في الاعتبارات الطبقية للحوار العمومي

التيتي الحبيب


في الاعتبارات الطبقية للحوار العمومي

طفى على السطح في الاسابيع الاخيرة موضوع الحوار بين العدل والإحسان واليسار وذلك في اطار الندوات التي نظمتها الجماعة بمناسبة الذكرى الرابعة لوفاة عبد السلام ياسين مؤسسها. وقد حضر هذه الندوات منتمون لمكونات سياسية ومثقفون، وتعرضت هذه الندوات الى هجوم متعدد المشارب حضي فيه حضور بعض مناضلي النهج الديمقراطي بحصة الاسد من النقد والتجريح.
اكتسى النقد الموجه للنهج الديمقراطي والعدل والاحسان عند البعض طابع التجريح وكيل الشتائم وحتى التخوين، وحرف هذا النوع من النقد الموضوع وذهب به الى تبادل الشتائم والاقتصار على التنابز وصراع الديكة. في هذه الورقة لن التفت الى الشتائم والمهاترات لأنها حجة من لا فكر له بل هي قعقعة تصدر عن رؤوس فارغة، او قل هي مناسبة تصيدها البعض لتبيان او استعراض عضلات يخالها عضلات قوية واذا بها عضلات تشكوا من الكساح والخواء. ساحاول عبر هذه الورقة مناقشة الافكار و الحجج الواردة عند بعض المداخلات ذات المضمون الفكري والنظري، لأنه وحده هذا النقاش في العمق هو ما سيساعد على التقدم في تشكيل القناعات وتصليب الرؤى المشتركة داخل اليسار عامة وداخل المناضلين الماركسيين اللينينين.
ومن خلال تتبعنا للانتقادات الموجهة للحوار يمكننا حصرها في ثلاثة مجموعات
1- رأي يرى ان العدل والإحسان مثلها مثل باقي تيارات الاسلام السياسي هي رجعية ظلامية وهي عدو سياسي وطبقي نظرا لبرنامجها وأهدافها. هذا العدو يعتبر اكثر شراسة من النظام نفسه .يعتبر هذا الرأي ان النظام قابل للتطور ويمكن اصلاحه حتى يصبح نظام ملكية برلمانية، بينما العدل والإحسان فهي جماعة ظلامية تستعمل التقية وتسعى لإقامة نظام اكثر رجعية وتخلفا، انها خط احمر.
2- رأي يعتبر النظام او العدل والإحسان كعدو طبقي وسياسي، ولذلك فهو غير معني بالبحث في ترتيب الاعداء او في التناقضات بينهما.ينطلق المدافعون على هذا الرأي من معطيات تاريخية، منها المباشر في المغرب خاصة ما تعرض له مناضلو اليسار في الجامعات من تقتيل واجرام على ايدي عناصر من الاتجاهات الاسلامية بما فيها العدل والإحسان، كما ينطلق ايضا من تجارب دولية مثل ما حصل لحزب تودا في ايران على ايدي نظام الخميني او من تصفيات واغتيالات في مصر ولبنان… يرى مناصرو هذا الرأي ان اي حوار مع العدل والإحسان فهو موجه ضد اليسار، لأنه يمنح الشرعية للظلاميين وستكون نتيجته هي الخضوع لقوتهم والجري ورائهم.
3- رأي آخر يشكك في جدوى الحوار لان التجربة وخاصة حركة 20 فبراير اظهرت ان خلفية الجماعة في الدعوة للحوار هي فقط خدمة اجندة خاصة بها وبينت ايضا تلك التجارب ان العدل والإحسان لن تلتزم بأية خلاصة، وما افراغها للساحة وخيانة حركة 20 فبراير إلا دليل على سقوط المصداقية عن خطابها الذي تروج بموجبه انحيازها لقضايا الشعب، وبالتالي فان اي حوار هو فقط جري وراء السراب.
هكذا يتضح اننا لسنا امام موضوع تافه ومعزول ولا قيمة له منحصر فقط في قضية الحوار من عدمه. ان الموضوع اكبر واشمل وهو يتعلق بالرؤية والمنظور للتعامل مع الاسلام السياسي فكرا وتنظيما بارتباط مع تطور الصراع الطبقي ببلادنا. لسنا امام قضية نظرية اكاديمية بحثة بل هي في صلب الممارسة السياسية وتعني التكتيك المسنود الى استراتيجية التغيير المنشود.
