم، وتُجاه الحكومة، وتُجاه مجمل القوى السياسية، والاقتصادية، الموجودة في المجتمع. لكن بعض الوزراء، أو بعض السياسيين، يستولون على هذا الاختصاص، أو ينفردون به، أو يحتكرونه، ويُسخّرونه لأغراض انتهازية، أو غير سليمة. حيث لاحظنا أن الوزارات، والحكومات المتعاقبة (وكذلك المؤسّـسة الملكية)، يتدخّلون في تحديد مضامين المواد المُدرّسة، وذلك بشكل اعتباطي، أو خدمةً لأهداف ظرفية، أو انتهازية، أو أنانية، أو تطبيقا لرؤية قصيرة، بعيدًا عن المناهج العلمية الدقيقة، ودون الاكتراث بما فيه الكفاية، بواجب إخراج الشعب من التخلّف الشمولي الذي هو غارق فيه، ودون مراعاة الحاجة الحيوية إلى تعليم الشعب، وتنويره، وتثـقيفه، وبناء نهضته، وتـقدّمه، على أساس العلوم الدقيقة.

ومن بين نتائج هذه التدخلات الاعتباطية، التي تقوم بها الحكومات المتـعاقبة، في مجال تحديد مضامين المواد المدرّسة، أن هذه المواد تغدو كثيرة أكثر مِمّا يُطاق، وغير منسجمة، بل متناقضة فيما بينها. وبعض هذه المواد تكون غير مبرّرة، أو غير مُجدية، أو غير عَقلانية، أو أنها مجرد دعاية (propagande) مُستـترة، تهدف إلى استغلال السّن القاصر للتلاميذ، أو للطلبة، لكي تنـقش في أدمغتهم آراءً سياسية، أو معتقدات دينية. وضحايا هذا الحشو الزائد والمُغرض، هم أجيال التلاميذ، والطلبة، وكذلك عموم الشعب.

معالجة مشكل تحديد مضامين المواد المُدَرَّسَة:

يجب تعديل القانون القائم (المتعلّق بتنظيم التعليم) بهدف مراجعة وتدقيق مهام كلّ من وزارة التعليم، والهيئات المُدَرِّسَة (التي تُساهم في ممارسة التدريس، في المدارس والجامعات العمومية).

ويجب التّنصيص في هذا القانون (المنظّم للتعليم) على أن وزارة التعليم تتكلّف بمهام توفير البنيات التحتية المادّية الضرورية للتعليم (مثل تشييد البنايات، وتوفير التجهيزات، والأثاث، إلى آخره)، وتتكلّف بمهام توفير الميزانيات المالية اللازمة التي ستنفـقها وزارة التعليم، أو الجهات التّرابية، على مختلف مؤسّـسات التعليم المحلية، وتدبير صرف هذه الميزانيات، ومراقبتها. وتتكلف أيضا وزارة التعليم بِتدبير، وتتبّع، ومراقبة، وصيانة، هذه البنيات التحتية، في تعاون وتكامل مع الجهات التّرابية، ومع مؤسّـسات التعليم المحلية المعنية.

أمّا فيما يخص محتويات الدّروس، يجب أن ينصّ تعديل القانون على منع الحكومة من التدخل في تحديد مضامين وبرامج مختلف أسلاك وشعب التعليم. ويجب إسناد مهام تحديد هذه المضامين والبرامج إلى ”هيئات مُدرّسة مُحايدة“، منظمة على الصعيد الوطني، ومكونة من المدرّسين، المشهود لهم بالكفاءة العلمية اللازمة في هذا المجال، ومشهود لهم بالحياد، والاستقلال، تجاه النظام السياسي القائم، وتجاه الحكومة، وتجاه مجمل القوى السياسية، والنقابية، والاقتصادية، والدّينية، الموجودة في المجتمع. ويمكن أن نسمّي هذه الهيئات المُدَرِّسَة: ”الهيئات المُحايدة المُحدِّدة لِمضامين التعليم“. ويمكن لكل ”هيئة مُحايدة مُحَدِّدة لمضامين التعليم“ أن تَتَخصّص في سلك واحد من التعليم، أو في عدّة أسلاك منه، وفي شعبة واحدة من التعليم، أو في عدّة شعب، وذلك حسب الحالات، والإمكانات، والتخصّصات. واعتبارًا للصّفة العلمية والمحايدة لهذه ”الهيئات“، يُمنع على الأحزاب السياسية، والنـقابات، والجمعيات، وكذلك ما يُسمّى ”المجتمع المدني”، أن تتدخّل في ”الهيئات المُحايدة المُحدِّدة لِمضامين التعليم“.

وفيما يخص تحديد أعضاء ”الهيئات المُحايدة المُحَدِّدَة لمضامين التعليم“، يمكن أن يكون نصف أعضاء هذه ”الهيئات المُحايدة المُحدِّدة لِمضامين التعليم“ (زائد رئيسها) مُنْتَخَبِين من طرف المدرّسين المعنيين، وأن يكون النّصف الآخر معيّنا من طرف وزارة التعليم. ويمكن لجزء من بين مجمل أعضاء كلّ ”هيئة مُحايدة مُحدِّدة لمضامين التعليم“ (أقصاه الثّلث) أن يتكوّن من خبراء، أو علماء، غير مُدرِّسين. ويمكن لهذه ”الهيئات المحددّة لمضامين التعليم“ أن تُشْرِك في بعض نقاشاتها، أو مشاوراتها (وليس في اتخاذ قراراتها)، فاعلين آخرين (منهم مثلا: مقاولون، وعلماء، وباحثون، ومهندسين، وتـقنيون، وخبراء، ومتخصّصون، وفاعلون اقتصاديون، وفنانون، وغيرهم مِنْ الأشخاص المؤهّلين، للإفادة في هذا المجال، سواء كانوا أشخاصا من داخل البلاد، أو من خارجها).

