في نقد بعض الأفكار الخاطئة

في نقد بعض الأفكار الخاطئة

عبقرية لينين تأتي في نظري، بالأساس، من قدرته الفائقة على التحليل الملموس للواقع الملموس. وهذه القدرة ترتكز إلى تحديد التناقضات، ليس كتناقضات ساكنة لا تتغير، بل كتناقضات متحركة، خاصة في مراحل احتداد الصراع الطبقي الذي يلعب دور الكاشف لهذه التناقضات. وهذه القدرة على التحليل الملموس للواقع الملموس، تأسست على دراسة واستيعاب التغيرات العميقة التي طرأت على الرأسمالية في بلدان المركز وأدت إلى تحولها إلى إمبريالية تنهب خيرات بلدان المحيط، مما مكنها من ارشاء جزء من الطبقة العاملة (الارستقراطية العمالية المتحكمة في الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية، وخاصة في ألمانيا)، وبالتالي تحويل هذه الأحزاب إلى قوة داعمة لبرجوازياتها في صراعها ضد البرجوازيات الأوربية الأخرى لاقتسام العالم. فلولا هذا لتحليل وما يستتبعه من تغيير جدري في الموقف من الحرب الامبريالية لظل البلاشفة، على غرار المناشفة، ذيليين لبرجوازيتهم ولكانوا عاجزين على قيادة وانجاز الثورة في روسيا.
إن عبقرية لينين في تطبيقه الخلاق للمنهج المادي الجدلي الذي يجعله دائما متحفزا لدراسة التغيرات العميقة، الطبقية والسياسية، وتحديد التكتيكات والإستراتيجية بناء على ذلك. فما هو مطروح علينا ليس أن نستنسخ التكتيكات والمواقف التي اتخذها لينين في ظرفية سياسية معينة، بل أن نستفيد من منهجه المادي الجدلي المرتكز للتحليل الملموس للواقع الملموس وليس تطبيق وصفات جاهزة.
إن هذه المقدمة ضرورية لاستيعاب لماذا لا نتقدم بما فيه الكفاية كماركسيين، في إنجاز المهام الإستراتيجية التي طرحتها إلى “الأمام” ثم طورها النهج الديمقراطي، وخاصة مهمة بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين وجبهة الطبقات الشعبية باعتبارهما أداتين أساسيتين لانجاز مهام التحرر والديمقراطية والاشتراكية. فإنجاز هاتين المهمتين مسألة راهنة وملموسة وليست مسألة مؤجلة وغامضة. إن دراسة واقع اليسار بالمغرب وتحديد الوسائل والتكتيكات الكفيلة بجعله فاعلا أساسيا في النضال الحالي ضد المخزن ومن أجل الديمقراطية، ستكون له تأثيرات إيجابية على فك عزلته الجماهيرية وتسريع وتيرة الفرز داخله مما سيساعد على التقدم في بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين. كما أن بناء جبهة الطبقات الشعبية لن يتم دفعة واحدة ولا كما يتصوره البعض من خلال توافق قبلي لقوى يفترض أنها تمثل الطبقات الشعبية، بقدر ما سيكون محصلة النضال الملموس للشعب المغربي من أجل التحرر والديمقراطية والاشتراكية والصراع الفكري والسياسي اللذان (أي نضال الشعب المغربي والصراع الفكري والسياسي) سيفرزان القوى السياسية والاجتماعية التي تمثل الطبقات الشعبية.
في هذا الإطار، فإن دحض بعض الأفكار التي نعتبرها خاطئة قد يساهم في تدقيق وتوضيح المهام المطروحة.
وحدة اليسار والجبهة الميدانية:
يكرر بعض الرفاق مقولة أن وحدة اليسار حول برنامج للتغيير يجب أن تسبق بناء الجبهة الميدانية. تبدو هذه المقولة بديهية. لكن يجب إخضاعها للتحليل الملموس.
ما هو هذا اليسار الذي يجب أن يتوحد وعلى أي أساس بجب ان يتوحد؟
هناك أولا فيدرالية اليسار التي إنبنت على ثلاث ركائز: الصحراء – الملكية البرلمانية – الانتخابات.
هذا ما يعبر عن خوف قيادتها المتنفذة من التغيير الحقيقي. لماذا؟
إن الانتخابات عوض أن تكون وسيلة للتغيير الحقيقي، ستكرس، عكس ذلك، شرعية المخزن وتساعده، مؤقتا، على تجاوز أزمته. وتجربة الانتخابات و”المؤسسات الديمقراطية” المزعومة، خلال أكثر من نصف قرن، خير دليل على ذلك.
