كلمة العدد 230 من جريدة النهج الديمقراطي


كلمة العدد

كان ليوم 10 دجنبر هذه السنة وهو اليوم العالمي لحقوق الانسان طابع آخر ووهج متجدد لأنه صادف احياء الذكرى الاربعينية لقتل المواطن محسن فكري طحنا في شاحنة الازبال بالحسيمة يوم 28 اكتوبر 2016 على اثر سلبه بضاعته التي يعيل بها عائلته الكادحة.
كان اليوم العالمي لحقوق الانسان بالنسبة للإطارات المناضلة ببلادنا يوما نضاليا من اجل الاستمرار بالمطالبة بالكشف عن مصير المختطفين ومجهولي المصير ومن اجل فضح جميع الخروقات الجسيمة لحقوق الانسان، والتي لم يطوى ملفها كما اراد ان يوهم بذلك النظام القائم، وكما عمل من خلال تنصيبه لهيئة سماها بهيئة الانصاف والمصالحة.
و بهده المناسبة خصصت هيأة تحرير جريدة النهج الديمقراطي ملف هذا العدد لموضوع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ومسألة الافلات من العقاب. وقد تناول الملف مختلف القضايا التي نرى ان لها راهنيتها اليوم وهي ما يبقى الملف مفتوحا، ومطالب الضحايا وإطاراتهم الحقوقية مستمرة ولها مشروعية الى حين تحقيقها.
اثارة ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان ستبقى مستمرة ومتواصلة لان هذه الانتهاكات لا زالت ممتدة في سياسات النظام، نتج عنها موت تحت التعذيب او رهن الاختطاف والاعتقال، او في ظروف غامضة، حالة شباب بنك الحسيمة يوم 20 فبراير 2011، كما نتج عنها ايضا الجروح والعاهات جراء الضرب واستعمال العنف المفرط اثناء المسيرات او الوقفات او الاضرابات. كلها جرائم ارتكبت والمسؤولون عنها المباشرين والغير المباشرين والمنفذين، معروفون بالذات والصفة، لكنهم لم يتعرضوا لأدنى مسائلة او محاسبة، مثلهم مثل سابقيهم من المسؤولين عن انتهاكات حقوق الانسان في عهد الحسن الثاني، والذين لا زالوا يمارسون وظائفهم الرسمية او تصريف اعمالهم بدون محاسبة ولا مسائلة، بل منهم من تمت مكافئته، وكأنه حقق انجازات عظيمة للوطن والمواطنين بينما هو مجرم ارتكب جرائم تقع تحت طائلة جرائم ضد الانسانية.
تستمر هذه الانتهاكات لأنها لا زالت محمية ولم تقم الدولة في شخص رئيسها بالاعتذار عنها والالتزام السياسي والاخلاقي بعدم تكرارها. ان رفض هذا الاعتذار هو في حد ذاته وعمليا تشجيع على المزيد من ارتكابها وحماية للمسؤولين عنها.
اعتبرت الدولة انخراط بعض الضحايا في لعبة الانصاف والمصالحة والترويج لأكذوبة العدالة الانتقالية بمثابة طي لصفحة ذلك الملف الاسود وبميزة شهد شاهد من اهلها، الم تحصل نفس الدولة على تصريح احد هؤلاء ذات يوم، اقر فيه بانه لم يكن ديمقراطيا هو نفسه تجاه النظام والدولة، وهو مستعد للعمل من اجل طي الملف كما يشيد “بالفتى النبيل”، لقد اعتمدت الدولة على مثل هؤلاء وعلى تواطئهم كحجة حلها لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان، وبان قرارات وأحكام العدالة الانتقالية باتت نافدة ومقبولة، بان المغرب عضوا في ناد الدول التي يمكنها ان تساعد البشرية والدول الراغبة في الانتقال الديمقراطي والرقي بحقوق الانسان، وجعلت من هؤلاء السماسرة الجدد سفراء فوق العادة مستعدون لتسويق الانموذج المغربي في تطبيق العدالة الانتقالية .
طبعا ليس كل هذا إلا سفاسف ودر الرماد في العيون، لان ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الانسان في عهد الحسن الثاني، لا زالوا يطالبون بالحقيقة كاملة ولا زال ملف المختطفين ومجهولي المصير يراوح مكانه. بل هناك شهداء اعترفت الدولة بقتلهم لكنها ترفض الكشف عن قبورهم، كحالة الشهيد عبد اللطيف زروال رغم تاسيس لجنة كل الحقيقة عن الشهيد ورغم تشبت عائلته بكشف مصير ابنها وحقها في معرفة قبره، رغم كل هذا الاصرار فان الدولة مستمرة في التعنت ورفض الامتثال للحق ولتحمل مسؤولياتها.
ان من شان هذا الاصرار الذي يمثله احياء اليوم العالمي لحقوق الانسان واستمرار النهج الديمقراطي في احيءه لذكرى الشهداء كل سنة وهو ما سيتم في 18 دجنبر 2016 بالدار البيضاء انما هذا الاصرار هو من اجل فضح خلفيات التهرب من المسؤولية السياسية عما عاشه ولا زال شعبنا، من خرق سافر لحقه في التعبير والرأي والتنظيم والتظاهر، وكشف العدد الهائل من الضحايا الذين سقطوا بالامس واليوم من اجل المطالبة بالحقوق العادلة والمشروعة. ان من شان كل ذلك ان يسقط ويعري كذبة تطبيق العدالة الانتقالية ببلادنا، لأنها ببساطة كانت فاقدة لركيزة جوهرية من ركائز قيامها ببلادنا، وهي استمرار نفس النظام القائم ببلادنا بتدبير ملفات وموضوعات العدالة الانتقالية وقد نصب نفسه خصما وحكما في نفس الآن، بل اصدر مسبقا عفوه عن جميع المتورطين في الجرائم السياسية موضوع المتابعة.
في هذه السنة خرجت مئات الالاف من المواطنين والمواطنات في الحسيمة وباقي مدن الريف وفي العديد من المدن الاخرى لإحياء الذكرى الاربعينية لمحسن فكري، من اجل فضح تعسف واستبداد الاجهزة المخزنية التي ما كان لها بان تقوم بها لولا انها كانت مطلوقة اليد، مسموح لها بارتكاب كل الممارسات الخارجة عن القانون . انها تشتغل كجهاز يحتقر المواطن الى درجة اقدامه على جريمة طحنه في شاحنة الازبال. خرج الشباب يدين هذه الجريمة النكراء وهو بذلك في الحقيقة يواصل النضال القوي، من اجل ردع النظام عن استمراره في انتهاك حقوق وحريات الشعب؛ خرج الشباب من اجل التأكيد على ان الشعب وكما عبر عن ذلك في مسيرات وتظاهرات حركة 20 فبراير المجيدة يرفض الاستبداد وكل تجلياته، وهو يطالب بحقه في الديمقراطية والحرية والعيش الكريم . لقد تخلص هذا الشعب من التأثير المخدر لكل الشعارات الزائفة من عدالة انتقالية ومن عهد الانصاف والمصالحة.خرج الشباب من اجل التأكيد بأن زمن المحاسبة ومعاقبة المجرمين قد حان، ولن يتمكن اي مجرم او لص من الافلات من الجزاء. ان ذاكرة الشعب اصبحت متوهجة وحية، هي يقظة تسجل كل الخروقات والاعتداءات التي ترتكب في حق المناضلين، انها تهيؤ قرار احالة امام انظار محكمة الشعب لما يقرر اصدار حكمه النافذ؛ ولذلك فلترتعد فرائص المجرمين والمستبدين.