ولتلافي تحويل هذه ”الهيئات المُحايدة المُحدّدة لمضامين التعليم“ إلى وسيلة للاغتناء الانتهازي [مثلما حدث في بعض ”المجالس الوطنية“]، يجب التنصيص (في القانون المنظم للتعليم) على أن العمل داخل هذه ”الهيئات“ هو عمل نضالي، وخدمة للشعب، ويكون على أساس التطوّع، وبالمجّان، وليس مقابل أية أجرة، أو مكافئة، أو تعويض مادّي. وحتّى إذا دعت الضرورة لمنحهم تعويضات عن نفقات محدّدة، فلا يُقبل أن يتجاوز مجموع هذه التعويضات قيمة ”الحد الأدنى القانوني للأجرة (SMIG)“.

6 – الإصلاح رقم 3: توفير إمكانية قانونية لطرد المُدرِّسِين الرّديئين

تشخيص مشكل المُدَرِّسِين (والإداريين) الرّديئين:

بدلاً من أن نشترط في المرشحين إلى مهنة التّدريس أن يكونوا أكفاء، أو ممتازين، غدت مهنة التّدْرِيس ملجأً للأشخاص الذين لا يقدرون على ولوج مسارات دراسية أخرى، أو الذين يعجزون عن اتّباع مسالك مهنية أخرى. ومع مرور السّنين، واستعمالاً لشبكات الزّبُونِية، أو القرابة، تسرّب إلى مهن التّدريس (أو إلى إدارات التدريس) أشخاص لا تتوفّر فيهم الكفاءات الدُّنيا الـلازمة. كما أن غياب المراقبة الضرورية شجّع نسبة من المدرّسين (وكذلك من الإداريين في ميدان التعليم) على الكسل، والـلاّمبالاة، وحتّى على التغيّب المُفرط. وتخلّى بعض هؤلاء الأشخاص عن واجب التـثـقيف الذّاتي المُتواصل. ولا تستطيع وزارة التعليم طرد المدرِّسين الرَّديئين بسبب ”قانون الوظيفة العُمومية” (الذي يضمن التشغيل على مدى الحياة، ومهما كانت المشاكل). وبعض المدرّسين (وكذلك الإداريين) يقلّدون البرلمانيين الانتهازيين، حيث أنهم يهملون مهنتهم الرّسمية في ميدان التعليم، ويركّزون مجمل جهودهم على تدبير مقاولاتهم الشخصية، أو على تصريف أشغالهم الخاصة. وغالبا ما لا توجد قوانين تسمح بتأديب مثل هؤلاء الأشخاص، ولا عقابهم، ولا طردهم. وحتى النقابات تقوم أحيانا بدور سلبي، لأنها ترفض تنظيم المراقبة، وتعارض طرد الأشخاص الرّديئين. وضحايا هذا الانحراف هم أجيال التلاميذ والطلبة، وكذلك عامّة الشعب.

معالجة مشكل المُدرّسين (والإداريين) الرّديئين:

يستحيل إصلاح التعليم بدون توفير إمكانية قانونية لِطرد المدرّسين (والإداريين) الرّديئين. والسبيل لضمان حدّ أدنى من الجودة في مختلف أسلاك وشُعب التعليم، هو تعديل القانون القائم بهدف إقرار مراقبة دورية إجبارية لكل المدرّسين (ولكلّ الإداريّين). وإذا ما أثبتت هذه المراقبة الدّورية أن مُدَرِّسا (أو إداريّا) محدّدا ليس في المستوى المطلوب، يجب توفير إمكانية قانونية وفعّالة لإجباره على الخضوع لإعادة تكوين محدّد، يُساعده على إعادة تأهيله المهني. فإن أثبتت مراقبة دورية أخرى لاحقة أن إعادة تأهيله قد أخفقت، وأن كفاءاته لا زالت غير مُرضية، وجب أن تتوفّر إمكانية قانونية فعّالة لطرده من ميدان التَّدْرِيس. ولا يحقّ للنقابات أن تحاول فرض الحفاظ على المدرّسين (أو الإداريين) الذين أثبتت المراقبة الدورية الإجبارية أنهم دون المستوى المهني المطلوب. مع ضرورة التنصيص، في هذا القانون، على إمكانية لجوء المدرّسين المطرودين إلى القضاء، للتأكّد من شرعية وسلامة إجراءات طردهم.

7 – الإصلاح رقم 4: مشكل المُدَرِّسِين (والإداريّين) الذين لا يحترمون حِيّاد التعليم

تشخيص مشكل المدرّسين (والإداريين) الذين لا يحترمون حيّاد التعليم:

يوجد مدرّسون (وإداريّون) مُسـيّـسون، لا يلتزمون باحترام حيّاد (neutralité) مؤسّـسات التعليم. بمعنى أنهم لا يعملون بتجرّد وموضوعية. بل يستغلّون مهنة التّدريس لنشر عقائدهم الخاصة، سواءً كانت هذه العقائد سياسية، أم دينية. وأكثر هؤلاء المدرّسين (أو الإداريّين) ضررًا هم المدرّسون (والإداريّون) الذين يناصرون سِرًّا تيارات الإسلام السياسي السلفي، أو الأصولي. ويتعصّبون لمعتقداتهم الدّينية الشخصية. ويحوّلون مؤسّسات التعليم إلى ميدان فَوَّار للصراع الأيديولوجي والسياسي.

وبدلا من تدريس المواد المقرّرة بعقلية موضوعية، عِلمية، مُحايدة، ونزيهة، يغلّب هؤلاء المدرّسين (والإداريين) المُسيّـسين مُعتـقداتهم السياسية، أو الدّينية، على مضامين البرامج التعليمية.

وضحايا عدم احترام حيّاد التعليم، هم أجيال التلاميذ، والطلبة، وعموم الشعب.

