على طريق العلمنة:حسن الصعيب


على طريق العلمنة

أصبح الطلب حول فصل المسجد عن المخزن، يتزايد ويستقطب من حوله جموع غفيرة من المواطنين/ت، الذين ضاقوا درعا بتدخل المخزن في معتقداتهم الدينية.
انفجر هذا الوضع على اثر حراك الريف،عندما واجه القائد الميداني ناصر الزفزافي إمام مسجد الحسيمة وفند خطبته المخزنية ،الداعية الى ثني المواطنين/ت عن المشاركة في المسيرات الاحتجاجية السلمية.
تكررت هذه الواقعة في عدة مناسبات وفي أماكن مختلفة ،مثل قلعة السراغنة،سلا،مكناس،فاس،بوجدوروتاوجطات وان اختلف السياق والظرف .
يتبين من خلال هذه الوقائع المشتتة،لكنها ذات دلالة عميقة،بداية تصدع الحقل الديني الرسمي وبروز إرهاصات حقل ديني مضاد،لم يعد يحتمل توجيه معتقداته الدينية والتحكم فيها ومراقبتها،تحت طائلة الخضوع لأولي الأمر وللسياسة المخزنية في المجال الديني.
هذه الإرهاصات ستتبلور أكثر مع تنامي الاحتجاجات التي يغذيها القمع ويؤججها عدم الاستجابة للمطالب المرفوعة ذات الطابع المزدوج: النضال من أجل الحقوق الاجتماعية والاقتصادية و من أجل الحريات المدنية والسياسية أيضا.
إن هذا الربط الخلاق بين الدفاع عن الهوية الدينية والثقافية المفصولة عن هيمنة المخزن،وبين الدفاع عن الحقوق الأصلية للشعب ،في الحيازة الجماعية للأرض والماء والبحر والعدالة الاجتماعية والمساواة في تدبير الموارد الطبيعية ومنتجات العمل ،وتكريس الكرامة المتأصلة في الإنسان بإلغاء كافة الشروط الحاطة بالكرامة والاعتراف بجميع المضطهدين والمهمشين والمبعدين من دائرة صنع القرار الساسي والاقتصادي،واعتبارهم القوة الضاربة في الجماعة النقدية ،التي لها أحقية التعبير عن مضمون التحرر الاجتماعي والسياسي.
ليس هناك خصوصية إسلامية،أوخصوصية مغربية ،كما تروج لها الدعاية الرسمية وتدبجها الأبحاث الأكاديمية في أروقتها العاجية، فليس هناك دين يولد دينا بالمعنى الحديث للكلمة،كما يشير الى ذالك الباحث السوري المقتدر ياسين الحاج صالح،بل هو يصير دينا عبر عمليات تاريخية نطلق على مجموعها اسم العلمنة،وليس لدى أي دين استعداد علماني ذاتي،كما يفسر ذلك محمد عابد الجابري،الذي يرفض بالمطلق مماثلة العلمانية في الغرب بالعلمانية في الشرق ،ليخلص بأن الحاجة ضرورية لفصل الدين عن السياسة وليس الدين عن الدولة ،ويطرح بديلا أخر هو تجسيد العقلانية ،لاستحالة تطبيق العلمانية في المنطقة العربية والمغاربية ذات الأغلبية المسلمة.
كما نجد تفسيرا مماثلا،لكن من زاوية أخرى ،عند جلبير الأشقر من منظور ماركسي ،يعتبر أن من أسباب سيادة العلمانية في الغرب ،هو الطابع المرن للدين المسيحي عكس الدين الإسلامي.
إن الأديان جميعها وبدون استثناء تضطر لإخلاء الساحة للدولة وتعريف الأمة والعلم والأخلاق وغيرها بفعل تطورات تاريخية متنوعة وتتبع خيطا رفيعا هو تجسيد مملكة الحرية باعتبارها ضرورة تاريخية كما يقول ماركس.
في الشروط الملموسة لتطور الصراع الطبقي ببلادنا،يكون تحقيق الاستقلال الذاتي للجماهير الشعبية على مستوى المعتقد الديني،مرتبط أشد الارتباط بنزع الشرعية السياسية من دولة المخزن،وإحلال محلها شرعية الشعب السياسية ،على اعتبار أن الشعب هو صاحب السيادة ومصدر السلطة والتشريع
كما أن الشرط الجوهري لتجاوز أية أصولية دينية مرتبطة بالأحزاب السياسية أو بالمجتمع ،يرتكز بالدرجة الأولى ،الى نزع الطابع المخزني عن الدولة بمدلوليه الديني( إمارة المؤمنين) والسياسي(السلطة المطلقة).
هذا هو المدخل الحقيقي لولوج عصر الحداثة والمواطنة الكاملة،كما أصلته فلسفة الأنوار وجسدته الثورات البرجوازية في أوروبا سنة 1848،ثم تواصل فيما بعد مع تيارات الفكر الاشتراكي.
29-06-2017

حسن الصعيب


.


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com