افتتاحية: الشعب يفتح نوافذ تحرره عبر الجهات والمناطق المهمشة


افتتاحية
الشعب يفتح نوافذ تحرره عبر الجهات والمناطق المهمشة.

كانت حركة 20 فبراير اول تجربة ميدانية خبر فيها الشعب احتلال الشوارع للتعبير عن مطالبه وتبليغها للنظام. تعلم فيها الشعب وخاصة شبابه كيف ينزع عنه هاجس الخوف الذي زرعه ورعاه الاستعمار الفرنسي والاسباني ومن بعده نظام الاستقلال الشكلي بواسطة القمع الذي وصل حد الاختطافات والتعذيب، أحيانا حتى الموت، والاعتقالات في المخافر السرية وفي السجون والقتل والإعدامات خارج نطاق قانونه، والذي خلف آلاف الضحايا. كانت حركة 20 فبراير مدرسة الجرأة في النضال وفي صياغة المطالب وتنظيم التحركات من وقفات ومسيرات وغيرها.
بعد امتصاص قوة أول هبة من السيرورة الثورية التي أطلقتها حركة 20 فبراير وتجنيد كل أدواته السياسية والقمعية، اعتقد النظام المخزني أن السيرورة الثورية قد ماتت وانتهى أمرها. لكن ها هي اليوم الوقائع والمؤشرات تؤكد أنها تنبعث من رمادها، وجذوتها لا زالت تتوهج أكثر فأكثر. انبعثت الحركة هذه المرة بعد أن استطاعت أن تنغرس في التربة الشعبية وفي أجود الحقول. إننا اليوم نعيش ميلاد موجة جديدة من السيرورة الثورية تنغرس في المغرب العميق اي في الجهات والمناطق المهمشة على أرضية مطالب اجتماعية واقتصادية وثقافية تشكل الخصوصيات للجهة أو المنطقة لحمتها.
هكذا انطلقت بالريف حركة قوية أشعلها الشهيد محسن فكري الذي طحنته آلة المخزن الحكار. استشهد محسن فكري وهو يقاوم.لم تنتظر ساكنة الحسيمة وفي طليعتها الشباب كثيرا، ولاهي ترددت او تلعثمت في التعرف عن أسباب ودوافع جريمة طحن محسن فكري مع أسماكه. انطلقت المسيرات والمظاهرات في الحسيمة وفي مختلف مدن وبلدات الريف وصمدت أمام كل أنواع التنكيل والقمع والحصار. أكثر من 7 أشهر والاحتجاجات مستمرة بل أنها اليوم تتقوى وتتمدد والعزيمة تشحذ من اجل تحقيق النصر وفرض مطالب الحراك التي صاغتها الجماهير بطريقة شعبية وفي الحشود والجموعات العامة.
من أسباب قوة حراك الريف هي كونه حركة تهم أغلبية ساكنة الريف المشكلة من الطبقات الكادحة وباقي الفئات المتضررة من سياسات الدولة الرجعية. كما إنها حركة تستحضر خصوصيات الجهة باعتبارها جهة تعرضت إلى تهميش كبير من جميع السلطات المركزية قبل وبعد الدخول الاستعماري. عرفت المنطقة اعتى مقاومة شعبية مسلحة أسفرت عن انتصار عسكري وسياسي توج بقيام أول منطقة محررة بالمغرب، رفعت علم جمهورية الريف. كل معطيات التاريخ كانت تؤكد أن هذه المنطقة المحررة كان يمكنها أن تشكل قاعد خلفية ونقطة ارتكاز لطرد الجيوش المحتلة في المغرب وباقي بلدان المغرب الكبير. كانت الريف أول بؤرة تحررية في شمال إفريقيا بل في البلدان المستعمرة، لذلك تحالفت القوتان الاستعماريتان الاسبانية والفرنسية من اجل قتل التجربة في المهد، وهو ما حصل سنة 1926 ترتب عنه إخضاع المنطقة برمتها ونفي محمد بن عبد الكريم الخطابي. كانت هذه هي الخلفية التاريخية التي حكمت ولازالت كل سياسات القوى المتنفذة في المنطقة قوى الاستعمار المباشر او خليفتها دولة الاستقلال الشكلي .لذلك يجب النظر إلى ظهير عسكرة الريف كأسمى تعبير على قرار النظام المخزني في الاستمرار في معاملة المنطقة بخلفية الريبة والشك بل اعتبارها منطقة غير مضمونة الولاء. وهذا ما يفسر لماذا طفت على السطح في الأيام الأخيرة تهمة الانفصال والعمالة للقوى الأجنبية الموجهة للحراك وقادته.
