في نقد مفهوم الملكية البرلمانية كسقف سياسي


حسن الصعيب : 03/8/2017

في نقد مفهوم الملكية البرلمانية كسقف سياسي

صحيح أن الوثيقة دققت نسبيا مفهومها للملكية البرلمانية كهدف استراتيجي في نضالها، سيما عندما اعتبرت أن تبنيها للملكية البرلمانية “لا يعني أنها تتعلق بالأوهام أوانها تقدم شيكا على بياض للطبقة الحاكمة… وأنها تعي جيدا أن هذا الهدف لن يكون منحة من احد، ولن يتحقق دون صراع وكفاح…كما تعي أن التطور التاريخي للمجتمع المغربي بتشكيلته الاجتماعية وبنياته الثقافية، يجعل من الملكية البرلمانية الحل الأسمى تاريخيا للتناقض الرئيسي بين قوى التحرر والتقدم والاشتراكية من جهة، وبين قوى الرجعية والمحافظة والتخلف من جهة ثانية، وتضيف الوثيقة أن: “تحويل الملكية التنفيذية إلى ملكية برلمانية يعتمد النضال الديمقراطي السلمي وتجنيب البلاد مخاطر المجهول كما حدث في بعض البلدان.

ملكية برلمانية يؤطره دستور ديمقراطي يضمن للشعب المغربي ممارسة سيادته كاملة عبر فصل حقيقي للسلط، وحكومة منبثقة عن انتخابات حرة ونزيهة تمارس كامل السلطة التنفيذية ومسؤولية أمام برلمان منتخب بالا قتراع العام والمباشر، قادر على مراقبة الحكومة وممارسة السلطة التشريعية وسلطة قضائية مستقلة وإعلاما عموميا حرا يعكس التعددية السياسية والثقافية واللغوية للمجتمع المغربي.”

رغم هذه التوضيحات السياسية والنضالية التي تجعل من تجسيد ملكية برلمانية بمثابة رهان سياسي ونضالي، يحتاج إلى سيرورات كفاحية، فان تغييب البعد الاستراتيجي المتمثل في تقويض الركائز الاقتصادية والسياسية والقمعية للطبقات السائدة، يجعل منه شعارا قابلا للالتفاف والاحتواء من طرف النظام ألمخزني، كما حدث مع دستور 1996 الذي صوتت عليه الكتلة الديمقراطية باستثناء منظمة العمل، الذي جسد الأرضية السياسية لإدماج المعارضة في اللعبة السياسية. ثم حدث ثانيا مع دستور 2011 الذي جاء من اجل احتواء حركة 20 فبراير والالتفاف على مطلب دستور ديمقراطي يجسد سيادة الشعب وإرادته في إقامة نظام ديمقراطي يقطع مع الاستبداد.

أما الانطلاق من تجسيد هذا الشعار انطلاقا من تجارب الشعوب وخاصة الأوروبية، فانه لا ينبني على مقارنة موضوعية لسبب بسيط هو أن هذه التجارب قامت على قاعدة اقتصاد وطني في إطار بنية رأسمالية متقدمة وفي ذات الوقت على قاعدة فكرية وسياسية أهم مرتكزاتها فصل الدين عن السياسة في إطار تحييد الدين من الصراع السياسي، وتعليم علماني وديمقراطي يساوي بين الجميع ويشجع على الابتكار وحرية البحث، وتأسيس دولة القانون بناءا على فصل حقيقي للسلط والسيادة للشعب.

كما أن الوصول إلى هذه الصيغة التوافقية جاءت نتيجة أحداث سياسية كبرى وصراعات طبقية عميقة، فبالنسبة لاسبانيا القريبة منا، جاءت كتتويج للصراع ضد الديكتاتورية منذ الثورة الجمهورية لسنة 1936 ثم فشلها، إلى حين انتصار الانتقال الديمقراطي في أواسط السبعينات من القرن الماضي. أما في بريطانيا  فقد جاءت نتيجة التوافق التاريخي بين الارستقراطية والبرجوازية دون إغفال النضال الثوري للطبقات الشعبية وعلى رأسها نضال الطبقة  العاملة الذي وثقه بمنهجية علمية مؤسسا الاشتراكية العلمية: ماركس وانجلز.

إن الدرس الذي يجب استخلاصه من هذه التجارب هو اعتبار الشكل السياسي الذي يحل التناقض بين الدولة الاستبدادية والدولة الديمقراطية يتأسس على نضالات سياسية وطبقية عميقة ولا يرتهن بشكل مسبق بوجهة نظر هذا الطرف أو ذاك، بالقفز أو التحكم في مصير التحولات العميقة التي تشهدها السيرورات الثورية في المنطقة العربية والمغاربية رغم المخاضات العسيرة والمآسي الاجتماعية والإنسانية التي تخلفها هذه السيرورات ذلك أن التاريخ، كما قال ماركس في إحدى تعبيراته الحكيمة، له خيال واسع يتجاوز تحليلات الخبراء والنخب التي تدعي امتلاك الحقيقة وتحتقر بوعي أو بدون وعي الزلزال السياسي الذي قد تحدثه ثورات الشعوب عندما تمتلك الوعي الثوري لتغيير مسار التاريخ نحو تاريخ أفضل حيث تسود الحرية  والكرامة والعدل والمساواة.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com