في تحديد وترتيب التناقضات


التيتي الحبيب
في تحديد وترتيب التناقضات

ونحن في حضرة الذكرى 100 للثورة البلشفية المجيدة التي عبرها دخلت البشرية الى عهد جديد عهد سلطة العمال، اقترح على المناضلات والمناضلين الاشتغال على نصوص وقضايا ذات دلالة قوية ولا زالت لها راهنية. نصوص تساعد على الانبعاث المتجدد لأهداف الثورة البلشفية الخالدة والتي لازالت هناك الكثير من التضحيات بالغالي والنفيس تقدم عبر العالم.اما نحن بالمغرب فأحسن ما نقدمه هو الانخراط القوي والشجاع والمبدئي لبناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين والذي بدونه سيستمر هذر كفاحات شعبنا.
النص التاسع
في تحديد وترتيب التناقضات
عندما تعجز عن تحديد طبيعة التناقضات وعن ترتيبها في سلم الاولويات فانك تسقط حتما في التخبط وفقدان بوصلة الفعل في الواقع.تصبح فاقدا للقدرة على تحقيق النتائج المرجوة بل تحكم على نفسك بالانزواء في الهامش مسلوب الارادة.
لذلك ادعو الجميع الى سبر اغوار هذه المسالة ولنبحث كيفية تحديد هذه التناقضات وكيفية ترتيبها.
قبل التفصيل في طبيعة التناقضات لا بد من الاشارة الى اهمية مفهوم التناقض.
اننا لا نريد هنا تكرار كل ما كتب وقيل، لكننا نود التركيز على قضية جوهرية في مسالة التناقض.اننا ننظر الى التناقض من زاوية النظرية الماركسية باعتبارها نظرة للكون والمجتمع ليس فقط نظرة تأمل، بل هي نظرية البراكسيس اي نظرية تغيير العالم.وفي هذه النظرية يحتل مفهوم التناقض مكانة المحرك او مكانة المحور الذي تدور او تتشكل حوله بقية المفاهيم والقوانين، انه احد قوانين الديالكتيك ان لم يكن اسها.فعند النظر الى التناقض بين الوعي والمادة وأيهما الاسبق تتحدد مدرستك او انتماؤك الايديولوجي ومرجعيتك،وهكذا عندما تزعم بأسبقية المادة على الوعي فأنت تنتمي للمدرسة المادية، اما عندما ترى اسبقية الوعي على المادة فأنت تنتمي للمدرسة المثالية، وليس هناك اي انتماء ثالث او ما بين بين.طبعا داخل كل مدرسة منهما هناك طيف من المذاهب والمدارس.وبمثل هذه القوة والشمولية حتى العلوم تتحدد طبيعتها بالتناقض الذي تعالجه بما فيها العلوم الانسانية من اقتصاد وتاريخ واجتماع وسياسة..الخ.
وفي هذه المقالة سنسعى الى تسليط المزيد من الضوء على هذا المفهوم في حياتنا العملية كمناضلين منخرطين في عملية تغيير المجتمع وفق ما نستنتجه من قوانين الصراع الطبقي الجاري امام اعيننا.فعند الدراسة العملية للتناقض في خضم الصراع الطبقي يحدث شيء مفارق نلمسه في حالة البون او التمايز بين المفهوم النظري المجرد للتناقض وتجسده في الواقع، انه ينزل من علياء النظرية المجردة الباردة الى زخم وضجيج الواقع.وفي هذا النزول الى الواقع يصبح مفهوما واقعيا مغمسا بالخصوصيات، وتركبه قشرة من اوحال المعارك تكاد تخفي معالم وجهه، ويصعب التعرف على طبيعته وتشخيص حقيقته، وفي زحمة اختلاطه مع باقي التناقضات الواقعية الاخرى، التي نزلت بدورها الى حلبة الصراع الطبقي يتيه المرء وتختلط عليه الامور تماما كما يحدث لنا مع القطط بالليل فهي كلها سوداء.ويزداد الامر سوءا عندما يتم اعتبار هذه التناقضات جامدة لا تتغير ولا يطالها فعل التاريخ.هذا هو ما يفسر الاضطراب وفقدان التمكن من تحديد طبيعة هذه التناقضات فيتم السقوط في ورطة تقديم تقديرات خاطئة- غالبا ما تكون ميكانيكية اي غير جدلية- لحلها لأن كل اصناف التناقضات اختلطت او ركبت الواحدة فوق الاخرى، فيصعب فكها وترتيبها.