معالجة مشكل المدرّسين (والإداريين) الذين لا يحترمون حيّاد التعليم:

1) لا يمكن للتعليم أن يكون جيّدًا إلاّ إذا كان مُحَايِدا تُجاه النظام السياسي القائم، وتُجاه الحكومة، وتُجاه جميع الأيديولوجيات السياسية، وتُجاه جميع الأديان، والمذاهب، والطوائف، والإثنيات (ethnies)، الموجودة في المُجتمع. وكلّما سيطر، أو هيمن، فكر سياسي محدّد، أو فكر ديني معيّن، على التعليم، تحوّل هذا التعليم إلى مجرّد آلة للدّعاية (propagande). وتهدف هذه الدّعاية إلى التحكّم (manipulation) في عُقول القاصرين، من تلاميذ وطلبة. وفي هذه الحالة، يتحوّل التعليم إلى عملية نقش غير واع، في أذهان المُتَمَدْرسين. ويُؤدّي هذا الصّنف من التعليم الدِّعَائي، إلى تكبيل عُقول الأجيال الناشئة، بمحرّمات (tabous) فكرية قاهرة.

2) احترام مختلف الفاعلين السياسيين، والدّينيّين، لحيّاد التعليم، يبقى رهينًا، أوّلاً وقبل كلّ شيء، باحترام الدولة هي نفسها لهذا الحياد (neutralité). وإلاّ تسابق مختلف الفاعلين السياسيين الموجودين في المجتمع إلى تقليد الدولة، وإلى تحويل التعليم إلى ميدان فجّ للصراعات الأيديولوجية، والسياسية. وستكون ضحايا هذه الصراعات هي عقول أجيال التلاميذ والطلبة القاصرين.

3) لا يحقّ لأيّ فاعل مهما كان، أن يختزل التعليم في تدريس مذهب واحد، أو عـقيدة واحدة، دون تدريس مذاهب أخرى مخالفة، أو عقائد مناقضة، وتعريضها كلّها، وبدون أيّ استثناء، للتحليل، وللنّـقد. فإمّا أن تكون الثقافة كَوْنِيّة([2])، وإما أن تكون محدودة، فتتحوّل إلى سجن فكري ضيّق يقتل العقل. بينما تحرير العقل، وتجويده، يتطلّب بالضرورة، تناول، وتفكيك، وتحليل، ونـقد، مجمل المعارف، والأفكار، والمذاهب، والمعتـقدات، الموجودة عبر العالم.

4) يجب تعديل القانون القائم (المُنظّم للتعليم) للتّنصيص على إجبارية احترام حيّاد (neutralité) التعليم، في جميع أسلاكه، وَشُعَبِه، من طرف الدولة (ومن طرف المؤسّـسة الملكية)، ومن طرف الحكومة، ومن طرف وزارة التعليم، ومن طرف المدرّسين (والإداريّين) العاملين في مجال التعليم. ويجب أن يكون حيّاد (neutralité) التعليم العمومي قائما تُجاه كل الفاعلين المجتمعيين (سواء كانوا سياسيين، أم اقتصاديين، أم دينيّين).

5) لا يحقّ للدولة (أو للنظام السياسي القائم) أن تُحوّل التعليم إلى وسيلة مسخّرة لخدمة «أمن»، أو «استـقرار»، أو دوام، النظام السياسي القائم، عبر إخضاع القاصرين، من تلاميذ وطلبة، لدعايات (propagande) أيديولوجية محدّدة. وغالبًا ما تُخبَّأ هذه الدعاية عبر ترويج مفاهيم مثل «الإلتزام بِثوابت الأمة المغربية»، أو «الثوابت المؤسـساتية للمغرب» ، أو «ثوابت الدّين الإسلامي»، أو «الوحدة الوطنية»، أو «الملكية الدستورية»، أو «احترام رموز الدولة وقيّمها الحضارية»، إلى آخره.

6) يجب على الدولة (وعلى النظام السياسي القائم) الامتناع عن تحويل التعليم إلى آلة لنشر أيديولوجياتها السياسية أو الدّينية المفضّلة، ولو كان ذلك بشكل غير مباشر، مثلاً عبر تدريس ما يُسمّى بمادّة «التاريخ الرّسمي»، أو «التربية الوطنية»، أو «التربية الإسلامية»، أو «ثوابت الأمّة»، أو «الخطوط الحمراء»، أو غيرها. فكيف يُعقل أن نُلقّن التلاميذ ضرورة الخضوع لِ «ثوابت الأمة»، بينما الحقيقة هي أن لا شيء في الكون يبقى ثابتا، بل كل شيء في الكون يتغيّر باستمرار!؟ ألا يتغيّر البشر، والمجتمعات، والتقاليد، والمعتـقدات، والمؤسّـسات، والأنظمة السياسية، والشعوب، والكواكب، والمَجَرّات؟

7) يجب تعديل القانون (المنظم للتعليم) لكي ينصّ على واجب احترام حيّاد التعليم، من طرف كلّ الفاعلين، ولكي يصبح بالإمكان متابعة، ومحاسبة، ومعاقبة، كلّ الفاعلين، والمدرّسين (والإداريّين)، الذين لا يحترمون حِيَّاد التعليم، أو الذين يستغلون وظيفة التدريس لشحن أدمغة التلاميذ، أو الطلبة القاصرين، بمعتـقدات أيّ تيار سياسي كان (سواءً كان إسلاميا، أو يساريا، أو ليبيراليا، أو رأسماليا، أو يمينيا).

8 – الإصلاح رقم 5: مشكل العلاقة بين الدّين والتعليم العمومي

تشخيص إشكالية العلاقة بين الدّين والتعليم العمومي:

في منظومة التعليم الحالية بمغرب اليوم، تنامت أعداد مُدرّسين (وإداريّين) يناصرون في الخفاء حركات إسلامية سلفية أو أصولية.

وقبل استقلال المغرب في سنة 1956، كان الدّين يحتكر الهيمنةَ على العقل المجتمعي. وكان التعليم الوحيد الموجود آنذاك تعليما دينيا، وتقليديا، وعتيقا. وكان هذا التعليم يُدرّس في المساجد، وفي دور القرآن، وفي ”المْسِيد”، وفي جامعة ”القرويّين” في مدينة فاس. فبقيت تنمية المُجتمع شبه مستحيلة. وكانت غاية هذا التعليم تنحصر في تعليم العبادات، وفرائض الدّين الإسلامي. ولم يكن هذا الصّنف من التعليم الدّيني يطرح آنذاك مشكلا كبيرا للقوى السياسية القائمة في المجتمع. لأن هذا التعليم الدّيني كان ينطلق من الدّين (وليس من السياسة)، ولا يهدف إلى شيء آخر غير الدّين الإسلامي. ولأن مُدرسّي هذا التعليم الدّيني، لم يكونوا يحملون أيديولوجية إسلامية سياسية، جهادية، وهجومية (مثلما هو الحال اليوم)، ولم يكونوا يطمعون في السّيطرة على الحكم، ولا في فرض نمط معيّن من التديّن، ولا في تدجين عبادات مجمل سكّان البلاد وسلوكيّاتهم.