إن طرح الملكية البرلمانية كشعار سيتحقق من خلال توافقات فوقية مع المخزن وليس من خلال صراع واسع وضاري ضد المخزن تخوضه الجبهة النضالية الميدانية، سيؤدي، في الواقع، إلى استمرار الاستبداد والحكم الفردي المطلق للملك. إن المخزن غير قابل للإصلاح كما تبين ذلك التوافقات التي تمت خلال النضال ضد الاستعمار ثم في ايكس ليبان، ثم بعد الاستقلال الشكلي حول الصحراء وصولا إلى “التناوب” المخزني والتي كانت في الحقيقة استسلاما لمشيئة المخزن وأدى شعبنا ثمنها غاليا وأدت إلى إضعاف اليسار إلى أقصى الحدود.
أما في قضية الصحراء فموقف هذه القيادات هو الذيلية التامة لمواقف ومبادرات المخزن.
إن حزب المؤتمر الوطني الاتحادي مجرد واجهة للك.د.ش التي تلتزم قيادتها بالسلم الاجتماعي على حساب الطبقة العاملة وعموم الجماهير الشعبية وتحارب كل محاولة لدمقرطة هذه المركزية ولم تنخرط في حركة 20 فبراير بل تواطأت مع المخزن ضدها وباعتها مقابل فتات إتفاق 26 أبريل 2011.
وقيادة الحزب الاشتراكي الموحد تؤكد أنها ليست ضد المخزن وأن عدوها الرئيسي هو الإسلام السياسي، مدعمة بذلك موقف المخزن وموقف حزب الأصالة والمعاصرة. ولا تترك فرصة للهجوم على النهج الديمقراطي مستعملة أحط الأساليب والأكاذيب.
ويهيمن داخل حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي خط يميني سيقويه الخط اليميني السائد في فيدرالية اليسار الديمقراطي مما سيؤدي لا محالة إلى المزيد من إضعاف هذا الحزب.
إن هذه التغييرات داخل هذه الأحزاب تعبر عن تغيير في المواقع الطبقية للاتجاهات المهيمنة داخلها (أرستقراطية عمالية تستفيد من الريع النقابي، محامون يستفيدون من فتات النظام، مقاولو “المجتمع المدني” الذين اغتنوا بفضل دعم الدولة (المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) ودعم المؤسسات الدولية، المستفيدون من المجالس الكثيرة التي يحدثها النظام والفئات العليا من البرجوازية الصغرى( محامون، أطباء، رجال التعليم العالي…).
صحيح أن هناك مناضلين مخلصين داخل هذه الأحزاب، مناضلين يطمحون إلى التغيير الديمقراطي الحقيقي. فكبف نتعامل معهم؟ هل بالقبول باشتراطات قيادات الفيدرالية ومهادنة خطها اليميني الواضح؟ هل بالعكس بالصراع ضد هذه التوجهات اليمينية وفضحها وتبيان خطورتها المدمرة على اليسار وعلى نضال الشعب المغربي من أجل التغيير، وفي نفس الآن، العمل المشترك مع كل مناضلي هذه الأحزاب المخلصين؟
إن محاباة هذه القيادات والقبول باشتراطاتها ومهادنة الخط اليميني سيؤدي إلى اضعاف اليسار والمزيد من عزلته الجماهيرية والمزيد من تقوية التوجه اليميني وسيكون على حساب النضال الذي يخوضه المناضلون المخلصون داخل هذه الأحزاب ضد التوجهات اليمينية.
وهناك التيارات الماركسية: فإذا كان النهج الديمقراطي يتقدم في العمل المشترك مع بعض التيارات التروتسكية، فإن المجموعات المنحدرة من تجربة الطلبة القاعديين والتي لم تلتحق بتنظيمات اليسار، بعضها، مجيمعات غارقة في الدغمائية البئيسة والحلقية المقيتة والاقتتال فيما بينها وضد القوى الأخرى وتعتبر النهج الديمقراطي عدوها الرئيسي ملتقية بذلك موضوعيا مع النظام وتكتفي بالشعارات الثورية وبترديد النصوص: إنها في أغلبها مجيمعات لا تختلف، في أصوليتها، عن الأصولية الدينية المتطرفة.