فما هي الطريقة الانجع والأسلم للتمكن من التشخيص العلمي للتناقض وعدم السقوط في فخ الطريقة الميكانيكية للتعامل مع التناقضات؟ في اعتبارنا هناك احدى اهم الطرق و احسنها وهي طريقة العمل المنظم والتفكير الجماعي.فعند النظر الى التناقضات وفعلها في الواقع وبشكل جماعي، تكون الرؤيا متيقظة وقادرة على الامساك بحقيقة التناقضات احسن، ويتم الانتباه الى تعقيدات الحالة خاصة عند التعرض لها في حركيتها وديناميتها وليس في السكون والجمود.ومن ميزة هذا العمل الجماعي الذي يسعى الى انضاج الافكار عبر الجدل المنظم هو انه يقود الى استنباط فعل تلك التناقضات وكيفية حلها وبالتالي وضع الخطة العملية حسب مقتضيات المركزية الديمقراطية كمبدأ حسم المواقف. بذلك نكون قد وفرنا اكبر الضمانات للحصول على خطة انجع وامتن من تلك التي يضعها شخص لوحده.ولهذا ترانا نفضل دائما ومتى كان ذلك ممكنا العمل الجماعي المنظم و المنتظم.
ولتشجيع هذا التفكير المنظم والمنتظم الجماعي، وإمداده بعناصر المعرفة و خلاصات نظرية، اود تقديم بعض الافكار حول مسالة التناقض كما اراها تعترضنا في الممارسة النضالية.
كل الابحاث النظرية التي انجزت حول مسالة التناقض تؤكد على ان هذا المفهوم الى جانب كونه مفهوما شاملا لكل مناحي الحياة والكون، فهو ايضا ذو طبيعة خاصة متعددة في المضمون والشكل.اننا نميز في هذا العرض بين ثلاثة انواع من التناقضات: التناقض الاساسي، التناقض الرئيسي والتناقض الثانوي.
فإذا كان التناقض الاساسي يحدد طبيعة الظاهرة الاجتماعية او الكونية، فان التناقض الرئيسي يحدد طبيعة الحركية او الدينامية والصراع الذي تعرفه الظاهرة التي قامت على اساس التناقض الاساسي، وبفعل دينامية الصراع فان حل هذا التناقض الرئيسي يمكن من التقدم في حل التناقض الاساسي – بفعل التراكمات الكمية او حتى بالقفزة النوعية – و من جهة ثانية يحدث في لحظات معينة و تحت ظروف دقيقة ان يتحول التناقض الرئيسي الى تناقض اساسي او ثانوي.اما التناقض الثانوي فهو من حيث طبيعته ينتمي الى فئة التناقضات الرئيسية مع فارق انه من حيث الشدة او الكثافة، يحتل مرتبة ادنى من التناقض الرئيسي و لذلك فهو يمكن ان يوجد بشكل فردي او متعدد وبدوره وتحت ظروف دقيقة يمكن ان يتحول هذا التناقض الثانوي الى تناقض رئيسي.
قل لي كيف يتعامل التنظيم مع تحديد طبيعة التناقضات و ترتيبها اقول لك هل هو علمي و هويته.
عند تقييم او الحكم على اي تنظيم سياسي هل هو تنظيم يستحق حمل اسم تنظيم يشتغل بطريقة علمية، يكفى النظر الى طريقة تعامله مع التناقضات.والمجال الذي تنكشف فيه طريقته في التعامل مع التناقضات هي مرجعيته الايديولوجية او الفكرية وخطه السياسي.فالمرجعية غالبا ما تتولى مهمة تدقيق و تحديد التناقضات كما يراها التنظيم، بينما الخط السياسي غالبا ما يوضح ترابط هذه التناقضات وطريقة حل الاساسي و الرئيسي منها عبر الاستراتيجية، بينما يتولى التكتيك وضع خطة تدبير حل التناقضات وترتيبها في الزمن القصير المدى، وينتبه الى ضرورة الحفاظ على البوصلة حتى لا يزيغ التنظيم عن تحديداته واولوياته الاستراتيجية.
