ماذا وراء اغتيال السفير الروسي في أنقرة؟


 مرتضى لعبيدي

أقدم ضابط شرطة تركي ينتمي إلى جهاز حماية الشخصيات على اغتيال السفير الروسي لدى تركيا أندريه كارلوف بينما كان يشارك في افتتاح معرض للفنون في العاصمة أنقرة. وقد أثار الحادث موجة من ردود الفعل المتناقضة في مختلف العواصم والأوساط. فبينما سارعت الأجهزة الرسمية والدول إلى التنديد بالجريمة، بادرت قوى سياسية إلى مباركتها واعتبرتها عملا بطوليا “يثأر لأطفال حلب”، خاصة وأن القاتل كان يصرخ وهو ينفذ جريمته بألفاظ متقطعة مثل: “حلب”، “الانتقام”، “الثأر”، الله أكبر”، وهو ما يكشف عن السبب المباشر لارتكاب الجريمة، ولا يدع مجالا للشك حول مرجعيته الفكرية والسياسية.
إذن، فإذا كانت معركة حلب التي مازالت جارية والانتصارات التي حققها الجيش السوري وحلفاؤه خلال الأسابيع الأخيرة، هي الخلفية الموضوعية لهذه الجريمة، فما هي الرسائل التي أراد منفذ العملية إبلاغها، ولمن؟ فهل هو مجرّد تحدّ وتحذير لروسيا التي كان لدعمها للدولة السورية الأثر الحاسم في قلب المعادلات على الميدان، أم أن في ذلك رسالة إلى الدولة التركية ذاتها التي ما انفكت تغيّر موقفها من الحرب على سوريا وتقبل بالتعاون مع روسيا في هذا الملف؟
إنّ الدور التركي في سوريا منذ اندلاع الحرب لم يعد خافيا على أحد، فهي التي بادرت بتسليح الجماعات الإسلامية التي رفعت السلاح في وجه النظام وشكلت القاعدة الخلفية لهم بتوفير العتاد وتسهيل مرور الإرهابيين القادمين من شتى أصقاع العالم. كل ذلك كان خدمة للحلم الأردوغاني بإحياء “العقيدة العثمانية” وبداية بسط السيطرة على المنطقة والتدخل فيها كلاعب أساسي. كما أن نظام حزب العدالة والتنمية استغل انشغال العالم بالحرب على سوريا ليكثف من الاعتداء على للأكراد، في محاولة لإخضاعهم بصفة نهائية. إلا أن صمود الشعب السوري أمام جحافل التتار أفشل مساعي “السلطان” وغيره من القوى التي كانت تراهن على انهيار فوري للدولة السورية كما حصل في ليبيا. وهو ما جعل أردوغان مع تطوّر الأحداث على الميدان، وخاصة منذ أن شرعت روسيا في التدخل المباشر في الحرب، يراجع بعض مواقفه ويبحث له عن موقع في الخارطة الجديدة. وممّا أرغمه على ذلك مواقف البلدان الغربية ذاتها التي عملت على ابتزازه حدّ النخاع حول قضية اللاجئين السوريين واستعملتها كورقة ضغط إضافية عليه في حلمه بالالتحاق بالاتحاد الأوروبي.
ويذكر أن السفير الروسي بتركيا أندريه كارلوف، صاحب الثلاثين سنة من الخبرة الدبلوماسية والخبير بشؤون المنطقة هو الذي لعب دورا حاسما في تعديل مواقف النظام التركي وفي خلق شروط للتقارب بين الدولتين رغم الأزمات التي شهدتها، بما فيها حادث إسقاط الطائرة الروسية من قبل الجيش التركي في شهر نوفمبر من العام الماضي. بل يعتبره المراقبون “المهندس” الفعلي للاتفاق الذي أدى إلى إخراج المدنيين من حلب الشرقية، وهو ضابط الاتصال الميداني بين حكومته والحكومة التركية، وهو ما يُعطي فكرة عن حجم الخسارة التي لا تقدّر بموته على الطرفين الروسي والتركي في آن، وهو ما لم يكن يجهله منفذ عملية الاغتيال وخاصة الأطراف التي تقف وراءه. ويُذكر أيضا أن أندريه كارلوف كان وراء تنظيم الاجتماع الثلاثي المزمع عقده اليوم في موسكو بين روسيا وتركيا وإيران في إطار البحث عن تسوية ما للوضع في سوريا ما بعد حلب. وهو ما يزعج لا فحسب التنظيمات الإرهابية المتورطة في الحرب على سوريا بل و لكن كذلك أوليّ أمرهم من بلدان إقليمية خاصة دول الخليج (السعودية وقطر والكيان الصهيوني) وكذلك البلدان الامبريالية الغربية النازلة بثقلها في هذا الملف وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. فهي لن تقبل بسهولة هزيمتها الميدانية من ناحية وإخراجها من موقع القرار بخصوص مستقبل سوريا من ناحية أخرى.
ومن بين الأمور الخطيرة في العملية انتماء القاتل لجهاز الأمن التركي، وهو ما يعطي فكرة واضحة عن مدى اختراق هذا الجهاز من قبل الجماعات الإسلامية، وهي نتيجة حتمية للعب أردوغان بالنار حين أوكل لأجهزته التنسيق مع هذه الجماعات بدعوى مراقبتها من جهة، ولكن أصلا لتوظيفها لخدمة مآربه ضد أعدائه الداخليين والخارجيين، وخاصة ضدّ الشعبين السوري والكردي. وقد رأينا بصماتهم في استهداف مسيرة نظمتها القوى الديمقراطية في تركيا ومن بينها حزب الشعوب الديمقراطي في أنقرة إبان حملة الانتخابات العامة في شهر جوان 2015. وهو ما يؤشر كذلك إلى إمكانية استمرار مثل هذه العمليات الإرهابية داخل تركيا ذاتها. وهذا سيكون له انعكاس فوري على صورة تركيا في الخارج: تركيا القوية، تركيا الأمن والأمان، تركيا المتحضرة التي تستحق الانتماء إلى الفضاء الأوروبي وأن يتمتع مواطنوها بتأشيرات “شانغان”. وهو ما سينعكس حتما على قطاعين أساسيين في الاقتصاد التركي: السياحة ونحن على أبواب احتفالات أعياد الميلاد، وجلب الاستثمارات الخارجية، في ظرف يعاني فيه هذا الاقتصاد من تدني في معدلات الإنتاج بلغت أدنى مستوياتها منذ عشرين سنة، وأدت إلى تفاقم البطالة وانخفاض قيمة العملة المحلية إلى أكثر من النصف.
إن حصول هذه الجريمة في وقت ما زالت فيه العلاقات التركية الروسية غير مستقرة وتتأرجح منذ فترة طويلة بين التقارب والتوتر، يكشف أن الطرفين كانا مستهدفان، لكنه على عكس ما خطط له سيزيد من إضعاف الموقف التركي في الملف السوري وسيقوّي بالتالي من النفوذ الروسي فيه. .