في عقد الاتفاقات :الحبيب التيتي


في عقد الاتفاقات

تعتبر مسالة عقد الاتفاقات من اصعب واعقد القضايا السياسية التي تواجه الاحزاب والمنظمات السياسية.ان عقد الاتفاقات يدخل ضمن صلب قيادة الصراع بمختلف اشكاله: النقابية او السياسية او العسكرية.
تعلمنا التجربة الشيوعية دروسا غنية مستقاة من معارك الكفاح في شتى الميادين وطيلة اكثر من 150 سنة. ونظرا لهذا الرصيد فغير مسموح بالبت والمطلق تكرار الاخطاء التي سقط فيها رفاق لنا وقدموا جراءها الغالي والنفيس من تضحيات عظام.ارتكاب نفس الاخطاء يجعلنا غير جديرين بإرثهم و حتى يمنع عنا الادعاء الانتماء لمدرستهم الخالدة مدرسة الحركة الشيوعية الاممية.
ان تحذيرنا هذا لا نصدره اعتباطا لكن من خلال استقراء العديد من المواقف لبعض المناضلين وحتى تيارات تتدعي انتماءها للماركسية. في هذه المقالة الجد مركزة لن نلتفت لموقف الاحزاب الغير معنية بالمرجعية الماركسية لأنها تضع نفسها بوعي وقناعة ضمن القوى الاصلاحية الراغبة في اصلاح الدولة الكمبرادورية وفق نفس العلاقات الطبقية القائمة ونفس السلطة السياسية القائمة. ان كل ما ترمي اليه هو ادخال تعديلات بسيطة او حتى عميقة من وجهة نظرها لكن تبقى البنية الطبقية هي نفسها.ولأنها تنطلق من هذه الخلفية فإننا كشيوعيين نتوجه لها باعتبارها قوى قد نعقد معها بعض الاتفاقيات بغرض تحقيق ما يعن من اهداف مشتركة بيننا وبينها.
اذا فتح نقاش حول مسالة عقد الاتفاقيات ينحصر على الاوساط الماركسية ببلادنا بمختلف مرجعياتهم ما داموا يناضلون من اجل اقامة الدولة البديلة باعتبارها هي سلطة العمال والكادحين.
ان تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي يتطلب صياغة استراتيجية مسنودة بترسانة من الخطط التكتيكية تحدد اهدافا كذلك تكتيكية واساليب مناسبة.وبما ان التغيير الثوري في المفهوم الماركسي هو من صنع الجماهير فهذا يستوجب الاعداد النظري والسياسي والتنظيمي لتحقيقه.وانطلاقا من هذه الخلفية لا يمكن الكلام عن اي تغيير خارج نطاق الصراع الطبقي اي خارج حلبة الصراع بين مكونات الشعب ضد مكونات الجبهة العدوة.ففي هذا الاطار يتعين علينا التمكن من تحديد وتدقيق النظر في مسالة التناقضات والتي بدون تسديد الرأي فيها سنرتكب اخطاء قاتلة قد تساعد العدو على هزمنا.
ففي التعامل مع جبهة اعداء الشعب لا بد من تحديد وتعريف التناقض الرئيسي في الفترة او المرحلة .فالتجربة ترشدنا عند النظر لهذا التناقض الرئيسي الى ضرورة التمحيص الشديد حتى نتعرف على العدو الاكثر شراسة سيسمح لنا ذلك بتصنيف باقي التناقضات وترتيبها حسب درجة الاولويات والأهمية في المعالجة والحل.ان مثل هذا الرصد الدقيق يمكننا من ادراك التناقضات وسط اعداء الشعب ويسهل تحديد الهدف والشعار والخطة وقد يشبه هذا التحليل والبحث ذلك الدرس الذي لخصه ارخيمديس لما قال: “اعطوني نقطة ارتكاز وأحمل لكم الارض بهذه الرافعة”.
ورافعتنا هنا هي مجمل القوى الاجتماعية والطبقية الملتفة على هدف حل التناقض الرئيسي مع العدو الاكثر شراسة.انها بالضرورة مجموعة من الفئات والطبقات الاجتماعية لان العدو الاكثر شراسة يوجد في موقع الهيمنة الاجتماعية والسياسية ويتوفر على القوة العسكرية والمسلحة.ولخلق هذه الرافعة لابد من التعامل مع الجبهة الحليفة اي اصدقاء الشعب.في هذه الجبهة ايضا توجد تناقضات طبقية وغيرها منها ما هو قائم ينتج تناحرات حادة لهذا الحد او ذاك ومنها تناقضات كامنة متخفية قد تنفجر في اية لحظة خاصة لما يتم ايقاظها من طرف العدو الطبقي ويجعل منها قنبلة تشتت القوى وتأجج الصراعات وتساعد على فتح جبهات بعيده عنه.
ان حل التناقضات داخل هذه الجبهة يعتبر من اعقد القضايا السياسية ولن يستطيع الشيوعيون التقدم في هذه المهمة اذا لم يستحضروا ذلكم الدرس الذي صاغه البيان الشيوعي والقائل:
“ما هي علاقة الشيوعيين بالبروليتاريين عموما ؟
