قراءة في الرؤيا الإستراتيجية للإصلاح 2015 – 2030

elouassouli_abdelhak-4ذ. عبد الحق الوسولي

قراءة في الرؤيا الإستراتيجية للإصلاح 2015 – 2030

إن أي محاولة متواضعة لفهم وقراءة في الرؤيا الإستراتيجية للإصلاح 2015 – 2030 ” من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء الفردي والمجتمعي” التي قدمها رئيس المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي يوم الثلاثاء 20 ماي 2015 لا يمكنها أن تستقيم قبل التذكير بواقع التعليم أو بالأحرى السياسة التعليمية المتبعة من طرف النظام والتطرق إلى الأهداف الكبرى للتعليم كما هو متعارف عليها عالميا وكما هي مطبقة في بعض الدول الرائدة في مجال التعليم.

1 – السياسة التعليمية

إن مظاهر تردي قطاع التعليم ليست جديدة كونه تعرض لمحاولات “إصلاح” متكررة لم تخرجه من أزمته البنيوية ولا تفعل تلك المحاولات سوى أنها تفاقم وتعمق مظاهر الأزمة. كما أن هذا القطاع بطبيعته كان دائما محط صراع سياسي بين منظور رسمي يهدف إلى تكريس منظور نخبوي يضرب مجانية التعليم وجودته ومحاصرة الفكر النقدي والتحرري من جهة ومنظور ديمقراطي تقدمي شعبي ديمقراطي، علمي وعلماني، مجاني وجيد للجميع من جهة ثانية. فهو إذن كان وسيبقى جزءا من معادلة الصراع العام في المجتمع.
إن السياسة التعليمية المتبعة هي سياسة طبقية بامتياز. فهناك مدرسة للكتلة الطبقية السائدة والتي تهدف إلى إعادة إنتاج النخب القادرة على التفكير والمحافظة على امتيازاتها الطبقية وهذا بالطبع متاح فقط لأبناء الأغنياء علما أن هذه الفئة لا تتجاوز عشرة بالمائة، بالمقابل مدرسة عمومية لأبناء عموم الشعب والتي كانت على الأقل حتى حدود السبعينات وسيلة للترقي الاجتماعي وهذا تم بفضل تضحيات نساء ورجال التعليم ومقاومتهم للسياسة الطبقية واللاشعبية للنظام، لكن ومنذ نهاية السبعينات بعدما أن زج النظام بخيرة رجال التعليم في السجون وحارب الإتحاد الوطني لطلبة المغرب وشجع الظلاميين والفكر الظلامي في الجامعة، استطاع أن يطبق سياسته وأصبح الهدف من المدرسة العمومية هو محاصرة العقلانية والفكر التحرري والنقدي وبالمقابل شل العقل عن التفكير وفي نهاية المطاف الهدف الرئيسي للمدرسة العمومية هو إعداد يد عاملة مؤهلة تكون في خدمة الكتلة الطبقية السائدة والشركات المتعددة الجنسيات و بأجور متدنية لكنها غير قادرة على الإبداع و التفكير في مستقبلها.
من هنا نستشف أن مشكلة منظومتنا التعليمية تتجلى بالإضافة إلى غياب الحكامة الجيدة في التسيير على طول هرم الدولة والمؤسسات التابعة لها، تتمحور على الخصوص في غياب إرادة سياسية لبلورة رؤيا إستراتيجية للإصلاح واضحة المعالم تروم بالأساس إلى خدمة مصالح الطبقات الشعبية والوطن

بدل خدمة المافيا المخزنية ومن يدور في فلكها.