بالإضافة الى تقييم طريقة اشتغال التنظيم هل هي علمية ام لا، فان التعامل مع التناقضات في خط اي تنظيم تمكن ايضا من رصد الهوية الحقيقية لهذا التنظيم والى اي مدرسة سياسية ينتمي فعلا و ليس ادعاءا. ان هذا الرصد يحتل عندنا بالمغرب اهمية قصوى،خاصة في هذا الوقت الذي تطرح مسالة تحقيق وحدة التنظيمات التي تنتمي لنفس التوجه من اجل بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة.ان هذا الرصد يسهل عملية التقارب ويمكن من تذويب بعض الفروقات الغير الجوهرية والموجودة بفعل تراكمات تاريخية او ذاتية. ومن جهة اخرى يسمح بتحديد معالم الخلافات الجوهرية الواقعة مع التيارات الاخرى، وهذا طبعا سيجعل مهمة النقاش والبحث في تلك النقاط مثمرا وفعالا في تقريب الشقة و البحث على خطط الاشتغال على المشترك وتطويق نقط الخلاف.
قبل استعراض رأينا في طبيعة التناقضات، لا بد من الاشارة الى الحالة التي هي عليها الحركة الماركسية العالمية اليوم.وهذه الحالة هي نتيجة صيرورة تاريخية عرفتها هذه الحركة منذ نشىتها.ففي عهد القادة المؤسسين ظهر اتجاهان متناقضان كان موقف كل منهما في كيفية حل التناقض الاساسي بين الروليتاريا و البرجوازية.الاتجاه الثوري رأى طريقة القيام البروليتاريا بثورتها لانتزاع سلطتها وإقامة المجتمع الاشتراكي، بينما اعتبر الاتجاه التحريفي ان الانتقال الى الاشتراكية سيتم سلميا وتدريجيا عبر التراكمات الكمية، فتحل سلطة العمال عن طريق الانتخابات محل سلطة البرجوازية. وفي داخل كل من هذين التوجهين برزت اختلافات وتوجهات متعددة.ففي وسط الاتجاه الثوري ولما انطلقت التجربة نحو انجاز الثورة البروليتارية وبعد قيام اول تجربة اشتراكية وأمام مستجدات الصراع الطبقي ونضالات الشعوب من اجل الاستقلال والتحرر ظهرت اختلافات دارت حول تحديد طبيعة التناقضات او حول مسالة ترتيبها.هكذا حصلت اختلافات حول كيفية حل التناقض الاساسي في المجتمع الاشتراكي و حول التناقض مع الامبريالية ومن خلال الاجابات المبلورة ظهر ثلاثة اتجاهات رئيسية هي الاتجاه الماركسي اللينيني و الاتجاه التروتسكي بالإضافة للاتجاه التحريفي الذي تقوى واستطاع استرجاع مواقعه داخل الحركة الماركسية العالمية سواء في المنظومة الاشتراكية او في باقي الدول وخاصة الاورو شيوعية بعد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي.اما بعد انهيار التجربة السوفيتية وبعد الضربات التي تلقتها كل التوجهات الثورية داخل الحركة الماركسية العالمية سادت فترة غموض ولخبطة نجم عنه ظهور تيارات تتدعي كلها امتلاك الحقيقة و تسفه من لا يشاركها الرأي او القناعات.ومما زاد من حدة التشرذم والتشظي هو هيمنة الدغمائية وغياب التعامل مع الافكار والزعامات تعاملا جدليا نقديا بل ساد الافراط في تقديس النصوص واعتبار التشبث بالمرجعية هو التشبث بالنص بغض النظر عن محتواه ومضمونه.لقد جعلوا من خطابات الزعماء نصا مقدسا حتى ولو كان خطابا او مقالا يعالج قضية عابرة او مسالة ذات خصوصية انتهى امرها منذ زمان.ان مثل هذا التصرف مع المرجعيات والزعامات يجد سببه العميق في عزلة اصحابه عن قضايا الصراع الطبقي الذي يعيشونه جسدا لكن فكرا فهم يستعيضون عن دراسته وتحليله باستنساخ ما ورد في الكتب. انها ممارسات دغمائية لا تختلف عن تلك التي حاربها ماركس وانجلس وقاومها بشراسة لينين.