ويتميز الوضع في المغرب بتواجد عدد كبير من المناضلين الديمقراطيين التقدميين الغير منتمين إلى أحزاب ومجموعات اليسار والذين يلعبون دورا هاما في مختلف واجهات النضال الجماهيري ويدافعون باستماتة عن ديمقراطية هذه الإطارات الجماهيرية وكفاحيتها ويناضلون، من مختلف مواقعهم، ضد المخزن. وهؤلاء المناضلين قد يشكلون قوة ستساهم بشكل معتبر في مسيرة التغيير الديمقراطي المنشود.
لذلك فإن اليسار في حاجة إلى إعادة بنائه بالارتكاز إلى التيارات الرافضة للخط اليميني المهيمن داخل فيدرالية اليسار والتي تناضل من أجل التغيير الحقيقي بعيدا عن أوهام “التوافق” مع المخزن. والتيارات التروتسكية وبعض المجموعات المنحدرة من تجربة القاعديين والتي قطعت مع الخط اليسراوي العدمي للبرنامج المرحلي، والمناضلين اليساريين الديمقراطيين الغير منتمين حزبيا. وهذا ما يفرض أن هذا البناء سيتم من خلال قطب سياسي – اجتماعي وليس فقط قطب سياسي، قطب يخوض الصراع من أجل المشروع التحرري، الديمقراطي والإشتراكي.
إن إعادة البناء هاته تتطلب العمل على ثلاث واجهات:
الصراع السياسي والفكري ضد التوجهات اليمينية واليسراوية داخل اليسار وضد التصورات الخاطئة لتوحيده مما سيساهم في الفرز الضروري داخله.
القيام بمبادرات وحدوية اتجاه القوى المناضلة اليسارية واتجاه المناضلين الديمقراطيين الغير منتمين.
تطوير نضال الشعب المغربي وتوحيده وتوجيهه ضد المخزن مما من شانه تسريع وتيرة الفرز داخل اليسار ومجموع القوى ورفع معنويات المناضلين.
فهل إعادة بناء اليسار يجب أن يسبق إعادة بناء الجبهة الميدانية النضالية أم أن إعادة بنائهما مسيرة واحدة؟
إن الفرز وإعادة بناء اليسار لا يمكن أن تنفصل عن تطوير نضال الشعب المغربي من أجل الديمقراطية وضد المخزن. ولذلك تكتسي مهمة إعادة بناء الجبهة النضالية الميدانية التي جسدتها ولا زالت حركة 20 فبراير أهمية حاسمة وملحاحية خاصة.
فبدون اعادة بناء هذه الجبهة وخوضها، الآن وهنا، النضال ضد المخزن ومن أجل الحرية والديمقراطية والعيش الكريم، سيمر، مؤقتا، المشروع المخزني المدعوم بالقوى الملتفة حوله وبانزياح فيدرالية اليسار نحو اليمين وسيزيد اليسار ضعفا وعزلة. أما إعادة بناء الجبهة الميدانية وتقوية وتوسيع وتطوير نضالها، فمن شأنه ضرب الإحباط الذي بدأ يدب في صفوف القوى المناضلة وانتقالها من مرحلة دفاعية إلى مرحلة هجومية وتسريع الفرز والاصطفاف الضروريين وسط اليسار وتشجيع الجماهير الشعبية الواسعة على الانخراط في النضال من أجل التغيير وجر القوى المترددة بما فيها، ربما، التوجهات اليمينية داخل الفيدرالية.
وخلاصة القول أن إعادة بناء اليسار وإعادة بناء الجبهة النضالية الميدانية مسيرة واحدة يخدم التقدم في إحدى طرفيها التقدم في الطرف الآخر.
مسالة ضعف اليسار ومسألة القيادة والسيرورة الحالية:
يطرح البعض أفكارا نعتبرها خاطئة ومضرة ولا جدلية٫ مفادها أن اليسار ضعيف الآن وغير قادر على قيادة النضال من آجل التغيير الذي سيستفيذ منه الإسلام السياسي الأكثر تنظيما وتأثيرا جماهيريا. وأن آي تغيير، في هذا الوضع٫ سيؤدي إلى وضع أسوء من الوضع الحالي (تمكن المشروع الإسلامي الماضوي من السلطة). وبالتالي فالمطروح هو الانصراف لبناء الذات والعمل مع الجماهير.
أولا، إن التغيير المتمثل في القضاء على المخزن الذي له جدور تمتد لقرون وتخترق المجتمع مسألة هامة وضرورية وتقدم هائل مهما كانت طبيعة القوة التي ستستفيد، مؤقتا، من الوضع الجديد. إضافة إلى كون هذا الوضع الجديد لن يكون مستقرا خلال مرحلة قد تطول بفعل تجند الشعب المغربي الذي يكون قد حقق الإنتصار على المخزن ولن يقبل بسهولة أن يستبدل استبداد المخزن باستبداد الاسلام السياسي وبفعل نضال القوى اليسارية والديمقراطية التي ستتطور من خلال الصراع ضد المخزن وسيفتح إسقاط المخزن أمامها إمكانيات هائلة للتطور (أنظر تجربة تونس مثلا).
