الرفيق الحريف في الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917 المجيدة



مداخلة الرفيق عبد الله الحريف في مهرجان تخليد الذكرى المئوية لثورة أكتوبر 1917 المجيدة الذي نظمه النهج الديمقراطي في 11 نونبر 2017

يحاول الإعلام الامبريالي والرجعي ترسيخ فكرة أن ثورة أكتوبر 1917 العظيمة أصبحت في حكم الماضي وأن الصفحة التي فتحتها في تطور البشرية قد أغلقت إلى الأبد وأن نهاية التاريخ هي الرأسمالية.
وعلى عكس ذلك، نعتبر أن ثورة أكتوبر 1017 أكثر راهنية اليوم من السابق: فاللحظة الحالية حيث يعيش العالم أزمة عميقة ومستدامة لنمط الإنتاج الرأسمالي انعكست في شكل احتداد غير مسبوق للصراع الطبقي واندلاع حروب في شتى بقاع العالم وخطر نشوب حرب عالمية وأدت إلى انطلاق سيرورات الثورية في العديد من مناطق العالم، وخاصة العالم العربي، تشبه، إلى حد ما،وضعية روسيا القيصرية في بداية القرن العشرين.
فالإمبراطورية الروسية عاشت، منذ نهاية القرن التاسع عشر سيرورة ثورية شكلت ثورة 1905 موجتها الأولى، ثم تطورت من جديد بفعل الحرب العالمية الأولى إلى وضع ثوري بالمفهوم اللينيني (الطبقات المسودة لم تعد تقبل العيش كالسابق والطبقات السائدة لم تعد قادرة على العيش كالسابق). وهذا تجلى في انتفاضات العمال والفلاحين والجنود من أجل توقيف الحرب والخبز والأرض والشعوب الخاضعة للإمبراطورية من أجل تقرير المصير. كما أن التناقضات بدأت تحتدم وسط الطبقات السائدة (البرجوازية والفيودالية).
وتتجلى عظمة الحزب البلشفي، بقيادة لينين، في القيام بمجهود جبار لتأهيل الحزب، أيدولوجيا وسياسيا وتنظيميا ودعائيا وانغراسه داخل الطبقة العاملة ليكون قادرا على قيادة الثورة عندما تتحول الأزمة الثورية إلى وضع ثوري.
ومنطقتنا، وضمنها المغرب، تعيش سيرورات ثورية منذ 2010 وقد تعرف موجات ثورية قد ينتج عنها وضع ثوري. فهل تستطيع القوى الماركسية واليسارية والديمقراطية ومجمل القوى الحية تأهيل نفسها لتكون على موعد مع التاريخ؟
وتكتسي تجربة بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي أهمية بالغة بالنسبة للماركسيين الذين يسائلهم فشلها. ذلك أنه بقدر ما نتقدم في فهم ما وقع وبقدر ما نستخلص الدروس من ذلك، بقدر ما نستطيع إرجاع الثقة في بناء الاشتراكية كنظام أرقى من الرأسمالية وكمرحلة انتقالية نحو الشيوعية ونسلح المناضلات والمناضلين في صراعهم الفكري والسياسي ضد الدعاية الرجعية المغرضة.

1. ما هي أهم إنجازات ثورة أكتوبر؟

أن ثورة أكتوبر العظيمة التي لعب فيها العمال دورا أساسيا وحاسما وقادها الحزب الشيوعي البلشفي أخرجت شعوب الإتحاد السوفيتي، في مدة قياسية، من الجهل والفقر والأمراض وخلصتها من سيطرة الفيودالية وأوصلتها إلى أعلى المستويات العلمية والثقافية وبنت اقتصادا قويا ومرتكزا على الذات وحققت مكتسبات هائلة على المستوى الاجتماعي (التعليم، الصحة، الشغل، تحرر المرأة من أغلال المجتمع البطريركي الفيودالي…) وأقرت وطبقت مبدأ تقرير المصير للشعوب الخاضعة للإمبراطورية الروسية وجعلت من الاتحاد السوفيتي قوة عظمى.
ولعب الاتحاد السوفياتي دورا حاسما في دحر النازية والفاشية وقدم من أجل ذلك تضحيات باهظة الثمن (20 مليون قتيل، تدمير 14 ألف مدينة وقرية…). وتصدى لهيمنة الإمبريالية بعد الحرب العالمية الثانية ودعم نضالات الشعوب المستعمرة والمضطهدة من أجل التحرر الوطني، وخاصة كفاح الشعبين الصيني والفيتنامي ضد العدوان الامبريالي. وقد أكسب الانتصار الذي حققه الاتحاد السوفيتي على النازية تعاطفا كبيرا ومعه وسط شعوب العالم و أوروبا بالخصوص ومع الماركسية والاشتراكية وسط أغلب المثقفين في العالم. ولمواجهة ذلك، اضطرت الرأسمالية في المركز إلى تقديم تنازلات للطبقة العاملة والشغيلة تمثلت، بالخصوص، فيما سمي ب”دولة الرفاه” والترويج لفكرة “أنسنة” الرأسمالية والتي تبتتها ودافعت عنها القوى الاجتماعية-الديمقراطية.
هكذا حققت هذه الثورة لشعوب الاتحاد السوفيتي، في مدة وجيزة، مهاما تطلب انجازها قرونا من الثورات التي قادتها البرجوازية في دول أوروبا الغربية. وفرضت تراجعات على الرأسمالية، من بينها تحقيق مكتسبات اجتماعية هامة لشعوب المركز الرأسمالي. وقدمت للبشرية، وخاصة الطبقة العاملة، تجربة ملموسة لبناء الاشتراكية يمكن الاستفادة من دروسها للمضي قدما نحو بناء تجارب أكثر تقدما للانتقال نحو الاشتراكية.
لكن هذه الثورة فشلت في بناء الاشتراكية. فما هي الأسباب الموضوعية والذاتية لهذا الفشل؟