اننا ندعو الى اعادة نقاش اسس هذه الظاهرة واعادة الاعتبار للنظرية الماركسية و تنقيحها من هذه الشوائب الزائدة.ولكي تنجح هذه المهمة لا بد من وضع محك تتم بموجبه اعادة الاعتبار لعملية فرز موضوعية بين التوجهات والمدارس والابتعاد عن هذه الموضة المقيتة السائدة اليوم في تقسيم المقسم والبحث المرضي عن اية ذريعة او سبب لإعلان التميز والاختلاف.ان هذا الامعان في التشرذم يعكس حاجة راسخة ومتأصلة عند البرجوازي الصغير المتحذلق الكاره لتحمل مسؤولية النضال والسير في اتجاه التبلتر يتخلى بموجبه عن جلدته وروحه البرجوازية ويلتحق عن قناعة راسخة بصفوف البروليتاريا ويتحول الى جندي بسيط في صفوفها.ان طبيعة البرجوازي الصغير المتنطع هي ما يدفعه دفعا لحب الظهور والزعامية، ولذلك تراه يرهق نفسه في البحث عن الاسباب والأعذار، ويخوض الحروب تحت رايات براقة ويستعمل الشعارات المسروقة من الفكر البروليتاري ليوظفها ضد الجميع.
ففي قضية الفرز الموضوعي والحقيقي بين الاتجاهات يلعب مفهوم التناقضات دورا اساسيا من حيث تحديد طبيعتها و من حيث ترتيبها وطرق او اسليب معالجتها. ولهذا نقترح عرض جملة التناقضات الاساسية كما تبدو في المرحلة الحالية من تطور الصراعات الطبقية والدولية.
بعدما انتصرت الرأسمالية في اوروبا الغربية وانتقلت شعوبها من مجتمعات اقطاعية الى مجتمع الرأسمالية حيث ساد نمط الانتاج الرأسمالي الذي تطور وبلغ درجة عالية من التمركز اصبح معها يبحث على اوسع مجال لتحقيق ارباحه وجلب اكبر ما يستطيع من الثروات.خلال تاريخها شهدت الراسمالية عدة مراحل من التطور الى ان بلغت اعلى المراحل اي المرحلة الامبريالية، وهي مرحلة تعفن النظام الرأسمالي.وبفعل هذا التطور تمت السيطرة الشبه التامة على كل شعوب العالم وخضعت الى تغيير مجتمعي مطبوع بتاثير الاستعمار المباشر وغير المباشر. هكذا انتقلت هذه البلدان الخاضعة من مجتمعات كانت تعرف انماط انتاج ماقبل رأسمالية الى مجتمعات ساد فيها نمط انتاج الرأسمالية التبعية. ففي هذه المرحلة من تطور الرأسمالية نضجت شروط تفاقم وانفجار التناقضات اعطت اول تجربة لسلطة البروليتارية في روسيا بعد الاطاحة بالرأسمالية و الشروع في بناء الاشتراكية في بلد واحد سنة 1917.
ان التطورات الحاصلة اليوم تؤكد المزيد من تعفن الرأسمالية بل تكشف احد اخطر التناقضات وهو المتمثل في خطر القضاء على الحياة في كوكبنا، اذا ما تركت الامبريالية حرة في تحقيق اهدافها المتوحشة.
اما بالمغرب وفي اطار التطورات الخارجية والداخلية يمكننا تلخيص اهم مميزات التشكيلة الاجتماعية في ما يلي:
+ كان تاريخ المغرب في جل مراحله تاريخ اصطدام ارادتين متباينتين: الاولى هي ارادة البحث عن تقوية الشخصية الاعتبارية للقبائل منفردة او مجتمعة، من اجل حماية مصالحها وتنميتها ورفض الخضوع لوصاية قوة خارجية من سلطة مركزية او غيرها، وكل علاقات الاستغلال والاحتقار والسخرة هذا من جهة ومن جهة اخرى ارادة المخزن وزمرته في التسلط والاستحواذ على اجود الاراضي والمراعي وينابيع الماء.
