لا لعسكرة الريف، نعم للمطالب المشروعة للحراك الشعبي

افتتاحية 

كلمة العدد 234 من النهج الديمقراطي

يوم 5 فبراير الجاري قررت ساكنة الحسيمة وباقي بلدات الريف إحياء الذكرى 54 لوفاة الزعيم محمد بن عبد الكريم الخطابي وذلك عبر تنظيم المسيرات الحاشدة وتقديم ملف مطالب الحسيمة والريف. لكن جواب المخزن كان غاية في الوحشية، بدءا من عسكرة المنطقة حيث استقدمت آليات عسكرية من طراز جديد تظهر لأول مرة في الشارع العام، تلاها منع التظاهرات بالعنف والقوة المفرطة، حيث قامت قوات القمع سواء بالحسيمة أو بالمدن والبلدات الأخرى باقتحام المنازل والمتاجر وتكسير وتعييب ممتلكات خاصة وعامة.
يعتبر هذا التصرف الأرعن من طرف القوات العمومية نوعاً من التصعيد والإمعان في الحل الأمني، على خلاف ما شهدته الحسيمة والمنطقة يوم قتل المواطن محسن فكري وبعده بقليل، حيث انسحبت القوات العمومية وغابت كل مظاهر السلطة من الفضاء العام، خوفاً من تصاعد الغضب الشعبي العارم المندد بالجريمة. لكن النظام اليوم يستعيد وجهه القبيح، ويعري عن طبيعته القمعية التي لا تقيم أي اعتبار للمطالب الشعبية كاشفاً في الحقيقة موقفه الراسخ من الزعيم محمد بن عبد الكريم ومن حركته التحررية التاريخية. إنه موقف العداء الصارخ لم تستطع مناورات الإنصاف والمصالحة ولا ديماغوجية جبر الضرر المزعومة أن تخفي حقيقة سياسة الدولة تجاه المنطقة. فامتدادا لإعلان المنطقة عسكرية بظهير سنة 1958، وهو الظهير الذي طالبت الساكنة وقواها المناضلة بإلغائه، أقدم النظام قبيل يوم 5 فبراير 2017 بالزج بالمزيد من الجحافل المسلحة إمعانا في التحدي والاستفزاز.
بتصرف الدولة هذا يتضح أنها ترفض الاستجابة للمطالب المشروعة لساكنة المنطقة وهي تراهن على استنزاف الحركة الاحتجاجية وعلى اضمحلالها، وتدفع إلى تصعيد حملة تشويه الحركة والمناضلين الميدانيين الساهرين على تنظيمها وتأطيرها ورعايتها.
إن ما تعيشه منطقة الريف من حصار وقمع وتكريس سياسة الحكرة، ليس إلا جزءا مما تعرفه باقي مناطق المغرب، إذ أصبحت بؤر الاحتجاج تشتعل لأن الأسباب الاقتصادية والاجتماعية متعددة والاحتقان يتفاقم. كما تعرف نضالات الطبقة العاملة تصاعدا ضد التسريح وضرب الحرية النقابية أو النضال من أجل استقرار الشغل وضد التقليص من ساعات العمل أو التسريح المؤقت أو النهائي. كما تصاعدت نضالات 10000 من الأطر في التربوية والتعليم، واضطر الأساتذة المتدربون إلى معاودة الخروج للاحتجاجات بعد تنصل الدولة من التزاماتها، كما تصاعدت نضالات الطلبة في الكليات والمدارس والمعاهد العليا ضد انعدام الشروط المادية والأدبية في توفير ولو الحد الأدنى من مقومات التعليم الأكاديمي والعلمي بجميع مستوياته وتخصصاته.
أمام هذه الأوضاع الصعبة والمتردية تبقى الحكومة عاجزة عن توفير أية إمكانية فعلية للجواب على الانتظارات والمطالب. إن حالة الاحتباس في إخراج تشكيلة الحكومة الجديدة، وإطالة مدة المفاوضات والمماحكات السياسوية، يريد منها النظام المتحكم في كل كبيرة وصغيرة، التنصل من مسؤولياته وإلقاء تبعاتها على الكتل الحزبية، وإيهام الشعب بأنها هي من تراوغ وتتهرب من تعهداتها تجاه المتضررين. هذا هو ما يفسر محاولات البيجيدي ومعه أيضا حزب الاستقلال لما يتباكون عن ما يلحقهم من الاستهداف والمظلومية وأنهم ضحية مؤامرة لا يستطيعون الإفصاح عن من هو ورائها ويكتفون بالتلميح إلى جهات غامضة.