أمّا اليوم، وبعد حدوث نوع من الانبهار بِ «ثورة خُمَيْنِي الإسلامية الشيعية» في إيران، وفي إطار الاستفادةَ من الأموال الممنوحة سرًّا من طرف بعض أمراء الدويلات النفطية في الشرق الأوسط (مثل قطر والسعودية)، الرّاغبة في نشر مذاهب إسلامية أصولية (مثل الوهّابية)، فَقَدْ نَمَت وتـقوّت بالمغرب حركات إسلامية أصولية من صنف جديد. لأن هذه الحركات الإسلامية تستغلّ تعلّق جماهير الشعب بالدّين لتحقيق أغراض سياسية. وتتناسل، وتتكاثر، وتتطوّر، هذه الحركات الإسلامية الأصولية بلا توقّف. بعضها محافظ، أو مهادن، أو روحاني، أو صوفي، أو سلمي. وبعضها الآخر متعصّب، أو جذري، أو ثائر، أو متطرّف، أو عَدَمِي، أو متهوّر، أو عنيف. ولا تخفي بعض هذه الحركات الإسلامية أنها تستغلّ الدّين الإسلامي بهدف الاستيلاء على السلطة السياسية. وتظنّ أنها مكلّفة بمهمّة ربّانية، وتزعم أن ما تفعله هو تحقيق إرادة إلاهية. وتهدف هذه الحركات الإسلامية إلى التحكّم القسري والشّامل في نمط عيش السكّان، وفي عقولهم، وفي عباداتهم، وفي لباسهم، وفي تصرفاتهم، وفي آرائهم. وتريد هذه الحركات الإسلامية الأصولية ”أَسْلَمَة (islamisation) الدّولة“، و”أَسْلَمَة المُجتمع“، بما فيه ”أَسْلَمَة التعليم العمومي“.

وميزات المُدرّسين (والإداريّين) المُناصرين للحركات الإسلامية السّلفية أو الأصولية، هي أنهم يُحوّلون حُجرات التَّدريس إلى أمأكن مُستـترة لِمُمارسة ”الوعظ والإرشاد“ الإسلاميين. ويستغلّون سِرِّيًا مهنة التّدريس لترويج معتقدات حركات إسلامية سلفية أو أصولية. ويحاربون كل ما يعتبرونه «عقلانيا»، أو «حَدَاثِيّا»، أو «غَربيا»([3]). ويُحرّضون التلاميذ والطلبة ضدّ المُدَرِّسين المتَّهمين بِ «العلمانية»، أو «العقلانية». ويحاربون الفلسفة ومن يُدرّسها. ويناهضون علوم المُجتمع. ويتصوّرون أن آرائهم الخاصة نابعة من كلام الله، أو أنها تفعيل لرغبة إلهية. وينشرون الكَراهيّة ضدّ كلّ من يخالفهم في الرّأي. ويُسَفِّهُون نظرية العالم شارل داروين (ِCharles Darwin) التي تطرح أن الأحياء لم تكن على شكلها الحالي في الزمن القديم، بل لها جدّ مشترك، ثم تطوّرت خلال ملايين السّنين. وبعض هؤلاء المدرّسين (المناصرين للحركات الإسلامية) يُدرّس علوما دقيقة (مثل ”علوم الطبيعية“، أو الفيزياء، أو غيرها)، لكنهم يحاربونها في نفس الوقت، عبر تغليب المنطق الدّيني على العقل العلمي، وذلك بِهدف تعويض الأطروحات العلمية بمعتـقدات إسلامية أصولية، مقدّسة، شمولية، ومُطلقة. الشيء الذي يُحيّر التلاميذ والطلبة، ويخلق بلبلة مشوّشة في عقولهم.

وخاصّية هذه الحركات الإسلامية الأصولية هي أنها يمينية، ومتعصّبة، ومتطرّفة، بل رجعيّة، حيث تُريد إجبار المُجتمع على الرُّجوع إلى نمط العيش الذي كان سائدًا في القرن السّابع الميلادي في صحراء ”شبه الجزيرة العربية“. وتخوض هذه الحركات الإسلامية الأصولية «جهادا مقدّسا»، يهدف إلى فرض «أَسْلَمَة الدولة»، و «أَسْلَمَة المجتمع»، و«أسلمة التعليم العمومي». وتحارب هذه الحركات الإسلامية الأصولية العقلَ، والمنطق، والفلسفة، والعلوم الدّقيقة، والفنون الجميلة (مثل الغنى، والرقص، والنحت). وتكره الإبداع، وتبغض الابتكار. وتعارض مساواة المرأة بالرجل في مجال حقوق المواطنة. وتريد استبدال القانون الوضعي بِتصوّر متشدّد «للشريعة الإسلامية». وتهدف إلى إقامة «خلافة إسلامية»، مبنية على أساس دكتاتورية «ولاية الفقيه المقدّس» (مثلما حدث لدى «جماعة الإخوان المسلمين» في مصر، ولدى «الجمهورية الإسلامية» في إيران، ولدى «طالبان» في أفغانستان، ولدى «تنظيم القاعدة»، ولدى «دَاعِشْ (دولة العراق والشّام)»، إلى آخره.