+ كان من نتائج التدخل الاستعماري اجهاض الدينامية الذاتية لتطور المجتمع القبلي؛ وبذلك اعدمت الفرصة التاريخية لإنضاج تلك التحولات الاجتماعية الضرورية للانتقال بهذا المجتمع القبلي المؤسس على نمط انتاج ماقبل رأسمالي الى مرحلة مجتمع جديد.وبذلك كان للتدخل الاستعماري اثر حاسم في حجب النمو الطبيعي للتشكيلة الاجتماعية المغربية وغيرت من مجراه.
+ استعان الاستعمار بالمخزن للتغلغل في مفاصل المجتمع المغربي واثر على كل مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.تشكلت الدولة الجديدة كسلطة سياسية لكتلة طبقية مؤلفة من البرجوازية الكمبرادورية وكبار ملاك الاراضي تستحوذ على فائض القيمة المنتزع من الطبقة العاملة وعلى كل الثروات الطبيعية، بينما بقيت في الجهة المقابلة كل الطبقات الاجتماعية المختلفة عرضة للتهميش او الاستغلال.
تلك هي خصائص التشكيلة الاجتماعية ببلادنا وهي لا تختلف جوهريا عن واقع غيرها من البلدان المستعمرة او شبه مستعمرة؛ والتي عرفت نضالا مريرا من اجل التحرر.لكن بفعل الهيمنة الامبريالية لم يستطع اي من هذه البلدان تحقيق الانتقال الى مرحلة التقدم الاجتماعي كما حدث في بلدان المركز او استثناءا في اليابان، لقد اجهضت كل المحاولات التي قادتها البرجوازية المحلية، بل جعلتها طبيعتها المتذبذبة و الخائفة من ثورات شعوبها تتحول الى برجوازية عميلة وشريكة للامبريالية. فكانت النتيجة العملية لهذا الوضع هو سيادة نمط انتاج هجين بقيت معه هذه البلدان في اسفل درجات التخلف المادي والروحي.وأصبحت عملية استكمال مهام التحرر وبناء الاقتصاد الوطني من مهام الطبقة الثورية حتى النهاية اي الطبقة العاملة.
على ضوء هذه المعطيات حول التشكيلة الاجتماعية ببلادنا يمكننا عرض تحليلنا او تحديدنا الملموس للتناقضات الاساسية التي من خلالها تتم عملية استكمال مهام التحرر والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي ببلادنا، وهي التحرر الوطني و البناء الديمقراطي وبناء المجتمع الاشتراكي،”وهذه المهام ليست بمراحل منفصلة زمنيا أو منعزلة بعضها عن بعض، بل إنها متداخلة في ما بينها ومترابطة جدليا. وتستلزم ضرورة قيادة الطبقة العاملة لهذا النضال أن يكون هدفه النهائي هو تحقيق المشروع الاشتراكي في أفق بناء المجتمع الشيوعي”(انظر المرجعية السياسية للنهج الديمقراطي.وثيقة صادرة عن المؤتمر الوطني الثالث).
في التناقض الاساسي القائم بين قوة العمل المنتجة لفائض القيمة و الرأسمال المستغل لقوة العمل.