كيف سنبني هذه الرؤية والمنظور؟ من اين ستأتي الافكار السديدة في هذا الشان؟ بكل تأكيد، انها لن تأتي إلا بخوض غمار الصراع الطبقي والانغماس في حل التناقضات والفعل فيها. وكما هو معلوم ففي غمار التجربة لا ضمانة مسبقة في النجاح، مما يعني انه عند الفشل لا بد من تحمل المسؤولية وتأدية الحساب ماديا ومعنويا، مما يعني ان صورتك سيلحقها الاهتزاز والخدوش وحتى تشوهات. بخوضك غمار ومخاطر تلك التجربة ستفقد طهرانيتك وعذريتك لأنك حتما ستنال حظك من اوساخ واتربة ساحات المعارك. وحدهم اصحاب الابراج العاجية والذين يطبقون مبدأ “كم حاجة قضيناها بتركها”، هم من سيحافظ على نقائه وطهارته وعذريته لن يفشل ولن يطالبه احد بتقديم الحساب على اخطاءه ستبقى صفحته بيضاء ناصعة وسيكون هو من يحاسب ويلوم ويتشفى ويقول للمخطئين كم حذرتكم، كم حذرتكم…
اذا لكي نكتسب الخبرة ونبني الرؤية لا بد من الممارسة والتجربة الميدانية وهي تجربة مستندة ومسلحة بما استطعنا تعلمه من التاريخ وايضا من الخبرة النظرية المستنتجة من هذه الخلفية التاريخية. بذلك يكون انخرطنا في الممارسة ليس انخراطا تجريبيا لاادريا مغفلا بل يرتكز على منطلقات ودروس، وستكون هذه الممارسة والتجربة بدورها مناسبة لاخضع تلك الدروس للتقييم والتقويم والترسيخ. وهذه هي الطريقة المثلى لبناء الخط الفكري والسياسي، لأنها تجري في معمعان الصراع وتحت نيران الواقع الملتهب.
كيف يجب علينا ان ننظر الى الاسلام السياسي اليوم؟ يجب ان تكون نظرتنا تاريخية ودينامية، فالإسلام السياسي اليوم ليس هو كما كان عليه قبل 80 سنة اي بعيد تشكل تنظيم الاخوان المسلمين، وليس هو كما كان قبل عشرة سنوات.لقد وقعت عليه تغيرات وعرف تطورات خاصة بعد اندلاع السيرورات الثورية بمنطقتنا. والإسلام السياسي بالمغرب ليس كما استنبته النظام بداية الستينيات ولا حتى كما كان عليه في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وهو اليوم بعد حركة 20 فبراير شهد تغيرات وحصلت فيه تطورات.
من اجل بناء رؤيتنا لهذه الدينامية والتطور التاريخي كيف يجب علينا التعامل مع الاسلام السياسي؟ هل نعامله كبنية فوقية موحدة منسجمة ام نعامله كنتاج شرط وجود اجتماعي انطلاقا من مبدأ نظري سديد وهو ان الوجود الاجتماعي سابق على الوعي بل هو محدد له.
لهذا نعلنها واضحة جلية، إننا نتعامل مع الاسلام السياسي كظاهرة اجتماعية يخترقها الصراع الطبقي بل هو يقبض عليها من عنقها، يفعل فيها وهو من يحدد وجهتها ومستقبلها. وأية رؤية تنظر للإسلام السياسي كوحدة منسجمة ومنغلقة على نفسها لن تكون إلا نظرة غير علمية، جامدة سكونية وميتافيزيقية. ومثل هذه الرؤية ستكون مضرة لأصحابها، لأنها تحرمهم من القدرة على الفعل في الواقع لعدم تسلحهم بالمعرفة العلمية وأدواتها ولعجزهم على استنتاج الخطط والتكتيكات الفعالة والمنتجة للتغيير المنشود.
ليس المجال هنا لاستعراض الاسس والخلفيات التي انبنى عليها الاسلام السياسي من عشرينيات القرن الماضي لكنني سأكتفي بالإشارة الى اهم تطور حصل وخاصة بعد انتصار الثورة الايرانية بقيادة الخميني، و كاد “الفيس” الجبهة الاسلامية للإنقاذ ان يتسلم السلطة في الجزائر بعد فوزه في الانتخابات التشريعية لولا تدخل الجيش الذي افشل التجربة برمتها؛ وكذلك بعد انخراط حماس والجهاد في الكفاح المسلح بفلسطين عندما تخلت عمليا منظمة التحرير الفلسطينية عن هذا الخيار. اصبح الاسلام السياسي شأنا عاما، وتوسعت صفوف منخرطيه بل اصبحت تتشكل قواه اساسا من الطبقات الاجتماعية الكادحة بما فيها فئات عمالية. لم يعد الاخوان المسلمون وغيرهم من تنظيمات الاسلام السياسي تنظيمات نخبوية او مقتصرة على البرجوازية الصغرى وحتى المتوسطة. لقد تحقق لهذا التوجه نوع من الهيمنة الفكرية بالمفهوم الغرامشي. سيطول الحديث عن الاسباب العميقة التي سمحت بذلك؛ لعل اهمها هو الدعم المتعدد الابعاد الذي قدمته الانظمة الرجعية ببلداننا و كذلك السند المتنوع الذي منحته القوى الامبريالية لهذا التوجه حتى تستعمله كقوى منظمة ومكتسحة للساحات الجماهيرية في مقاومة الفكر اليساري والتحرري. كما شجع على ذلك الانكسار الذي لحق اليسار على الصعيد المحلي والدولي في ظل انهيار منظومة الاتحاد السوفيتي.