وفي التعليم العمومي بمغرب اليوم، غيّرت نسبة هامّة من المدرّسين (والإداريّين) مِهنتها في التدريس إلى «جهاد أيديولوجي». كما طوّرت نسبة هامّة من أقسام ومؤسّـسات التعليم إلى منبت، أو مشتل، يهدف إلى تحويل التلاميذ والطلبة إلى أنصار متعصّبين للتيارات الإسلامية السلفية، أو الأصولية. ويستغلّ هؤلاء المدرّسون (الإسلاميون السلفيّون) سِرًّا سلطتَهم داخل أقسام التّدريس، لكي ينـقشوا في أدمغة التلاميذ والطلبة القاصرين معتـقدات سياسية إسلامية سلفية، أو أصولية، أو متشدّدة.

ونتيجة هذه «الأَسْلَمَة» (islamisation) السرِّية للتعليم العمومي، تتجلّى في كون نسبة هامّة من التلاميذ والطلبة المتخرّجين، أو المَلْفُوظين، من التعليم، تغلب على عقولهم أيديولوجية إسلامية أصولية، متعصّبة، ومتشدّدة، وجهادية، وعنيفة. ويتميّزون بضعف تكوينهم العلمي، وبهزالة ثـقافتهم العامة، وبعجزهم على بلورة تفكير سليم، وبافتـقارهم إلى عقل نقدي مستـقل وثاقب. وبعد نهاية دراستهم، يتحوّل بعض ضحايا هذه الدّعاية الإسلامية الأصولية إلى متحزّبين متعصّبين، يُناصرون تنظيمات أو تيّارات إسلامية أصولية متشدّدة، وأحيانًا عنيفة، وحتّى إرهابية. وذلك هو ما تجلّى مثلاً في إحصائيات ”المكتب المركزي للأبحاث القضائية“ (بالمغرب)، الذي يتكلّف بقمع ”الإرهابيين“، منذ نشأته في سنة 2015 م. حيث استطاع هذا الجهاز، في سنة 2015 م، تفكيك 21 خلية إرهابية، واعتقال 275 شخصا متّهما بالإرهاب. وفي سنة 2016 م، قام بتـفكيك 19 خلية إرهابية، وباعتقال 273 شخصا متّهما بالإرهاب. كما اعتقل 71 شخصا إرهابيا عائدا من صفوف تنظيم «دَاعِشْ» في سورية أو العراق. ولا تُشكّل هذه الاعتقالات سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد العائم في البحر.

ويتجلّى على الخصوص مفعول ”أسلمة التعليم“، وكذلك ”أسلمة وسائل الإعلام العمومية“، في نتائج الانتخابات المحلية والبرلمانية. حيث أن جزءا هامّا من الجماهير المصوّتة أصبحت تصوّت على أحزاب محدّدة (مثل ”حزب العدالة والتنمية“)، ليس لأنها إصلاحية، أو يمينية، أو محافظة، أو تقدّمية، أو تنموية، ولكن لأنها «إسلامية أصولية». حيث تحوّلت مبرّرات التصويت، ومقاييسه، من مجال الاقتصاد والسياسة، إلى مجال الدّين. ومن الواضح أن هذه القوى، التي تستفيد مباشرة من ”أسلمة المجتمع“، لن تقبل بسهولة تحييد (neutralisation) الدّين في مجالات التعليم، والإعلام، والمجتمع.

وتجسّد هذه الحركات الإسلامية الأصولية خطرا داهما على كلّ المجتمع. لأن طبيعتها «اليَـقِينِيّة»، و «المُقدّسة»، ومُيولها نحو «الإطلاقية»، ونحو «الجهاد العنيف»، تؤدّي حتمَا إلى إشعال صراعات مذهبية، ومتعصّبة، وعنيفة، وعقيمة. ثم تـقود إلى حرب أهلية شاملة، تُخرّب كل المجتمع، مثلما حدث، مرارًا وتكرارا، في بُلدان عدّة، مثل أفغانستان، وباكستان، والعراق، وسورية، ولبنان، واليمن، والصومال، والسودان، ومصر، والجزائر، وليبيا، ومالي، وشمال نيجيريا، إلى آخره. ونفس الأسباب (أي الأيديولوجية الإسلامية الأصولية) تُـؤدّي، إلى نفس النتائج (أي العنف، والإرهاب، والحرب الأهلية).

معالجة إشكالية العلاقة بين الدّين والتعليم العمومي:

1) تستوجب النزاهة، والموضوعية، الاعترافَ بأن تدريس الدّين، مهما كان هذا الدّين (يهوديا، أو مسيحيا، أو إسلاميا)، للأطفال القاصرين، في المدارس العمومية، هو اغتصاب لعقولهم السّاذجة، واستغلال لطفولتهم الهشّة، وخرق لحيّاد المدارس العمومية.

2) تَـستوجب النّزاهة، والموضوعية، الاعتراف بأن فرض دراسة أيّ دين محدّد، على الأطفال القاصرين، في المدارس العمومية، واحتساب النقط المحصّلة في امتحانات هذه المواد الدّينية، هو تحايل غير أخلاقي، وسلوك انتهازي، ومناف لِحقوق الإنسان. لأنه يُجبر التلاميذ والطلبة على استبطان معتقدات دينية، ولا يحترم حياد (neutralité) التعليم العمومي تُجاه الأيديولوجيات الدّينية والسياسية. ولأنه يستغل السنّ القاصر للأطفال، وينتهز فرصة عدم نضج شخصياتهم اليافعة، بهدف شحن أدمغتهم الناشئة. ولأنه يرمي إلى نـقش معتـقدات دينية، شمولية، ومطلقة، في عقول هؤلاء الأطفال القاصرين، قبل بلوغهم سنّ الرّشد، لكي يبقوا موشومين بهذه المعتقدات إلى آخر حياتهم. حيث لا يقدر عادة التلاميذ والطلبة على أن يُحدّدوا اختياراتهم الشخصية، بكلّ حرّية، إلاّ بعد تجاوزهم سنّ الرّشد.

3) يقتضي حِيّاد التعليم العمومي منع تدريس أيّ دين في المدارس العمومية. كما يجب تعديل القانون المنظّم للتعليم لكي ينصّ على أن تدريس الدّين لا يدخل ضمن مهام التعليم العمومي. وأن واجب التعليم العمومي (في مجمل أسلاكه وشعبه) هو أن يكون موضوعيا، نزيها، ومُحَايِدًا، تُجاه جميع الأيديولوجيات، سواءً كانت سياسية، أم دينية.