ثانيا، إننا نعتبر آن مطمح التغيير الذي جسدته حركة 20 فبراير والذي التفت حوله الجماهير وستناضل من أجله لن ينتظر تحقيقه حتى يتوحد اليسار ويكون جاهزا لقيادته. فالجماهير لن تنتظر حتى نكون مؤهلين لقيادتها بل ستسير وراء القوى التي تناضل، الآن وهنا،من أجل إنعتاقها من الاستبداد والفساد وليس فقط من أجل مكتسبات جزئية وقطاعية تعرف جيدا أنها قابلة للتراجع ما دام المخزن قائما. وبقدر ما ننخرط بقوة وبكل طاقاتنا في هذا النضال ونساهم في توجيهه وتأطيره بقدر ما، رغم ضعفنا الحالي، سنكون فاعلين في التغيير وسنشكل رقما يصعب تجاهله أو إسقاطه إذا ما حدث التغيير المرتقب.
إن الاكتفاء ببناء الذات والعمل وسط الجماهير الكادحة( وهي، طبعا، مهام هامة وضرورية وتوجد ويجب أن تستمر في مركز الثقل في عملنا) بدون الانخراط القوي والفاعل والفوري في الصراع العام في المجتمع من أجل القضاء على المخزن وبناء نظام ديمقراطي والذي يشكل المطلب الملح والرئيسي للشعب المغربي حاليا والمدخل الضروري لتحقيق مطالبه في الميادين الاجتماعية والاقتصادية والثقافية وبدون السعي إلى احتلال موقع متقدم في هذا الصراع سيجعلنا نكرر الخطأ الاستراتجي الذي ارتكبه الحزب الشيوعي المغربي بابتعاده عن النضال من أجل الاستقلال الذي كان المطلب الشعبي الأساسي في تلك الفترة مما ترك قيادة هذا النضال في يد البرجوازية وأدى إلى انصراف الطبقة العاملة من صفوفه والتحاق أغلبها بالحركة الوطنية، وهو بذلك أجهض إمكانية بناء حزب الطبقة العاملة وأصبح قوة ذيلية للبرجوازية كرد فعل على خطئه السابق.
وعلى العكس من ذلك، فإن الحزب الشيوعي الفيتنامي والحزب الشيوعي الصيني الذين ربطا بين النضال التحرري والصراع الطبقي، بل أعطيا الأسبقية، في مرحلة معينة، للنضال الوطني قد قادا الشعب نحو الانتصار.
كما أن ذلك التوجه سيغذي النزعة الاقتصادوية التي يعاني منها النهج الديمقراطي ومجموع اليسار والمتمثلة في طغيان العمل في إطارات جماهيرية ضعيفة الإنغراس وسط الجماهير وضعف العمل السياسي والفكري والتنظيمي.
إن انصرافنا من النضال من أجل التغيير الديمقراطي الحقيقي الذي هو المطمح الرئيسي الآن لشعبنا بدعوى أن المستفيد منه قد يكون هو الإسلام السياسي، سيؤدي إلى أحد الاحتمالين:
إما أن يستطيع المخزن تقوية أركانه وجر المزيد من القوى لصفوفه،
إما أن يقود الإسلام السياسي لوحده النضال من أجل التغيير،
في كلتا الحالتين ستكون انعكاسات ذلك كارثية علينا وعلى مجموع القوى اليسارية المناضلة لأن القوى المنتصرة ستواجهنا ولن تتركنا، كما يظن البعض، نبني ذاتنا ونحقق انغراسا وسط الجماهير الكادحة بسلام ولأن الجماهير ستكون قد انصرفت من حولنا ولجأت إلى الاحباط في حالة انتصار المخزن أو التحقت بالقوى التي ساهمت أو قادت نضالها من أجل التغيير في حالة الانتصار على المخزن.
إننا واثقون من أن القوى الماركسية واليسارية قادرة على رفع التحدي المتمثل في بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين وجبهة الطبقات الشعبية من خلال بلورة الإستراتيجية والتكتيكات الملائمة وقيادة النضال من أجل التحرر الوطني والديمقراطية والاشتراكية.

  • رفيق زروال