إنّ الشيوعيين ليسوا حزبا منفصلا في مواجهة الأحزاب العمالية الاخرى وليست لهم مصالح منفصلة عن مصالح عموم البروليتاريا.
وهم لا يطرحون مبادئ خاصة يريدون قَولَبَة الحركة البروليتارية بقالبها.
إن الشيوعيين لا يتميزون عن الأحزاب البروليتارية الأخرى إلاّ في أنّهم: من ناحية، يُبرزون ويُغلِّبون المصالح المشتركة في الصراعات القومية المختلف للبروليتاريين، بصرف النظر عن تابعية عموم البروليتاريا، ومن ناحية أخرى، يمثِّلون دائما مصلحة مُجمل الحركة في مختلف أطوار التطور، التي يمر بها الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية.
إذن الشيوعيون عمليّا هم الفريق الأكثر حزما من الأحزاب العمالية في جميع البلدان، والدافع دوما إلى الأمام، ونظريا هم متميزون عن سائر جُموع البروليتاريا، بالتبصّر في وضع الحركة البروليتارية، وفي مسيرتها ونتائجها العامّة.
والهدف الأول للشيوعيين هو الهدف نفسه لكل الأحزاب البروليتارية الأخرى: تشكّل البروليتاريا في طبقة، إسقاط هيمنة البرجوازية، وا ستيلاء البروليتاريا عن السّلطة السياسية.
وطروحات الشيوعيين النظرية لا تقوم قطعا على أفكار، على مبادئ، ابتكرها أو اكتشفها هذا أو ذاك من مُصلحي العالم.
إنّها فقط تعبير عام عن الشروط الحقيقية لصراع طبقيّ قائم عن حركة تاريخية تجري أمام أعيننا. و إلغاء علاقات الملكية القائمة حتى الآن, ليس هو إطلاقا السِّمة المميزة للشيوعية.”(البيان الشيوعي)
فبهذه الصفات يعمل الشيوعيون على حل التناقضات وسط الشعب وعلى بناء موازين قوة تحقق النصر.ولن يتأتى بناء موازين القوة بدون تشكيل جبهات للنضال حول اهداف معينة. لذلك لا محيد عن عقد اتفاقات مع الحلفاء المفترضين تخدم هذه الاهداف، كما يراعي الشيوعيون ان تلك الاتفاقات يجب ان تخدم الهدف النهائي للصراع ولدور الطبقة العاملة الريادي فيه.ولعقد هذه الاتفاقات لا بد من مراعاة المبادئ التالية:
1- لا يمكن عقد اتفاقية مع “حليف” معين بدون معرفة طبيعته معرفة دقيقة موضوعية كما هو في الواقع وليس كما يدعي او يريد ان يظهر. ان من شان ذلك ان يكشف اذا ما كان عدوا مقنعا فيكون من الخطر بصفة خاصة ادخاله فى صفوف الثوريين بل وجب اتخاذ كل الاحتياطات اللازمة.
2- يجب التأكد حقا وفعلا ان هذا “الحليف”، يقاتل فعليا ضد العدو المشترك وبأى طريقة؟
3- عند عقد الاتفاقيات المفيدة لا بد من التأكد من انها ليست ضارة بالأهداف الدائمة والأعمق للحزب البروليتارى .
ان الالتزام بهذه القواعد عند فتح المفاوضات من اجل عقد الاتفاقيات سيمكننا من خوض الصراع السياسي بما يمكن من خلق موازين قوة على الارض و في ذات الوقت فرز الامكانيات التي يمكنها ان تشكل جبهات ارقى واكثر انسجاما مع الاهداف البعيدة والاستراتيجية.
هكذا نفهم ان خوض الصراع يستحضر ضرورة التواجد في الميادين وسط الحركات الاحتجاجية والجماهير الناهضة للنضال وعدم التخلف على هذه الوضعية او النظر لها باحتقار او استهزاء.وهذا التواجد الميداني يفرض عقد اشكال متعددة من التنسيق بين مختلف القوى والفعاليات لجلبها وضمها للنضال وطبعا لم تكن ابدا هذه العملية خارج تطبيق القواعد الثلاثة الواردة اعلاه.وكلما تقدم النضال الجماهيري كلما برزت الحاجة الى عقد اتفاقات جديدة تنبني على التقييم واعادة النظر في سير الخطط وبرامج تحقيق الاهداف.
اين نحن الماركسيون المغاربة من هذه البديهيات او قواعد العمل ودروس تجارب الحركة الشيوعية العالمية؟ اننا جد بعيدين عن الاستفادة القصوى من هذا الرصيد وسبب ذلك يكمن في تخلفنا في مهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة والذي طال امده. ولذلك باتت هذه المهمة مستعجلة ويجب خوضها وفي نفس الوقت بناء ادوات التغيير الثوري الاخرى وفي قلب خوض النضال والمعارك الجماهيرية.
22/08/2017



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com