4) يقتضي حيّاد التعليم العمومي أن تتخلّى الدولة عن تنظيم وتمويل ما يُسمّى بِ «التعليم الدّيني»، أو «التعليم الأصيل»، أو «التعليم العتيق».

5) يجب أن ينصّ القانون المنظم للتعليم على أن مهمّة التعليم العمومي، ليست هي الدّعوة إلى دين محدّد، ولا هي الدّفاع عن مذهب ديني معيّن، ولا هي الدّعوة إلى أي فكر سياسي أو أيديولوجي محدّد. وإنما مهمّة التعليم هي تعليم القراءة، والكتابة، والحساب، والمنطق، والعلوم الدقيقة (sciences exactes)، والعلوم المُجتمعية، والآداب، والفنون، والاقتصاد، والفلسفة، والثـقافات الكونية، والمهارات المهنية، والتكنولوجيات، وتـقنيات الإنتاج، وفن خلق المقاولات، وما شابهها.

وفي مجال القُدرات الذّاتية للمُتَمَدْرِسِين، يرمي التعليم العمومي إلى تنمية الحسّ النّـقدي، وتفعيل الذّكاء، وتشجيع الإبداع، وتلقين التثـقيف الذّاتي المتواصل على مدى الحياة.

وغاية التعليم العمومي، ليست هي نصرة أيّ دين، ولا هي معارضة أيّ دين، ولا هي تكوين فقهاء أو متديّنين، ولا هي تعليم العبادات، وإنما مهمّة التعليم العمومي هي تكوين مواطن عَالِم، كُفْء، مثـقف، حُرّ، مستـقل، مُبادر، مُنتج، متضامن، ومُسلّح بمناهج علمية، ويقظة، ومُبدعة، وناقدة.

وتعليم مهندس واحد، أو تكوين عالم واحد (في العلوم الدّقيقة)، هو أكثر إفادة للشعب من تكوين عشرة آلاف فقيه ديني. ويبقى من حقّ أي مواطن يرغب في الحصول على تكوين دّيني، سواءً لنفسه أم لأبنائه، أن يلجأ إلى مدارس دينية خصوصية، متخصّصة في تدريس ذلك الدّين.

6) يلزم التنصيص في الدستور، وفي القانون، على فصل الدّين عن الدولة، وعلى منع تدريس أي دين للأطفال القاصرين في المدارس العمومية. كما يجب التأكيد في الدستور على حرّية العقيدة، وعلى حرّية العبادة، وعلى حرّية عدم العبادة.

7) إذا أرادت عائلات أن تعلّم أبناءها دينا معيّنا، ولو قبل بلوغهم سنّ الرّشد، يمكن لهذه العائلات أن تُدخل أبنائها إلى مدارس خُصوصية موازية، متخصّصة في تعليم ذلك الدّين.

8) لا يحق للمدرّسين أن يقوموا في مؤسّـسات التعليم العمومي بأية دعاية، سواء لمعتـقداتهم الدّينية، أم لمعتـقداتهم السياسية. وكل من خرق حياد مؤسّـسات التعليم العمومي وَجَبَت محاكمته أمام القضاء. فإذا ثَبُتَت إدانته، يكون عقابه في القانون (المعدّل) هو الطّرد من سلك التعليم العمومي.

9 – الإصلاح رقم 6: عقلنة الأولويات في استعمال اللغات الأجنبية

تشخيص مشكل تضارب اللغات الأجنبية المستعملة في التعليم العمومي:

يوجد تعدّد، وتضارب، وتصارع، فيما بين اللغات الأجنبية المستعملة (في المغرب)، داخل المجتمع، وداخل التعليم العمومي، وداخل المؤسّـسات الاقتصادية، وداخل إدارات الدولة، وداخل وسائل الإعلام العمومية. وأبرز هذه اللغات المستعملة هي: اللهجة العربية الدّارجة، والعربية الفصحى، والأمازيغية، والفرنسية، والإنجليزية، والإسبانية.

وهذا التعدّد المفرط في اللغات المستعملة يُقلق التلاميذ والطلبة، ويُنهكهم، ويهدر جزءا من طاقاتهم الذهنية. بل يعوق إتقانهم لأية لغة من بين اللغات المذكورة سابقًا. والنتيجة العملية هي أن التلاميذ والطلبة لا يستطيعون، في آخر المطاف، إتقان لا اللهجة العربية الدارجة، ولا اللغة العربية الفصحى، ولا اللغة الفرنسية، ولا اللغة الأمازيغية، ولا اللغة الإنجليزية، ولا أيّة لغة أخرى. وعدم إتقان أيّة لعة ينعكس سلبًا على استيعابهم أو تحصيلهم للعلوم المُدرّسة.

وكمثال، وفي سلك التعليم الإعدادي والثانوي، يدرس التلاميذ العلوم الدقيقة باللغة العربية. لكن حينما يصلون إلى الجامعة، يفاجؤون بكون العلوم الدّقيقة تُدرّس باللغة الفرنسية. فيُحسّون بصعوبة كبيرة. ويقلقون من ضخامة المجهودات المضنية التي يلزمهم أن يبدلوها لكي يفهموا هذه العلوم المُدرّسة باللغة الفرنسية. فيتضرّر استيعابهم لهذه الدروس العلمية البالغة الأهمية. وبعد تخرّجهم من المدرسة أو من الجامعة، أي حينما يتواصل هؤلاء التلاميذ والطلبة بهيئات أو مؤسّـسات علمية عالمية، يفاجؤون من جديد بكون اللغة الأكثر استعمالاً في العالم هي الإنجليزية، وليست الفرنسية. ويجدون أن لغة الانفتاح على الثقافات الكونية، هي الإنجليزية، وليست الفرنسية. والسّبب في تغليب اللغة الفرنسية (سواءً في المغرب، أم الجزائر، أم تونس)، يأتي من التزام الدولة بالفرنكوفونية (francophonie)، في إطار تبعيتها الاقتصادية لفرنسا. ولم تتجرّأ مجمل الحكومات المتعاقبة على التحرّر من هيمنة هذه الفرنكوفونية.