انه التناقض الأساسي “القوة المحركة للقوات المحركة” كما صاغته اطروحة المؤتمر الوطني الرابع وهو ذلك التناقض مابين قوة العمل المنتجة لفائض القيمة والرأسمال المستغل لقوة العمل. لقد قام المجتمع الرأسمالي على الانتاج السلعي وعلى نطاق واسع جدا وهو يتوسع باستمرار بهدف الحصول على الارباح. فمنذ القرن 16 بدأ نمط الانتاج الرأسمالي بالتطور في اوروبا الغربية، منطلقا من التعاونية البسيطة الى المانيفاكتورة. ومع الثورة الصناعية استعمل الماكينات والآلات البسيطة ثم المعقدة، فتحولت المانيفاكتورة الى المصنع ثم المجمعات الصناعية الكبرى. سمح القضاء على روابط القنانة وتحرير اليد العاملة بالبوادي من توفير يد عاملة منزوعة من ارضها ومجردة من كل ادوات الانتاج. هكذا تحولت الاغلبية من السكان الى جيش لا يملك إلا قوة عمله، مقابل اقلية تملك ادوات الانتاج وكل الثروة التي تستخرج من عملية الانتاج الاجتماعي. لقد اصبحت الاغلبية المشكلة من بروليتاريا وشبه بروليتاريا لا يمكنها العيش إلا ببيع قوة عملها التي هو في نفس الوقت مصدر ثروة الطبقات الاجتماعية العليا.
هذا هو التناقض الاساسي او “محرك المحركات” والذي يخترق كل المجتمعات الرأسمالية في بلدان المركز او في بلدان الأطراف، مجتمعات الرأسمالية التبعية.
ومن اجل تحقيق حل هذا التناقض الاساسي طورت الحركة الماركسية اللينينية طيلة تاريخها، نظرية الانتقال عبر مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية وهي مرحلة انجاز الدولة الجديدة التي تقوم على قاعدة حل التناقض الرئيسي والذي بدون حله لن يفتح طريق بناء المجتمع الاشتراكي، وهذا التناقض الرئيسي هو (التناقض الموجود بين مجموع الطبقات الشعبية المشكلة من الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء والمعدمين وكادحي الأحياء الشعبية والبرجوازية الصغرى والبرجوازية المتوسطة من جهة والإمبريالية، وعلى الخصوص الامبريالية الفرنسية، والنظام المخزني وقاعدته الاجتماعية المشكلة من الكتلة الطبقية السائدة وامتداداتها المجتمعية من أحزاب وجمعيات واعيان من جهة أخرى. لذلك فان الإستراتيجية الثورية هي حل هذا التناقض الرئيسي تحت قيادة جبهة الطبقات الشعبية في أفق حل التناقض الأساسي تحت قيادة حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين.) انظر اطروحات المؤتمر الوطني الرابع.
قبل الاستمرار في استعراض باقي التناقضات الاساسية كما يراها الماركسيون اللينينيون لا بد من الاشارة الى الاختلافات الجوهرية الحاصلة بين الماركسيين اللينينيين والتيارات التروتسكية بصدد اشكالية حل هذا التناقض الاساسي.ان الجميع يتفق على تشخيصه كتناقض اساسي لكن طريقة حله تختلف من تصور الى اخر.فالتيارات التروتسكية تكاد تجمع على ان حل هذا التناقض يتم عبر الثورة الاشتراكية و هم يرفضون الكلام عن مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية التي يعتبرونها طرحا تحريفيا ويدعون بان لينين كان قد تخلى عن اطروحته بصدد الثورة الوطنية الديمقراطية وتبنى اطروحة تروتسكي حول الثورة الدائمة بما فيها نظرة تروتسكي لديكتاتورية البروليتاريا القائمة باستقلال عن التحالف مع الفلاحين.
في التناقض الاساسي المتعلق بالتناقض بين العمال و الرأسماليين.
ان اساس وسبب الملكية الخاصة للرأسماليين وكبار ملاك الاراضي هو تحويل قوة العمل الى سلعة وبالتبعية تحويل العمال الى عبيد مأجورين. ان من خاصية نمط الانتاج الرأسمالي هي جعل الانتاج والعمل، عملية اجتماعية. ان تحويل ملكية وسائل الانتاج الى ملكية مشتركة سيسمح بتوافق علاقات الانتاج مع الطابع الاجتماعي لقوى الانتاج. هكذا عندما يتم القضاء على التملك الخاص لوسائل الانتاج وتحويلها الى ملكية مشتركة للمجتمع سيتحقق شرط تحرر العمال انفسهم ويجد التناقض الاساسي بين العمال والرأسماليين حله لما تنتقل ملكية وسائل الانتاج الى ملكية المجتمع برمته وينتفي استغلال الانسان لأخيه الانسان.