كانت من اولى بوادر التغيير الذي لحق بالإسلام السياسي بعد هذا التوسع الجماهيري هو حدوث بعض التجاوزات بل حتى عصيانه للأسياد وأولي النعمة على تنظيمات الاسلام السياسي، وهو ما كنا نصفه بانقلاب السحر على الساحر، فتم تصويب صواريخ ستينغر الى صدر الولايات المتحدة والسعودية بعد ان كانت مخصصة للروس ونظام مجيب الرحمان في افغانستان، كما سقط السادات تحت رصاص الاسلامبولي. هكذا ظهرت تنظيمات اسلامية متنوعة ومختلفة الى حد انها باتت تتواجه مع بعضها البعض. فهذا الاسلام السياسي جلب الى صفوفه افواجا من الشباب وجندهم عبر التاطير الفكري والنظري وجعل منهم ميليشيات قائمة الذات وخلايا نائمة باتت مستعدة للتحرك وهو ما وظفته اليوم كل القوى الدولية الراعية للإرهاب. لقد اصبح للإسلام السياسي بهذا المعنى بعدا دوليا يعتمد في صنع السياسات الدولية وتشن به حروب وتغذى بها الصناعة الحربية في امريكا وغيرها من الدول الامبريالية. ولأنه بات يأخذ هذا الموقع وهذه الاهمية اصبح قوى مخاطبة من طرف البانتاغون ومختلف سفارات الولايات المتحدة والدول الغربية انه الشريك التابع والضامن لاستمرار الهيمنة الامبريالية.
عند التدقيق في القاعدة الاجتماعية التي اصبحت تشكل كتلة قوى الاسلام السياسي يتضح انها تضم الفئات الوسطية من برجوازية صغيرة ومتوسطة وفئات واسعة من الكادحين والمهمشين. وخاصية هذه الفئات هي التذبذب وسرعة تغيير الاتجاه حسب ادراكها او اعتقادها في اين توجد الجهة التي المانحة او الضامنة للمصالح المباشرة. وبذلك تكون هذه الفئات مجالا للاستقطاب والتأثير وهي مستهدفة من طرف قوى الاسلام السياسي لكن هناك ايضا تدخل واستهداف من طرف اجهزة الدولة السياسية وغيرها ومن الاحزاب الرجعية بالاضافة الى الترسانة الاخطبوطية للنفوذ الاجنبي الخليجي والامبريالي. سيكون من السذاجة الاعتقاد بان قوى الاسلام السياسي تشتغل بدون منافسة او تضييق من طرف كل تلك القوى التي اشرنا اليها، خاصة بعد ظهور بوادر الانفلات وخروج العفريت من قمقمه.
نظرا لهذا التأثير الواسع لقوى الاسلام السياسي بات من واجب قوى اليسار وخاصة منه اليسار الماركسي توضيح طريقة تعامله. وفي هذا الاطار برزت توجهات مختلفة هي ما حاولنا تحديدها في بداية هذه الورقة.
وحده اليسار المرتبط عضويا بالجماهير الكادحة هو من يستطيع رصد حجم وعمق الهيمنة الفكرية لقوى الاسلام السياسي. وهو من يستطيع تلمس الاضرار التي خلقتها هذه الهيمنة على عقول وعلى استعداد هذه الجماهير للنضال من اجل الحريات السياسية والاجتماعية والديمقراطية والتحرر من قبضة الكتلة الطبقية السائدة والامبريالية. لقد شكل فكر الاسلام السياسي حاضنة قيم الاستسلام للقدر والطاعة والخنوع، قيم جعلت من الانسان عجينة سهلة الانقياد للأخر، فتم سلب ارادته وتحويله الى اداة تنفيذ وتم تسخيره لأغراض قوى غاشمة لها مصالح تتنافى مع مصالحه كانسان كادح مقهور. فمن اجل افتكاك هذه الجماهير من هيمنة التوجهات الرجعية والظلامية، يتوجب على اليسار وكل القوى التقدمية العمل على اشاعة فكر النقد والمعرفة العلمية والتحرر من الغيبيات والخرافات والتشبع بالقناعات التي تعلي من حقوق الانسان في المعتقد وفي التفكير والتعبير وباحترام الاختلاف والتنوع والمساواة بين المرأة والرجل وبين الاجناس والقوميات والاقليات. ونظرا لكون القوى المشكلة لهذا الاسلام السياسي غير منسجمة ويخترقها التناقض والصراع الطبقي فهناك منها من هو اكثر قابلية للتفاعل الايجابي مع برامجنا ومع مواقفنا وهو راغب من جهته في البحث عن السند والدعم لمواجهة الاستبداد والفساد ومظاهر التخلف ببلادنا.