معالجة إشكالية تضارب اللغات الأجنبية المستعملة في التعليم العمومي:

1) الحرص على أن تكون اللغة الرئيسية لتعليم الأطفال (في التعليم الأوّلي والابتدائي) هي لغة الأم. ومنذ التعليم الأوّلي والابتدائي، يمكن الشروع في تعلّم لغتين أو ثلاثة.

2) الحرص على ردم الهوّة بين اللهجة الشفوية المستعملة وصيغتها اللغوية المكتوبة (على الخصوص فيما يخص العلاقة بين اللهجة العربية الدّارجة، واللغة العربية الفصحى؛ ثم نفس الشيء بالنسبة للأمازيغية).

3) يجب التمييز بين اللغة الرئيسية المستعملة كأداة لتدريس العلوم الدّقيقة (من الابتدائي إلى الجامعي)، وبين اللغات الأجنبية المدرّسة كلغات أجنبية (وليس كلغات تدريس) للتواصل مع باقي العالم.

4) لا يحقّ فرض اللغة الفرنسية كلغة إلزامية. بل يجب الانتقال من تدريس العلوم بالفرنسية إلى تدريسها بالعربية، من الابتدائي إلى الجامعي. والعمل على أن تكون اللغة الرئيسية للتّدريس في التعليم العمومي، المستعملة كأداة للتدريس مجمل المواد، هي اللغة العربية، من الابتدائي إلى نهاية الجامعي.

5) العمل على أن تكون اللغة الرئيسية للتّدريس في التعليم العمومي، المستعملة كأداة لتدريس مجمل المواد، بما فيها تدريس العلوم الدّقيقة، هي اللغة العربية، من الابتدائي إلى الجامعي. مع الحرص، في مجمل الأقسام، وأثناء تدريس أي علم من بين العلوم الدّقيقة، على إعطاء التلاميذ والطلبة قَوَامِيس (ورقية ورقمية)، لترجمة المفاهيم العلمية الرئيسية من العربية إلى الإنجليزية، ومن الإنجليزية إلى العربية.

6) العمل على تعليم اللغة الأمازيغية كلغة مدرّسة في حدّ ذاتها (ولا تُستعمل بالضّرورة كأداة لتدريس العلوم). مع مواصلة تأهيل وتقعيد اللغة الأمازيغية.

7) في نفس الوقت، يجب تقوية تعليم الإنجليزية كلغة أجنبية رئيسية (بدلاً من الفرنسية). ويمكن تعليم لغة أجنبية ثانية (كالفرنسية، أو الإسبانية، أو الصينية، أو الألمانية، أو اليابانية، أو الهندية، أو الإيرانية، إلى آخره). وتُدرّس هذه اللغات الأجنبية كلغات أجنبية، ولا تُستعمل كأدوات لتدريس العلوم. مع الحرص، في مجمل الأقسام، على إعطاء التلاميذ والطلبة قاموس الترجمة الإنجليزية للمفاهيم العلمية الرئيسية.

10 – من يقدر على إصلاح التعليم؟

إشكالية التعليم العمومي هي مثل الكثير من الإشكالات السياسية أو المجتمعية. إنها معقّدة، وعسيرة، وقد تظلّ، خلال فترة تاريخية، صعبة المنال. لماذا؟

أولاً، لأن الآراء المُقَدَّمة حول إشكالية التعليم متعدّدة، ومتفاوتة، أو متناقضة. وهذه الآراء لا تتساوى فيما بينها، وليست بالضرورة كلّها سليمة. حيث لا يستوي رأي من يجهل، مع رأي من يعلم. كما لا يتساوى رأي من تعمّق في دراسة هذا المشكل، مع رأي من فكّر فيه بشكل سطحي، أو بمنهج مُعاب.

وثانيا، لأن إشكالية التعليم هي أيضًا مُخترقة من طرف الصراع الطبقي. حيث أن الآراء المعروضة حولها لا تستطيع أن تكون محايدة، أو موضوعية، وإنما تنبع من مواقع طبقية متفاوتة، وتخدم مصالح طبقية متباينة. الشيء الذي لا ينفي إمكانية أن يدافع فاعل معيّن عن آراء مناقضة لمصالحه الخاصة، ومناصرة لطرف يُسيطر على هذا الفاعل المعني. وقد ترمي بعض هذه الآراء المعبّر عنها، بوعي أم بدون وعي، إلى إرضاء طرف سائد، أو إلى جني مصالح، أو منافع فئوية. فيصبح من الصّعب معالجة إشكالية التعليم بدون تفعيل صراع طبقي وجيه، وعقلاني، وبنّاء، وتقدّمي، أو توافقي.

ومن هو الفاعل المُجتمعي الذي يقدر اليوم على إنجاز إصلاح التعليم العمومي؟

لقد عبّرت الدولة، خلال عقود متوالية، عن عجزها في مجال إصلاح التعليم. وتبيّن أنها أهملت التعليم العمومي، أو أنها لم تحترم حيّاده، أو أنها استخفّت به. حيث حاولت الدولة استغلال التعليم كآلة للدّعاية (propagande) السياسية، أو كأداة لتدجين (manipulation) عقول أجيال متعاقبة من التلاميذ والطلبة. فأوصلت التعليم العمومي إلى الحضيض.

والأحزاب الخاضعة للنظام السياسي القائم، وكذلك أحزاب اليمين، وأحزاب الوسط، أبانت على أنها لا تقدر على أكثر من تنفيذ تعليمات السلطة السياسية (وذلك بغض النظر عن صواب أو خطأ مضمونها). ولا تستطيع مخالفة، أو نقد، أو معارضة توجيهات النظام السياسي.

