كلمة العدد 227 من النهج الديمقراطي


كلمة العدد

يعيش الدخول المدرسي لهذا الموسم على إيقاع الاحتجاجات على حالة الفشل الشامل التي وصلها التعليم في المغرب، حيث تعددت وتنوعت أشكالها من الوقفات والمسيرات إلى إضرام النار في الذات، واتسعت مجالاتها من الأحياء الشعبية في المدن إلى القرى النائية. فمع بدء عملية التسجيل سيواجه التلميذات والتلاميذ وأمهاتهم وآباؤهم وأولياء أمورهم المدرسات والمدرسون والأطر التربوية سيلا من الاختلالات التي تنخر التعليم العمومي هذه السنة ومنها:

  • إغلاق أو تفويت بعض المؤسسات؛
  • تقليص عدد الأقسام في المؤسسات، وخصاص في البنايات أو شغور بعضها بسبب الخصاص في الأطر التربوية؛
  • الاكتظاظ المهول في الأقسام والذي تجاوز 70 تلميذة وتلميذ في القسم في بعض الحالات؛
  • خلق رسوم جديدة في بعض مؤسسات التعليم العالي؛
  • تعمق الفوارق، سواء منها المجالية أو الاجتماعية أو الاقتصادية؛
  • هجوم شرس على حقوق ومكتسبات العاملات والعاملين بالقطاع، وضرب حق الاستقرار الاجتماعي والأسري والمهني والنفسي للمدرسات والمدرسين وباقي الأطر التربوية.

ومنذ اليوم الأول لانطلاق الدراسة ستنكشف مظاهر أخرى لفشل سياسة النظام في قطاع التعليم ولمدى حدة أزمة المدرسة العمومية، وخطورة الأبعاد التي اتخذتها هذه السنة:

  • خصاص كبير في المدرسات والمدرسين، وخصاص في أطر الإدارة التربوية في المؤسسات التعليمية، وخصاص في الأطر العاملة بالمصالح الخارجية للوزارة الوصية على التربية والتكوين؛
  • حذف بعض المواد في كثير من المؤسسات؛
  • حذف التفويج في عدد من المؤسسات، وتقليص عدد ساعات تدريس بعض المواد؛
  • استمرار ظاهرة الأقسام المشتركة واتساعها، وضم الأقسام من أجل خلق فائض مصطنع، يستغل في إعادة انتشار الموظفين؛
  • انتشار تدريس “المواد المتآخية”، واتساع ظاهرة الأستاذ المتنقل؛
  • تشغيل المديريات الجهوية للمدرسات والمدرسين بالعقدة أو تفويت عملية تشغيلهم لمقاولات خاصة (شركات حراسة).

إنه وضع يمكن تلخيصه بما يلي: ضعف وتردي العرض التعليمي، تشجيع الخوصصة على حساب المدرسة العمومية، تملص الدولة من مسؤوليتها في ضمان حق التعليم، تواصل عمليات الإجهاز على حقوق ومكتسبات المدرسات والمدرسين، بدأ مرحلة التخلي عن الوظيفة العمومية والاستعاضة عنها بالتشغيل عن طريق العقدة، استمرار المناهج والبرامج الرجعية التي تخدم مصالح النظام المخزني التبعي، الارتباك في انتاج الكتاب المدرسي، الفساد والارتجال المعممين على مستوى القرار والتدبير التعليميين، تغييب الديمقراطية في التسيير.