2. أسباب فشل بناء الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي:
1.2.العوامل الموضوعية:

لا يجب أن ننسى أن الرجعية الروسية والإمبرياليات الأوروبية فرضتا حصارا وحروبا طاحنة ضد الثورة المنتصرة والتي تطلبت مواجهتهما بناء دولة قوية ومركزية واقتصاد يركز على التصنيع الثقيل الموجه للصناعة الحربية على حساب الفلاحة والتصنيع الخفيف الموجه لتحسين الأوضاع المعاشية للشعب. هذا التوجه الذي تعمق أمام صعود النازية والفاشية. كما تطلبت هذه الظروف الاستثنائية انضباطا حديديا داخل الحزب مما أدى إلى تغليب المركزية على حساب الديمقراطية.

2.2.العوامل الذاتية:

على المستوى الأيديولوجي:
لقد تم تسطيح الماركسية وتحجيرها حين أصبحت أيديولوجية الدولة السوفييتية، أيام ستالين، الذي أعطى أجوبة نهائية لكل قضايا الماركسية انطلاقا من فكرة ان الماركسية-اللينينية تقدم قوانين جاهزة وصالحة لكل زمان ومكان في مرحلة الرأسمالية وبناء الاشتراكية. وذلك خلافا لانجلز الذي يطرح: ” إن المنهج المادي يتحول إلى نقيضه كلما استعمل ليس كخيط موجه للبحث التاريخي، بل كنموذج جاهز يتم بفضله تقطيع وإعادة تقطيع الوقائع التاريخية”(1). وكذلك على عكس لينين الذي كتب ما يلي: “إننا لا نعتبر أن نظرية ماركس كشيء كامل ومقدس، بل على العكس نحن مقتنعون أن ماركس وضع الحجر الأساس للعلم الذي يجب على الاشتراكيين أن يطوروه في كل الاتجاهات حتى لا يتأخروا عن تطور الحياة”(2). لقد أدى “تقنين” الماركسية_اللينينية كأيديولوجية الدولة السوفييتية إلى توقيف الاجتهاد ووقف سدا منيعا أمام تطور بعض العلوم والفنون وكرس ورسخ الشكل المبسط والمسطح للماركسية الذي كان سائدا وسط الطبقة العاملة والحزب وساهم بالتالي في تجريد الطبقة العاملة والحزب، ليس في الاتحاد السوفييتي فحسب بل في العالم، من سلاحهما الأمضى ألا وهي الماركسية كفكر نقدي ثوري
– التطورات التي طرأت على بنية الحزب:
لعل أحد أهم العوامل هي التطورات التي عرفها الحزب: لقد تعرض الحزب إلى نزيف هائل بسبب الحرب الأهلية والحرب ضد ألمانيا والتصفيات داخله التي لجأ إليها ستالين والتي قضت على العديد من الكوادر الشيوعية المتمرسة، بينما امتلأ، بعد الثورة، بعناصر غير شيوعية إن لم تكن انتهازية. إن ذلك أضعف الحزب وأفرغه من العديد من قادته الذين كان من الممكن أن يحافظوا وينموا طابعه البرولتاري وخطه وممارسته الثوريين الخلاقين.
– قضية تثوير علاقات الإنتاج:
إن تفكيك علاقات الإنتاج الرأسمالية وتعويضها بعلاقات التعاون بين المنتجين الأحرار مسألة حاسمة في الانتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية لأنها ستضع السلطة الاقتصادية، التي تشكل الأساس المادي للسلطات الأخرى، في يد الطبقة العاملة وباقي المنتجين. والحال أن ثورة أكتوبر لم تعوض علاقات الإنتاج الرأسمالية بعلاقات التعاون بين المنتجين الأحرار، بل حافظت على العمال كأجراء لا يتحكمون في وسائل الإنتاج وفي المنتوج التي ظلت الدولة متحكمة فيهم من خلال التأميم والتخطيط المركزي البيروقراطي.
– التصور الخاطيء للثورة:
يتجلى هذا التصور في اعتبار الثورة كقطيعة فورية جذرية وشاملة مع المجتمع القديم وكطريق سيار لبناء المجتمع الجديد الذي تنتفي فيه كل أشكال الاستغلال والاضطهاد الجنسي والقومي والعرقي وغيرها. بينما الثورة، باعتبارها انتزاع الطبقة العاملة وحلفائها للسلطة السياسية من النظام القائم، ليست سوى بداية سيرورة طويلة ومعقدة من الصراع من أجل سيادة علاقات الإنتاج الجديدة المبنية على التعاون بين المنتجين/المبدعين الأحرار ومعالجة كافة التناقضات وسط الشعب (التناقضات العمودية الطبقية والتناقضات الأفقية الجنسية والعرقية والاثنية…) وكذا التناقض مع الطبيعة.
-التعامل الخاطئ مع التناقضات وسط الشعب:
لقد أن ثورة أكتوبر نجحت بفضل قيادة الحزب البلشفي لها وبفضل كفاح العمال وطبقات وفئات اجتماعية غير عمالية، وخاصة الفلاحين. والحال أن هذه الطبقات لا تقتسم مع الطبقة العاملة هدف بناء الاشتراكية ثم الشيوعية وأنها تمثل السواد الأعظم من السكان. فإما أن يتم التعامل مع هذا التناقض بشكل سديد باعتباره تناقضا وسط الشعب يجب أن يحل بالصراع السياسي والفكري وبالإقناع والاقتناع وهو ما يستلزم القبول بالتمثيلية السياسية المستقلة لهذه الطبقات والفئات أو اللجوء إلى الحلول الزجرية والقمعية من خلال فرض الحزب الوحيد وممارسة العنف ضدها (الاعتقالات الجماعية في معتقلات الكولاغ). بينما سيادة الحزب الوحيد والحلول القمعية تؤدي، عوض أن يكون الصراع الطبقي معبرا عن نفسه بشكل واضح وجلي، أن يصبح ملتبسا ومتخفيا ويصعب بالتالي التصدي له. وقد أعلن ستالين أن الصراع الطبقي قد انتهى في الاتحاد السوفيتي مساهما بذلك في نزع السلاح الأيدلوجي من العمال.
– العلاقات داخل الحزب:
لقد تم تعويض المركزية الديمقراطية التي تعني النقاش الواسع داخل الحزب لبلورة المواقف التي تحضى بالأغلبية والانضباط إليها مع حق الأقلية في الاستمرار في الدفاع عن مواقفها داخل الحزب بمركزية بيروقراطية وبعبادة الشخصية.

– العلاقة مع الطبقة العاملة والجماهير الشعبية:
لقد ساهم اعتبار الحزب لنفسه كطليعة ثورية وممثل وحيد للطبقة العاملة في مواجهة أية معارضة، ولو كانت عمالية، بالقمع واعتبارها مؤامرة رجعية ضد الثورة وتكريس تبعية التنظيمات الذاتية للجماهير الشعبية (السوفيتيات، النقابات) للحزب عوض تشكلها كتنظيمات شعبية مستقلة عن الحزب والدولة وقادرة على مراقبتهما ومحاسبتهما. مما أدى إلى تركيز كل السلطات في أيدي الحزب الذي أصبح ينعزل شيئا فشيئا عن نبض المجتمع.

– المنظور الفوقي والاقتصادوي لبناء الاشتراكية:
لقد ساد داخل الحزب البلشفي تصور فوقي، مبسط واقتصادوي لبناء الاشتراكية التي تم، على المستوى الاقتصادي، اختزالها في التأميم والتخطيط المركزي والتصنيع. هذا البناء الذي سيتم، في هذا المنظور، من فوق بواسطة جهاز الدولة الذي يتحكم فيه الحزب الذي اعتبر أنه يمثل مصالح الطبقة العاملة.

كل ذلك وغيره سيؤدي إلى انحرافات داخل الحزب والدولة أدت إلى تراجع دور الطبقة العاملة داخلهما لفائدة بيروقراطية (النومنكلاتورا) تحكمت عمليا في وسائل الإنتاج المملوكة إسميا وشكليا للدولة وحولتها من بعد إلى ملكية خاصة.



Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com