إن المنظومة التعليمية هي جزء من المنظومة الاجتماعية، السياسية، الثقافية والاقتصادية للمجتمع وهو ما يعني أن أي إصلاح لا ينطلق من مبدأ الشمولية سيؤول لا محالة للفشل. فلو افترضنا أن الإصلاح يستهدف التلميذ والرفع من مردوديته ، وأن التلميذ المستهدف هو التلميذ المغربي دون اي تمييز فإن عملية الإصلاح تفرض بالضرورة تنمية اجتماعية ، اقتصادية وفكرية شاملة.
إن أي إصلاح يستبعد تطبيق الديمقراطية الحقيقية في كل مراحل العملية التعليمية وعلى مدار المعيش اليومي داخل المؤسسات التعليمية سيؤول للفشل. فالديمقراطية تعني إقرار مواطنة حقيقية والتي تعني بدورها منح الحقوق الأساسية لكل المواطنين دون تمييز، والحق في تعليم جيد هو احد هذه الحقوق الأساسية والتي تعتبر شاملة وغير مجزأة. والحال أن واقع تعليمنا ما زال بعيدا عن تحقيق المساواة والعدالة في جميع أسلاك التعليم، سواء تعلق الأمر بالبنيات التحتية او بالبرامج التعليمية بل وحتى بلغات التدريس.
ما نلاحظه من تراجع في المستوى التعليمي، ومستوى التواصل اللغوي بين أفراد المجتمع يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن الانحطاط الثقافي والفكري والأخلاقي والاجتماعي والاقتصادي سببه الرغبة في تدمير المجتمع ونخره واستبعاد أي قدرة ممكنة على النهوض والتنمية وشل العقل والفكر و خلق مواطن غير مبدع بفكر مشلول وغير خلاق. لقد نجحت الدولة في تطبيق سياستها الطبقية بامتياز.

2 – الهدف من التعليم

يهدف إلى توفير فرص التعليم لجميع أفراد المجتمع، وتنشئة أفراد جادين منتمين مفكرين ذوي مهارات إبداعية، وإعداد مواطنين صالحين مدركين لمسؤولياتهم تجاه الأسرة والمجتمع والوطن، وغرس الأخلاق والقيم التي ينادي بها المجتمع، والعمل على التماسك الاجتماعي والوحدة الوطنية من خلال التعليم.
لقد أصبحت فنلندا تعد نموذجا في تبني نظام الجودة في التعليم واستطاعت تحقق نتائج باهرة تجعل المتتبع للشأن التربوي يقف مذهولا أمام إنجازات هذه التجربة الفريدة. فما هي أسرار نجاح التجربة الفنلندية؟
ما من شك فيه أن الجميع أصبح واعيا بمحورية المتعلم في العملية التعليمية، لكن الوعي بهذا المعطى لحد ذاته لا يكفي للنهوض بقطاع التربية و التكوين. لقد اختار النظام التربوي في فنلندا أن يعطي الأولوية للمتعلم في كل مجالات الإصلاح انطلاقا من مبادئ احترام الفرد و صيانة حقوقه خصوصا حقه في تعليم ذو جودة مبني على أساس تكافؤ الفرص. و لعل شعار ̋ أن كل تلميذ يعتبر مهما ̏ خير دليل على الأهمية القصوى التي منحت لكل فرد من أفراد المجتمع في هذا البلد الذي يعتبر الإنسان مصدر ثروته الأولى. و هذه بعض مميزات النموذج الفنلندي لتطبيق نظام الجودة في التعليم :