لذلك وجب فتح ورشة المواجهة الفكرية والسياسية مع قوى الاسلام السياسي لكنها مواجهة عقلانية مسترشدة برؤية لظاهرة اجتماعية ولها اهداف واضحة.
فالأهداف المتوخاة من هذا الصراع هي اولا تحرير عقول الجماهير الكادحة وتأهيلها لاستيعاب خطاب ودعاية الفكر اليساري التقدمي كفكر من صلبها وليس كفكر مغترب عنها. فكلما خضعت تلك العقول الى هيمنة ذلكم الفكر النكوصي، كلما اصبحت غريبة عن واقعها الاجتماعي بل غريبة حتى على عصرها. فعلى عكس ما يدعيه البعض اليوم حينما يقول بان اليسار مغترب عن شعبه، فإننا نعتقد ان السبب الرئيسي اليوم في هذا التباعد الحاصل والغربة، راجع الى هيمنة فكر مفرط في الاغتراب مفروض بقوة التمويل والدعاية الخليجية والامبريالية في وضع اجتماعي متسم بالفقر الشديد والحاجة. طبعا على اليسار دائما وأبدا ان يكون ابن بيئته، ان يجتهد ليكون المعبر الحقيقي عن مطامح شعبه.
لذلك يعتبر الغرض الاساسي من خوض هذا الصراع هو افتكاك وعي الجماهير الواسعة وتحرير العقل وملكة التفكير والإبداع والاجتهاد ومن جهة ثانية النجاح في جلب قوى مناضلة اضافية عبر التحاق التوجهات المناضلة الحقيقية التي ستبرز من صفوف قوى الاسلام السياسي المنتمية الى صفوف الشعب واحتلالها مكانتها الطبيعية ضمن القوى التقدمية وهذا مطمح صعب المنال يتطلب مجهودا جبارا لان هناك العديد من يعتبره مستحيلا.
اذا كانت تلك هي الاهداف المباشرة والغير المباشرة، فان الطرق والوسائل من اجل تحقيقها ستكون مختلفة باختلاف الاطراف التي يجري معها الصراع. لذلك سيكون الصراع مع بعضها صراعا تناحريا لسبب وحيد لأنها تعتبر نفسها صراحة جزء من النظام القائم وهي تدافع عن مصالح الكتلة الطبقية السائدة.
وهناك اطراف تعتبر نفسها مستقلة عن النظام وهي في تناقض مع الكتلة الطبقية السائدة وترى فيها سببا للاستغلال والعسف الذي تتعرض له. وان مصالحها متناقضة مع مصالح هذه الكتلة الطبقية المستبدة، فمع مثل هذه الاطرف يكون الصراع من نوعية مختلفة لأنه صراع مع قوى داخل الشعب.
ولكي يكون لهذا الصراع جدوى وتمنح له امكانية التطور الايجابي لا بد من ان يدور على قاعدة انخرط كل فصائله في النضال ضد كل مظاهر الاستغلال والاستبداد. فعلى قاعدة هذا الانخراط تفتح قنوات الصراع الايجابي بتنظيم نقاش وحوار عمومي حول كل القضايا التي تهم مستقبل شعبنا وقضايا تحرره من القبضة الطبقية للكتلة الطبقية السائدة ومن الهيمنة الامبريالية. وتلتزم الاطراف المتحاورة بتقوية الجبهات الميدانية للنضال المشترك. اما القضايا الفكرية والسياسية التي تعتبر خلافية فيستمر فيها الصراع الفكري العميق لكن بخلفية تحويله الى رافعة لدفع الصراع الطبقي ليتقدم وليس للنسف او الردة. ان نجاح او فشل هذا الحوار العمومي سيكون مقياس درجة نضج القوى المتحاورة و قياس مدى التقدم الموضوعي في بناء اواصر العلاقات السليمة وذات مصداقية.كما ان هذا الحوار سيمكن من الوقوف على اخطاء السابق ومعالجة جراحاتها ومثالبها وما سببته من عرقلة وكبح لتطور نضال شعبنا.
التيتي الحبيب
27 /12/ 2016



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com