والأحزاب الجديدة من صنف الأحزاب الإسلامية الأصولية، ساهمت هي كذلك، بشكل مباشر وغير مباشر، في إفساد التعليم العمومي، وتحريفه عن غاياته العلمية والتثـقيفية الأصلية، وأوصلته إلى الانحطاط. وتريد الاستمرار في فرض «هيمنة» الدّين على التعليم، بهدف فرض «أسلمة» (islamisation) الدولة، و«أسلمة» المجتمع، طبقًا لأحلامها الأيديولوجية الإسلامية السّلفية أو الأصولية. وبعد وصول «حزب العدالة والتنمية» (وهو حزب إسلامي أصولي) إلى رئاسة الحكومة (منذ سنة 2012 م)، أبان هذا الحزب عن حماسة أكبر من ”الأحزاب المخزنية“ لتحويل التعليم العمومي المجاني إلى تعليم رأسمالي مؤدّى عنه.

وأحزاب اليسار، وكذلك مجمل النقابات، والجمعيات، وفئات المثـقفين المتنوّرين، يعيشون في أزمة معقّدة. وتعتريهم نواقص كثيرة، تتجلّى في عجزهم على الاتّـفاق على أهداف نضالية موحّدة، وعلى خوض نضالات جماهيرية مشتركة، وإنجاحها، في خدمة عموم الشعب.

فكيف نعالج انحطاط التعليم العمومي؟ ومن يقدر على إنجاز إصلاحه؟ وكم يكفي من الوقت لشفائه؟ ومن يُؤَدّي كُلفة إصلاحه؟ كل هذه الإشكالات تبقى مطروحة على المواطن، ومن واجبه أن يجتهد لتعميق تصوّراته حولها، إن كان التعليم العمومي قد هَيَّأَ هذا المواطن للتّفكير فيها. فيبرز هكذا التناقض المُجتمعي (في إحدى تجلّياته).

11 – خاتمة

لا تدّعي الوثيقة الحالية تـقديم حلول شاملة لكل مشاكل التعليم العمومي بالمغرب، ولا تقترح كل الإصلاحات الضرورية، وإنما تكتفي فقط، في إطار النظام السياسي القائم، باقتراح بعض الإجراءات الأولية الضرورية، التي تُهيّؤ منظومة التعليم بالمغرب للخروج من الانحطاط الذي غرقت فيه، في انتظار إمكانية إنجاز إصلاحات إضافية، لاحقة، دقيقة، ومُكمِّلة. وإذا لم تُنجز الإصلاحات المعروضة في الوثيقة الحالية، فسيبقى أيّ إصلاح آخر سطحيا، أو عقيما، أو مستحيلاً.

ومنظومة التعليم هي جزء عضوي من المُجتمع. وتترابط بِ، وتتفاعل مع، كل ما يجري في المجتمع. فتُؤثّر فيه، وتتأثّر به. ومجمل الفاعلين في المجتمع، سواءً كانوا اقتصاديين، أم سياسيين، أم دِينيّين، أم أيديولوجيّين، أم أجنبيّين، يتدخّلون في التعليم، تارةً بشكل غير مباشر، وتارةً أخرى بشكل مباشر. ويتصارع هؤلاء الفاعلين المُجتمعيين لتسخير التعليم لخدمة أغراضهم الخاصة، أو الطبقية، أو الأنانية. بينما مصلحة المُتَمَدْرِسِين، من تلاميذ، وطلبة، وعائلاتهم، وكذلك مصلحة عموم الشعب، تكمن في أن يكون هذا التعليم عِلْميا، وجيّدًا، ومُحايِدًا (neutre). ومن المستبعد أن نـقدر على إحداث تغيير جيّد في التعليم إذا لم نقدر على إحداث تغيير مشابه في مجمل مكوّنات المجتمع.

والإصلاح الحقيقي للتعليم هو بمثابة ”ثورة“ مجتمعية. ولن يتحقّـق إصلاح التعليم إلاّ إذا أصبح هذا الإصلاح جزءا من ثورة مجتمعية شاملة (تحدث على مجمل المستويات السياسية، والاقتصادية، والثـقافية، والفكرية).

فنقول لجماهير الشعب: إذا لم تُدافعوا عن مصالحكم، فلن يدافع عنها أحد غيركم. ونقول للمواطن القارئ: ولك واسع النظر.

عبد الرحمان النوضة.

(وحرّر في يوم السبت 12 نونبر 2016، بالدار البيضاء)([4])([5]).

––– ❊ –––––– ❊ –––

هــوامــش:

[1] أنظر كتاب ”Le Sociétal“، للكاتب عبد الرحمان النوضة، المنشور في شهر غشت 2010، على الموقع (http://LivresChauds.Wordpress.Com) :

Abderrahman Nouda, Le Sociétal, Chapitre : L’enseignement, p. 289

[2] أنظر وثيقة: ”إمّا ثـقافة كونية، وإمّا الانحطاط”، للكاتب عبد الرحمان النوضة. ويمكن تحميلها من مدوّنته التّالية: (http://LivresChauds.Wordpress.Com).

[3] أنظر وثيقة: ”أية علاقة بين الدّين والتعليم”، للكاتب عبد الرحمان النوضة، المنشورة في مجلة ”التحرر”، العدد 4، 2016. ويمكن تحميلها من مدوّنته التالية: (http://LivresChauds.Wordpress.Com).

[4] نظّمت ”جمعية المغرب المتعدّد” ندوة حول موضوع إصلاح التعليم بالمغرب، بتاريخ 13 نونبر 2016، في مدينة الدار البيضاء، وطلبت من المشاركين، أن يساهموا بمداخلات مكتوبة، فقدّم عبد الرحمان النوضة الصيغة الأولى لهذا العرض المُعنون بٍ : ”كيف نُصلح التعليم ؟”. والصّيغة الحالية لهذه الدّراسة هي الصّيغة المعدّلة رقم 5. وقد حرّرت الصّيغة الأولى في يوم السبت 12 نونبر 2016، بالدار البيضاء.

[5] تنبيه: في الصيغة الأولى من وثيقة ”كيف نُصلح التعليم؟”، المنشورة على موقع ”الحوار المتمدّن”، سقط سهوًا الجزء الذي يحمل العنوان الفرعي التالي: ”معالجة مشكل مجانية التعليم”. والصيغة الحالية (رقم 6)، تعوّض الصيغة السابقة، وتصحّح ذلك النقص.