على قاعدة هذه الخلفية التاريخية نفهم جيدا أن كل المطالب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية تبقى مطبوعة وتحمل بصمة هذا الإرث التاريخي. لذلك سيكون من قبيل در الرماد في العيون أو فقط توفير مسكنات ظرفية عندما يتم التعاطي مع حراك الريف مفصولا أو معزولا عن معالجة ارث الماضي، كما تمثل ذلك في كل الخطوات الاستباقية التي قام بها النظام المخزني من قبيل ما يسميه الجهوية الموسعة أو توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة تحت مسمى جبر الضرر الجماعي والمناطقي، أنها مجرد مسكنات ومحاولات التنصل من تقديم الحساب الضروري والواجب. إن المعالجة السديدة والحقيقية لأوضاع الريف لن تكون ضد إرادة جماهير الريف وحقها في محاسبة النظام وكل السلطات التي استغلت أو نكلت بساكنة الريف؛. لابد لهذه الساكنة من حصولها على حق ممارسة تسيير شؤونها الخاصة والعامة تسييرا ديمقراطيا وفي إطار نظام يضمن تطبيق التسيير الذاتي إلى ابعد الحدود.
إن حراك الريف اليوم يضع المنطقة على سكة النهوض العميق ويقطع مع مرحلة الرضوخ المفروض بقوة الحديد والنار والذي لم يكن ابد استسلاما. إن حراك الريف هو الابن الشرعي لحركة 20 فبراير وهو احد أشكال موجتها الثانية.
أصبح الحراك في الريف بصموده وتمدده وتعمقه سواء في أشكال النضال أو في مضمون المطالب، عبارة عن رقعة الزيت التي تنتشر في ربوع البلاد.
مكنت التقنيات الاعلامية الجديدة جل المواطنين من متابعة ما يجري في اية نقطة أو رقعة من المغرب، مما قوى الاهتمام بحراك الريف وساهم في تشكل رأي عام وطني بات يتفاعل مع الأحداث هناك. أصبح حراك الريف في قلب تشكل حركات الدعم والمساندة عندما يتعرض إلى القمع والتنكيل وملهما لبروز حركات محلية تسير على منواله كلما حقق انتصارا أو نال مكسبا.
ساهم حراك الريف بعد صموده البطولي في انتشار فكرة أن أحسن وسيلة لمساعدة الحراك هي إطلاق ديناميات محلية وجهوية تهتم بقضايا الجماهير هناك وهي الفكرة المؤسسة لتوسع رقعة الزيت، خاصة وان الشروط الموضوعية كلها تبرر الخروج للنضال وإحياء جذوة حركة 20 فبراير محليا. وهي فكرة أصبحت مستوعبة نسبيا من طرف القوى المناضلة كما أنها تستحضر عنصر الخصوصية المحلية أو الجهوية كما هي حاضرة في حراك الريف وهي ما يشكل اسمنت لحمته.
إن جميع المناطق المهمشة ترزح تحت ثقل جرائم وقعت في التاريخ البعيد والقريب، تحمل وشم التسلط والاستبداد والتطور اللا متكافئ للجهات الناتج عن التبعية للمركز الإمبريالي،كما تحمل أثاره المدمرة على اقتصادها وبيئتها وعلى ثقافتها بل حتى على وعيها وأحاسيسها.
أمام صمود حراك الريف وانطلاق دينامية متصاعدة من الحركات الاحتجاجية في المناطق والجهات وانخراط العديد من الفئات الاجتماعية في النضال يكون منطق الأشياء والتاريخ قد اخذ طريقه الصحيح:
+ لا يمكن أن يستمر الشعب والكادحون في التحمل والصبر لاستغلال متصاعد يكاد يكون بدون حدود.
+ لا يمكن تقبل الإجهاز على ما تبقى من الحقوق أو المس بمكتسبات.
+كما لا يمكن قبول هذا الكم من السياسات الرجعية لنظلم رهن البلاد للمنظمات الامبريالية وأغرقها في الديون.
تعتبر المناطق المهمشة هي اكبر متضرر من سياسة النظام المخزني في الوقت الذي انسدت فيه كل المنافذ للخروج من دوامة الفقر والجهل والإمراض وحتى الهجرة الداخلية أو إلى الخارج قد تقلصت ولم تعد تنفع.
إن حراك الريف بات يشكل قاطرة النهوض المرتقب لنضال شعبنا.انه طليعة التحرر من قبضة الكتلة الطبقية السائدة تماما كما كان طليعة النضال التحرري من قبضة الاستعمار بالمغرب وعبر العالم.فتحية لساكنة الريف المنتفض والى كل الجماهير الناهضة في مختلف مناطق المغرب.
ربما إضافة مهام القوى الديمقراطية والحية إزاء هذا الحراك، وخاصة ما العمل لكي ينتقل من المناطق المهمشة إلى كبريات المدن.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com