ومن الخطأ الاعتقاد بأن هذا السديم الذي غرقت فيه  المدرسة المغربية ناتج عن أحداث طارئة، أو أنه غير متوقع، أو أنه إفراز عادي لعدم النجاح في “الإصلاحات” التعليمية السابقة؛ فالحقيقة عكس ذلك تماما، فكل المعطيات والإحصائيات كانت تنبه وتبين المنحنى التراجعي للمدرسة المغربية، وكان النظام على علم بتفاصيل المؤشرات التعليمية لهذه السنة وحتى للسنوات المقبلة، وبالتالي فإن الاختلالات الملاحظة في هذا الدخول المدرسي ليست مفاجئة له، لذلك وجب البحث عن تفسير آخر لهذا الوضع وعدم الانخداع بدموع النظام التي يذرفها بكاء على حالة المدرسة المغربية وأزمتها المستفحلة؛ أما حديث النظام وأبواقه وأذنابه عن “الإصلاحات التعليمية ” فهو أكبر افتراء وأخطر تضليل في تاريخ التعليم في المغرب؛ ذلك أن الإصلاح هو  “عملية تغيير إلى الأحسن”، عكس ما كان يؤمن به النظام المخزني ويصر على فرضه؛ فمنذ 1965 ، على الأقل، ارتكزت سياسته في التعليم على إرادة تجهيل الشعب المغربي وحرمان نسبة كبيرة من بناته وأبنائه من الحق في التعليم، واعتماد مقاربة أمنية للمدرسة؛ ولم يحاول النظام إخفاء هذه السياسة أو التستر عليها، بل أعلن عنها بشكل واضح تماما، خاصة في المخطط الثلاثي 1965-1967، ومذهب بنهيمة حول التعليم 1966، إذ سيتم التقليص بشكل كبير لميزانية التعليم من أجل خفض نسبة التمدرس، ويستمر النظام في هذه السياسة، وسيحافظ ما سمي ب”العهد الجديد” بنفس التوجه، مع “الميثاق الوطني للتربية والتكوين”، و”البرنامج الاستعجالي 2009-2012″، و”وثيقة الإجراءات الاستعجالية لسنة 2012″، و”برنامج العمل المتوسط المدى 2013-2016″، و”رؤية استراتيجية للإصلاح 2015-2030”. إن إرادة تجهيل الشعب المغربي هي التي تفسر نسبة الأمية المرتفعة في المغرب (32% حسب الإحصائيات الرسمية المغربية، و43% حسب تقارير المنظمات الدولية) والتي تضعه ضمن خانة الدول التي تعيش الحروب أو المجاعة. ولعل تغييب سؤال المسؤولية السياسية عن فشل منظومة التربية والتكوين والبحث العلمي في القيام بمهامها يبين بجلاء انتهازية النخب السياسية الدائرة في فلك النظام واستسلامها لإرادته؛ مما شجعه على توجيه ضربات جديدة للتعليم العمومي ومحاولة القيام بهجوم كاسح على الحق في التعليم، تنفيذا لمتطلبات الاتفاقية العامة حول تجارة الخدمات وباقي الاتفاقيات مع المنظمة العالمية للتجارة والمؤسسات المالية الدولية المانحة.

ويمكن تركيز بعض الأهداف الحالية للنظام في التعليم في ما يلي:

  • جعل منظومة التربية والتكوين تتمحور حول المقاولة، خدمة للكتلة الطبقية السائدة؛
  • إنتاج منهاج وبرامج تخدم الأيديولوجية المخزنية؛
  • تفكيك التعليم العمومي من أجل خوصصة الأجزاء المربحة منه، من خلال تفويت المؤسسات أو المهام أو المسؤوليات، وتسليع التربية، وتشجيع ودعم التعليم الخصوصي على حساب التعليم العمومي، ونقل طرق ومفاهيم تدبير المقاولة إلى مجال التربية والتكوين؛
  • الإجهاز على مبدأ مجانية التعليم في التعليم العالي والتعليم الثانوي التأهيلي، وتخلي الدولة عن مسؤوليتها في ضمان حق التعليم، والإلقاء بها على الآباء والأمهات والجماعات الترابية؛
  • توظيف الجهوية لتفكيك وحدة منظومة التربية ووحدة العاملات والعاملين بها؛
  • دعم تدريس اللغة الفرنسية والإنجليزية وتقليص الاهتمام باللغة الأمازيغية؛
  • الإجهاز على الحق في متابعة التعليم العالي، باختلاق العديد من المعيقات وربطه بالإمكانيات المالية؛
  • الهجوم على حقوق ومكتسبات العاملات والعاملين بقطاع التعليم، من خلال الإجهاز على استقرارهم الاجتماعي والمادي والمهني، والتخلي عن مفهوم الموظف العمومي في التعليم والاستعاضة عنه بمفهوم المتعاقد.

إن خطورة هذه السياسة المخزنية على الحق في التعليم، وعلى عدد الفقراء في المغرب، دفعت العديد من المنظمات الدولية إلى تنبيه النظام، وتحذيره من الاستمرار فيها؛ ومع ذلك فقد زاد تعنته واصراره على المضي في تنفيذها؛ وأمام المقاومة الشعبية لتوجهاته لجأ إلى سياسة التأزيم من أجل تمرير مخططاته في التعليم؛ وهكذا سيقوم بالزج بالمدرسة العمومية في مستنقع الفشل، لتبرير إجراءاته اللاوطنية واللاشعبية واللاديمقراطية، وإرغام المغاربة على الاختيار بين السيئ والأسوأ. وهذا هو السبب الحقيقي لما يعانيه الدخول المدرسي والجامعي لهذه السنة من أعطاب واختلالات بنيوية.

إن الوضع الكارثي للتعليم والتكوين والبحث العلمي يفرض التحرك العاجل لمواجهة مخططات ومشاريع النظام، وتكوين جبهة للدفاع عن المدرسة العمومية والحق في التعلم والمجانية في التعليم والانحياز لقيم التسامح والحرية، والاستمرار في النضال من أجل تعليم وطني ديمقراطي شعبي علمي وموحد.


 


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com