كلمة العدد 231 من النهج الديمقراطي


منذ تاريخ تكليف بن كيران والى حدود كتابة هذا النص والحكومة لم تتشكل بعد، لقد مضى اكثر من شهرين ونصف وهي مدة زمنية طويلة بالنسبة لمثل هذه المهمات. ومعلوم ان بن كيرات سبق له ان قام بجولة اتصالات اولى استطاع من خلالها وبيسر ان يجمع اغلبية سهلة مطاوعة وهي منقادة وملك يده، وقد حصل بها على اغلبية كافية ليعلن تشكيل الحكومة. لكن رياح المخزن هبت بما حطم حلم بن كيران وذلك بعد خطاب داكار حيث رفض الملك ما سماه باستغلال الريع العددي والسعي لاقتسام الغنيمة.
هكذا فهم بن كيران ان خلطته الاولى باتت غير مقبولة، وعليه ان يعيد الاتصالات بما يسمح لحزب الاحرار بالدخول في التشكيلة المقبلة. لكن حزب الاحرار خاض المفاوضات من موقعه كحزب مسنود من الدوائر العليا تحت مبرر انه يضمن الكفاءة والخبرة الغير متوفرة في غيره من الاحزاب المدعوة لتشكيل الحكومة. لذلك وضع شرط استبعاد حزب الاستقلال الذي سبق لبن كيران وان اعتبره حليفا بل شريكا قويا.
كان خطاب داكار بمثابة صفعة بعثرت اوراق بن كيران، فرضت عليه الانزواء فأصيب بحالة احباط حادة دخل بموجبها في شرود سياسي نجمت عنه تصريحات استحق عليها التوبيخ من طرف وزير خارجيته الذي اعتذر لروسيا عن زلة لسان رئيس الحكومة.ونتيجة طول انتظار تشكيل الحكومة بدأت اصوات تشير الى وجود ازمة سياسيةستكون لها عواقب وخيمة. لذلك بادر الملك بالتدخل عبر مستشاريه من اجل الدفع في توجيه وتسريع تشكيل الحكومة. مرة اخرى يظهر ان التازيم كان مقصودا لأنه سمح بالتأكيد ان الاحزاب السياسية المنشغلة بمصالها الضيقة لا يرجى منها خير، فلولا الرعاية الملكية وإرادته لذهبت البلاد الى الهاوية.
من خلالنا رصدنا لطريقة النظام في معالجته لمسالة تشكيل الحكومة يتضح انه منشغل ايضا بوضع المعارضة البرلمانية – باعتبارها معارضة صاحب الجلالة – وهو يسعى الى تنصيب معارضة تتولى مهمة تنشيط خشبة البرلمان لإضفاء طابع الجدية والمصداقية على الديمقراطية المخزنية. يجد هذا الاهتمام بالمعارضة اسبابه في الحرص على اعداد البديل للفشل المؤكد الذي ينتظر حكومة بن كيران التي ستتمخض عن كل هذا الهرج والمرج.
ان جو الغموض وخلط الاوراق الذي ساد الوضع السياسي، بات يثير الاشمئزاز ويوطد قناعة المواطنين ألا قيمة لاصواتهم، وان ارادتهم لا تساوي شيئا امام ارادة المخزن.
يعتبر تعثر تشكيل الحكومة طيلة كل هذه المدة، برهان على فشل النظام في بناء وترسيخ الادوات السياسية والفكرية التي تجنبه الاحتكاك المباشر مع المطالب الشعبية. كل ما انتجته سياساته، هو احزاب سياسية خانعة قابلة بلعب دور الكومبارس في اية مسرحية تقترح عليها، احزاب لا يهمها الا الاستفادة من التقرب من المخزن وخدمته، وهي بذلك تضمن حصولها على الفوائد لها ولأتباعها.و هكذا غابت البرامج والسياسات المستقلة، وانعدم الطموح لتكون تعبيرا طبقيا يستقطب وسط الطبقات الاجتماعية، ويسعى لتحقيق مطالب تلك الطبقات والفئات الاجتماعية.لقد اصبحت احزاب محترفين للسياسة السياسوية بارعين في بيع الاوهام واقتناص الفرص. هكذا استطاع النظام ان يجعل من حقل سياساته المنحصر في مؤسساته حقلا فارغا يردد صدى المخزن، يخاطب فيه نفسه سواء في الحكومة او في المعارضة، مؤسسات مشكلة من احزاب فاقدة الارادة مغلوبة على امرها،لا يمكنها إلا ان تحتل الصفوف الخلفية فاسحة المجال امام المخزن واجهزته، تاركة النظام في العراء امام الشعب.
فاذا كان من ميزة جيدة لكل هذه التطورات فانها اظهرت ان القاعدة السياسية للنظام قد تقلصت وانكشفت الدائرة المتحكمة امام انظار كافة المواطنين.و مما زاد من تقلصها ايضا هذا الاهتمام المحموم في تشكيل المعارضة وجعلها تدور حول محور الرحى البام واعداه كبديل بعد الانتهاء من ورقة البيجيدي لما تتحول الى ورقة محروقة بعد انفجار تناقضات الحزب، وقد يكون استقبال بن كيران مصحوبا بالرميد احد اولى بوادر التفجير.
في مقابل هذا المشهد البئيس، هناك نهوض حركة جماهيرية وازنة وفي قلبها فئات اجتماعية تخوض النضال الطويل النفس، تقاوم القمع والحصار الاعلامي. لعل اهم ما يجب تسجيله حول هذه الحركة الجماهيرية هو عفويتها وغياب التأطير والانخراط القوي للأحزاب المندمجة في النظام ومؤسساته والنقابات. ولهذا وجب على القوى المناضلة الحقيقية والتي استخلصت اهم درس من التجربة السياسية ببلادنا، عليها ان تنخرط في جميع هذه الجبهات وتعمل على مساعدة هذه الحركات الاحتجاجية على بناء تنظيماتها الذاتية لكي تقوى روح الصمود داخل صفوف المحتجين والمناضلين، ومن اجل تدقيق الملفات المطلبية واختيار الشعارات المناسبة، ومن اجل تدقيق الخطوات النضالية وحشد الوسائل لانجازها وكذلك من اجل تقييم التجربة والخطوات المنجزة واستخلاص الدروس منها.
على هذه القوى المناضلة تجميع صفوفها عبر بناء الجبهات الميدانية للنضال الى جانب كل الحركات الاحتجاجية المتواجدة في الساحة، او من اجل تفجير نضالات جديدة حول قضايا اجتماعية او سياسية اصبحت مستعجلة.و من اجل انجاح هذه الجبهة الميدانية لا بد من فتح حوارات عمومية توضح المواقف وتقرب الهوة بين مختلف التقديرات، ان من شان فتح هذه الورشة ان تنزع فتيل الصراعات الهامشية والثانوية والتي يعمل النظام والقوى الملتفة حوله على اشعالها بغرض تشتيت صفوف المعارضين الصادقين، وبغرض بت روح اليأس والإحباط وسط الجماهير الكادحة لما تجد نفسها معزولة، بل منسية من طرف قوى لطالما علقت عليها آمالا في قيادة نضالاتها واحتجاجاتها.