مرة أخرى يتضح إلى أي درك قاد النظام البلاد، وإلى أية درجة من السفاهة وصلت لعبة ديمقراطية “العهد الجديد” التي يتغنون بأنها استثنائية ولا مثيل للاستقرار الذي حققته للمغرب. أصبحت هذه الأحزاب كائنات سياسية مطوعة ومشكلة على المقاس الذي أراده لها النظام. إنها عبارة عن وكالات التوظيف السياسي للأعضاء والمنتسبين، وهي غير مهتمة إلا بما ستجنيه من توزيع للمنافع والمصالح داخل المؤسسات المنتخبة وفي الحكومة وما توفره دواوين وزرائها. أصبح الشعب ينظر لها وهي تتصارع فيما بينها، كما ينظر باحتقار لقطيع ما يسميهم “كلاب الكرنة” في أحد الأسواق الشعبية بالبادية.
إن أوضاع شعبنا سواء في الريف أو باقي المناطق المهمشة أو في ما يخص الطبقة العاملة وباقي الفئات الكادحة شكلت الأساس لكل هذا الزخم النضالي وهذه الجرأة والإقدام على رفع الصوت وتنظيم الاحتجاج والمبادرة المستقلة للعديد منها بل هناك من رفع التحدي وأعلن عن سخطه تجاه كل من يعرقل أو يتاجر بقضاياه. إن هذه الاستعدادات الهائلة أصبحت تستحضر روح الكفاح ونزع الخوف، وهي الروح التي زرعتها حركة 20 فبراير في الشعب في كل مناطق البلاد وفي مختلف فئات الشعب الطبقية. إن هذه الأوضاع المتردية ووجود روح المقاومة والاستعداد للنضال هي ما يجب على القوى الحية ببلادنا استحضارها عند طرحها على نفسها سؤال ما لعمل؟ ما هو مطلوب اليوم هو أن ترتقي القوى المناضلة إلى مستوى المسؤولية تجاه الجماهير وأن تنخرط في الميدان مع الجماهير من أجل خوض النضال المشترك. وهذا يتطلب أولا وقبل كل شيء التخلي عن ذلك الفهم السطحي والمفلس والذي لا زال يطبع فهم العديد من المناضلين والمتمثل في النضال نيابة عن الجماهير. إن هذا الفهم السطحي للنضال يؤدي إلى انعزال المناضلين عن الجماهير. فعندما تنخرط مجيمعة من المناضلين في تشكيل تنسيقية أو لجينة أو أي إطار يخصهم وحدهم ويكتفون بالتخطيط لوقفتهم أو تنظيم مسيرة أو مظاهرة ولا يلتفتون إلى واجباتهم تجاه الجماهير وخاصة الكادحين، تكون النتيجة هي تنظيم وقفة أو مسيرة لا تتعدى أفراد اللجنة أو التنسيقية وتبقى حتى الجماهير المتواجدة في مكان الشكل النضالي واقفة تتفرج وأصبحت لا تثير حتى الفضول لديها.
إن المطلوب اليوم هو الارتباط بالجماهير في الأحياء الشعبية ومواقع العمل وفي الأحياء الصناعية من أجل تدارس الأوضاع وصياغة الملفات ثم المطالب وتنظيم الصفوف من أجل خوض النضال ودراسة الشعارات وكيفية رفعها وتشكيل مختلف اللجان التي تستوجبها المعارك. إن مثل هذا العمل يتطلب جهدا كبيرا وسعة صدر وطول النفس. وللقيام به على أحسن وجه لابد أيضا من أن ينظم المناضلون الطليعيون والمقتنعون بدور الطبقة العاملة في التغيير الثوري ببلادنا وبنظريتها وبريادتها وقيادتها وهم المناضلون الماركسيون، عليهم القيام بمهمة بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين. إن هذه المهمة باتت تحتل اليوم عند مناضلات ومناضلي النهج الديمقراطي مرتبة المهمة المركزية.
إن الربط الجدلي بين هذا التجذر وسط الجماهير والمساهمة في بناء التنظيمات المستقلة وبين إنجاز مهمة بناء الحزب البروليتاري المستقل هو ما سيوفر لشعبنا اليوم تلك القيادة الحازمة للنضالات الراهنة والقادمة. ومثل هذه القيادة الحازمة هي ما برهنت حركة 20 فبراير المجيدة على غيابها وكانت إحدى أسباب انحصار المد النضالي وسمح للنظام المستبد بالنجاح النسبي في الالتفاف والمناورة مما أطال عمره.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com