• بنية تحتية مساعدة و محفزة: تعتبر المدرسة في فنلندا فضاء للحياة يحس فيه المتعلم أنه مرحب به.
• احترام خصوصيات كل طفل: يعطي الأولوية للمتعلم فيحترم إيقاع تعلمه، كما يتم الإنصات الدائم لحاجات المتعلمين والرصد المبكر لتعثراتهم الدراسية قصد المساعدة على تجاوزها في حينها.
• طرق بيداغوجية حديثة: إن منطق التعلم في فنلندا يقوم بالأساس على مبدأ مساعدة المتعلم على التعلم ويقتصر دور المدرس على التنظيم والمساعدة.
• نظام تقويم مرن ومحفز: لا يعتمد نظام التقويم في فنلندا على النقطة العددية الجزائية لتمييز المتعلمين وتتاح الفرصة لكل متعلم أن يتحسن تبعا لإمكاناته الذاتية وإيقاعه الخاص. فالمهم هو تثمين المكتسبات عند المتعلم وتشجيعه على التعلم الذاتي بدل إبراز نقائصه.
• تدقيق شروط ولوج المهنة: تعد مهنة التعليم في فنلندا من أرقى المهن وأعلاها شأنا لما توليه الدولة والمجتمع لها من أهمية، فلا غرابة من تشديد إجراءات انتقاء المدرسين.
• استقلالية المؤسسات التعليمية و تقييم أدائها: يخول النظام التربوي في فنلندا للمؤسسات التعليمية مستوى متقدما جدا في استقلالية تدبير شؤونها ومنحها كافة الصلاحيات الإدارية والمالية، وعهد إليها تكييف المناهج التعليمية مع حاجيات متعلميها و خصوصيات منطقتهم.
• التعليم في فنلندا مجاني بما فيها الوجبات الصحية واللوازم المدرسية كل يوم وطيلة سنوات الدراسة بموجب القانون.
• المعلم في فنلندا باحث في مجاله فهو الذي يجيد البحث العلمي، والقادر على تطوير معارفه باستمرار، وتطبيق النظريات العلمية في طريقة تدريسه في الصف، واسع المعرفة، متابعا للتطورات الاجتماعية، منفتحًا على الثقافات الأخرى، مدركًا لتفاصيل الحياة السياسية.
فأين نحن من كل هذا؟ وهل الرؤيا الإستراتيجية للإصلاح ستمكن فعلا من الوصول على الأقل إلى الأهداف والشعارات المعلنة ” من أجل مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء الفردي والمجتمعي”؟
إن الواقع الحالي وباعتراف المسئولين عن السياسة التعليمية ببلادنا من أعلى الهرم إلى أسفله يقر بفشل المنظومة التربوية ببلادنا (خطابات رئيس الدولة، تصريح وزير التعليم” 70 في المائة من التلاميذ في السنة الرابعة ابتدائي لا يحسنون القراءة و الكتابة”، تقرير المجلس الأعلى للتعليم، 10مليون أمي…).
إن عدم فهم الهدف العام وهو أي مجتمع ننشد بناءه للأجيال القادمة سيضعنا بالضرورة أمام إشكال عويص وهو استحالة الإجابة على السؤال الإشكالي: أية مدرسة نريد؟ وبالتالي أي مواطن أي إنسان نريد؟
إن الرؤيا الإستراتيجية للإصلاح لم تخرج عن المنظور المخزني لتحديد الأهداف الكبرى ” تستند هذه الرؤية إلى مبادئ الثوابت الدستورية للأمة المغربية، المتمثلة في الدين الإسلامي، والوحدة الوطنية، والملكية الدستورية. . .” و هذا جد طبيعي نظرا لكون هذا الأخير مؤسسة تابعة للنظام السياسي اللاديموقراطي ببلادنا.
إن الطريقة التي اعتمدت في انجاز هذه الرؤيا طريقة فوقية إذ أنها أعدت من طرف ما يسمى بالخبراء المتمخزنين طبعا بدون إشراك القوى الحية بالبلاد والأطر الوطنية الكفئة والأساتذة والمعلمين. . .
إن المجلس لم ينطلق من تقييم جدي للإصلاحات السابقة والوقوف على الإختلالات التي عرفتها السياسة التعليمية وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المسئولين عن هذه الجرائم الجسيمة التي حرمت الشعب المغربي من حقه في تعليم شعبي ديمقراطي جيد وفي المستوى.
إن الشعارات الكبرى المعلنة من قبيل من أجل: مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص، مدرسة الجودة للجميع، مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع، من أجل ريادة ناجعة وتدبير جديد للتغيير ما هي إلا شعارات للاستهلاك إذ أن الواقع المعاش والترتيبات المعلن عنها تفند كل هذا. إن واقع التعليم ببلادنا بعيد كل البعد عن مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص وخير دليل على هذا هو تشجيع التعليم الخصوصي والتلويح بالتخلي عن مجانية التعليم وأما مدرسة الجودة للجميع فحدث ولا حرج إذ أن مقومات الجودة منعدمة تماما في البوادي والأحياء الشعبية بالمدن أما المناطق الجبلية فالحديث عن الجودة فإنه ضرب من ضروب الخيال. وأما مدرسة الارتقاء بالفرد و المجتمع فإن السياسة التعليمية واضحة في هذا المجال إذ أن الهدف الرئيسي المعلن هو تكوين يد عاملة مؤهلة لخدمة الرأسمال الطفيلي والشركات الإمبريالية المتعددة الجنسيات و لهذا أعطيت أهمية كبرى للتكوين المهني على حساب تكوين المواطن المتمكن و الصالح للمجتمع و لنفسه. أضف إلى كل هذا تشجيع السياسة التي تروم إلى تسليع وتبضيع التعليم.
خلاصة القول أنه لا يكفي وضع رؤيا إستراتجية للإصلاح بل يجب أولا الإقرار بفشل السياسة التعليمية ومحاسبة المسئولين وسن سياسة بديلة يكون هدفها خدمة المواطن بدل خدمة النظام والعمل على توفير الإمكانيات المادية والبشرية اللازمة وجعل التعليم ونساء ورجال التعليم في قمة هرم الدولة و تمتيعهم بالحريات الضرورية وجعل التعليم خدمة عمومية بامتياز إذا أردنا فعلا الرقي والتقدم والتحرر الوطني.


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com