على هامش حراك الريف: حول السيرورة الثورية في المغرب مجددا

عبد الله الحريف

منذ انطلاق حركة 20 فبراير، كجزء مما سمي ب”الربيع العربي”، اعتبر النهج الديمقراطي أن المنطقة، ومن ضمنها المغرب، قد دخلت في سيرورات ثورية ستمتد لمرحلة بأكملها وستعرف فترات من المد والجزر، فترات من التطور “الهادئ” والبطيء وأخرى من القطائع والتغيرات السريعة. وذلك لأسباب عميقة وتراكمات لعشرات السنين أفرزت انفصاما تاما بين الأنظمة القائمة والشعوب التواقة إلى الحرية والديمقراطية والعيش الكريم. وتشكل أزمة النظام الرأسمالي المستديمة والعميقة عاملا أساسيا في انطلاق هذه السيرورات الثورية بينما توفر ولادة عالم متعدد الأقطاب إمكانيات أحسن لنضال الشعوب التي تعاني في منطقتنا، بالأساس، من هيمنة الإمبريالية الغربية والصهيونية والرجعية العربية.
واعتبر النهج الديمقراطي أن أهم الأسباب الذاتية للتراجع المؤقت لحركة 200 فبراير تكمن في ضعف اليسار وتشتته وغياب تكتيك سديد يتمثل في رفع شعار من شأنه جمع أكبر قوة معارضة ممكنة. ولذلك بلور النهج الديمقراطي شعار بناء جبهة موحدة للتخلص من المخزن، وخاصة نواته الصلبة المافيا المخزنية لكونها تشكل العقبة الكأداء أمام أي تغيير حقيقي لصالح شعبنا. هذه الجبهة التي يجب أن تضم كل المتضررين من المافيا المخزنية، مهما كانت مواقعهم الطبقية ومرجعياتهم الفكرية. ودعا إلى حوار عمومي يساهم فيه كل المناهضين للمافيا المخزنية لبلورة أسس التعامل بين مكوناتها وتدقيق نقط الخلاف ونقط الاتفاق والتوافق بينها على برنامج حد أدنى.
ولكون هذه الجبهة قد تتفكك إثر تحقيق مهمتها، طرح النهج الديمقراطي ضرورة بناء، بموازاة بناء الجبهة ضد المخزن، جبهة ديمقراطية لمواصلة النضال من أجل تحقيق المهام الديمقراطية. ولكون اليسار يشكل العمود الفقري للجبهة الديمقراطية، أكد النهج الديمقراطي على ضرورة أن يؤهل اليسار نفسه ويسعى النهج الديمقراطي، من هذا المنطلق، إلى تطوير كل أشكال النضال المشترك بين مكونات اليسار.
إن ما شهده المغرب، منذ اندلاع حركة 20 فبراير، من حركات احتجاجية عمت العديد من المناطق شاركت فيها بكثافة ساكنة مدن وقرى والذي يشكل حراك الريف أوجها تبين سدادة اعتبار أن بلادنا تعيش سيرورة ثورية. إن مطالب هذه الجماهير الشعبية هي، في واقع الأمر، موحدة وتستهدف رفع التهميش وتوفير شروط الديمقراطية والحرية والعيش الكريم. وما تبينه التجربة التاريخية لشعبنا أن تحقيق هذه المطالب في ظل سيطرة المافيا المخزنية، التي تعيش من نهب وافتراس الخيرات البلاد واضطهاد واستغلال الكادحين، مستحيلة. ولذلك لن تتجاوز حلول النظام بعض الترقيعات والتنازلات المحدودة والوعود الكاذبة. ولهذا السبب، فإن هذه النضالات هي، في العمق، نضالات ضد المافيا المخزنية. وهو ما يؤكد سدادة الشعار الذي طرحه النهج الديمقراطي لتأطير نضال هذه الفترة.
لا يمكن التنبؤ بتوقيت فترات المد لأن شرارة اندلاعها، المتوفرة في الوضع الموضوعي الموسوم بالتهميش والحكرة، ليست معطاة مسبقا، بل هي خاضعة للصدفة أو لأخطاء العدو (طحن محسن فكري). لذلك على القوى التي تنشد التغيير أن تكون في أقصى درجات الإنصات لنبض الشعب ونضاله العفوي والاستعداد للتجاوب معه وتأطيره.
إن مآل السيرورات الثورية في المنطقة، ومن ضمنها المغرب، ليست خاضعة لحتمية محددة مسبقة بقدر ما هي نتيجة الصراع الطبقي الملموس. فإذا ظلت القوى الحية مشتتة، فستظل عاجزة على تأطير وتوحيد هذه النضالات وجعلها تصب في النضال من أجل تحقيق القطيعة مع النظام المخزني وسيتم استنزاف حركة النضال الشعبي وسينتصر المخزن وقد تعيش بلادنا لفترة طويلة أوضاعا أكثر سوادا من السابق.
انطلاقا من وعيه بمسئوليته التاريخية، طرح النهج الديمقراطي تصوره للمهام المنوطة باليسار والقوى الديمقراطية والقوى الحية إزاء السيرورة الثورية التي تعيشها بلادنا ويتخد الخطوات الملموسة لتفعيله (إي التصور) وتدقيقه وتصحيحه على ضوء تطورات الواقع وتفاعل القوى الأخرى معه.
يبقى أن هناك موضوعا لا يحضى بالاهتمام الكافي وسط اليسار، ألا وهو التحالفات على المستوى الدولي، وخاصة كيف يمكن الاستفادة من البروز التدريجي لعالم متعدد الأقطاب للدفع بنضالنا نحو الأمام.


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com