التناقض الاساسي القائم بين الشعوب و الامم المضطهدة مع الامبريالية
عندما كانت البرجوازية توسع من ترويج بضائعها في ابعد المناطق عبر العالم، فإنها كانت تبحث عن اسواق جديدة وعن مصادر المواد الخام. ومن خلال انشائها للسوق الرأسمالية على الصعيد العالمي ساهمت بإخضاع جميع البلدان لمسلسل الانتاج الرأسمالي مما حقق لها توسيع عملية الاستغلال. هكذا انفتحت مرحلة الاستعمار وتقسيم النفوذ.وفي كل هذه البلدان اخضعت مختلف انماط الانتاج القائمة الى سيطرة وقوة نمط الانتاج المفروض وهو نمط الانتاج الرأسمالي، ترتب عنه خضوع تلك الشعوب الى سيطرة حفنة من البرجوازية الوكيلة.ومن اجل وضع حد لهذه السيطرة المباشرة قامت حروب التحرير من الاستعمار قادت بعض الدول الى الحصول على استقلال كان في الغالب الاعم استقلالا شكليا، بقيت بموجبه تلك البلدان في قبضة الشركات والمؤسسات الامبريالية. ان عصر الامبريالية هو عصرا التناقض الاساسي بين الشعوب الخاضعة والامم المضطهدة والامبريالية من جهة اخرى.
يجد هذا التناقض حله عبر حل التناقض الرئيسي المتمثل في تحقيق الانتصار وهزم القوى الطبقية المحلية والتي تعتبر الممثل الوكيل على الصعيد الوطني للامبريالية ولمصالحها ولمؤسساتها،كما يجد حله عبر تحالف الشعوب المتحررة وإقامة علاقات التحالف والتعاون فيما بينها والتقدم في بناء منظومة البلدان الاشتراكية.
التناقض الاساسي القائم بين الاشتراكية و الرأسمالية.
ان تتطور قوى الانتاج وتحولها الى طبيعة اجتماعية ودخولها في تناقض تناحري مع شكل ملكية وسائل الانتاج الملكية الخاصة هو ما يشكل حفار قبر الرأسمالية كما حلله ماركس وانجلس منذ اصدارهما للبيان الشيوعي.ومع ظهور مرحلة الامبريالية وكما برهن على ذلك لينين، اصبحت مهمة الانتقال الى الاشتراكية مهمة مطروحة على جدول اعمال البروليتايا، وهو ما حاولته بروليتاريا باريس في كمونة باريس لمدة 4 اشهر، وعاودته الثورة البلشفية في 1917 ودام اكثر من 40 سنة.لذلك نعتبر ان هذا التناقض الاساسي اصبح اليوم تناقضا واقعا وإمكانية حله هي ايضا مهمة البروليتاريا اينما وجدت: في دول المركز تكون المهمة هي القضاء على سلطة البرجوازية وإقامة سلطة العمال والانتقال الى الاشتراكية، وفي بلدان المحيط يتحتم انجاز مهمة اقامة الدولة الوطنية الديمقراطية الشعبية على طريق بناء الاشتراكية.وهي مهمة البروليتاريا وحلفائها في البلد الواحد او مجموعة محدودة من البلدان.طبعا هذا يتطلب الاستفادة من التجربة الغنية لفشل التجارب الماضية.في العصر الراهن اصبحت مسالة بناء الاشتراكية امرا واقعا لان البروليتاريا العالمية اصبحت تتوفر على تجربة تاريخية وعملية كما تمت عملية بناء احزاب وتنظيمات بروليتارية تضع على عاتقها النضال من اجل انجاز الثورة الاشتراكية، لكن واقع هذه الاحزاب والمنظمات هو التشرذم وضعف التنسيق في ما بينها.ولهذا ومن اجل حل هذا التناقض الاساسي تطرح مهمة بناء اممية ماركسية تناضل من اجل انجاز مهمة الثورة الاشتراكية وتوفير كل المقومات لهزم الامبريالية والرأسمالية اينما كانت.
التناقض الاساسي بين الرأسمال والبيئة.
في تحليله للرأسمال كشف ماركس ذلك المنحى اللامحدود الذي يميزه وهو بحثه الدائم عن المزيد من الربح والتوسع، لا يقف عند حد او يتراجع امام اية عقبة وهو ان فعل فقد روحه سقطت خاصيته التي تجعل منه رأسمال.وفي سعيه المحموم هذا يحتاج الى استنفاذ كل احتياطيات المواد الاولية الموجودة على سطح الارض وفي باطنها،كما يقوم عند استهلاكه لموارد الطاقة الغير متجددة بعملية تبذير لا تراعي البيئة او تحترم ضرورة الحفاظ وحماية اسباب الحياة، لان اتخاذ مثل تلك الاجراءات يشكل عوائق بل تكلفة اضافية لا يحتملها لأنها تحد من الربح ومن المردودية المباشرة والسريعة.وكلما اشتدت الازمة الهيكلية للرأسمالية كلما سارعت الى تكثيف الاستغلال للموارد الطبيعية والزج بالشعوب في اتون الفقر والحاجة يكون سببا اضافيا في اللجوء الى تصرفات ومسلكيات جد ضارة بالطبيعة والمحيط العام.ان الرأسمالية في بحثها عن الربح اصبحت عدوة الطبيعة وهي تقود البشرية الى الهلاك.وفي هذا يكمن تناقض اساسي لن يجد حله إلا عبر القضاء على نمط الانتاج الرأسمالي والذي اصبح بحكم جشعه و وحشيته يضع الجميع امام خيارين اما القضاء عليه كرأسمال او فناء الحياة على كوكب الارض.ومن جهة ثانية وكما اشار ماركس الى ذلك فان العمل او عملية الانتاج برمتها تجري في كنف الطبيعة. لذلك تكون الاشتراكية بدورها مطالبة بالسهر على وقوع عملية الانتاج بشكل يحترم الطبيعة، ولهذا تعتبر الاشتراكية صديقة للطبيعة وحامية لها.
ان تحديد التناقض بين الرأسمال والبيئة كتناقض اساسي يهدف الى التأكيد من جهة على ان الرأسمالية في مرحلتها الامبريالية تقود الانسانية الى الفناء، ومن جهة ثانية التأكيد على انه اذا كانت عملية الانتاج تجري في كنف الطبيعة فان هذه العملية لكي تصبح صديقة الطبيعة فلابد وان تكون في اطار علاقات جديدة، يسهر عليها الانسان المتحرر من الحاجة، انسان المجتمع الاشتراكي. هذا هو الاطار الذي سيمكن فيه حل هذا التناقض الاساسي بخلاف ما يعتقده البعض، بكون الاشتراكية و الرأسمالية صنوان من نفس النوع، وهما بذلك يهددان البيئة و الحياة على كوكبنا؛كما ان الحل الذي اشرنا اليه يتعارض جذريا مع ما يعتقده بعض التقنيين والمفكرين الليبراليين لما يدعون الى عقلنة الانتاج والاستغلال وانه يكفي ترشيد الممارسات حتى تستقيم الامور وتتجاوز البشرية الخطر المحدق بالبيئة.
هذه هي التناقضات الاساسية التي نراها تحكم عالمنا اليوم. وفي طريقة وضعها و معالجتها، تتوضح هوية التنظيمات الماركسية وتتوزع انتماءاتها المرجعية والسياسية. لنا امل كبير في تنظيم النقاش والحوار حول تحديد هذه التناقضات وطرق معالجتها من خلال تقديم تصور حول التناقضات الرئيسية و الثانوية المتعلقة بكل واحد من هذه التناقضات الاساسية، كما نأمل في توفر جو صحي وموضوعي لتحقيق خطوات جبارة في عملية توحيد التيارات الماركسية التي تتفق على هذه التحديدات؛ وتقريب شقة الخلاف مع التيارات الاخرى التي لا تتبنى نفس التحديدات.ومن ان اجل ان يستقيم النقاش ويسهل ندعو الى استثمار منهجية تحديد التناقضات وترتيبها وخطط واسليب حلها،عبر تضمينها في مرجعية ايديولوجية وخط سياسي بشقيه الاستراتيجي والتكتيكي.
15/02/2017


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com