مرتضى العبيدي: حراك الريف امتداد لحركة 20 فبراير 2011

 مرتضى العبيد

المغرب: حراك الريف 2017 امتداد لحركة 20 فبراير 2011

ستة أشهر من النضال
منذ ما يزيد عن الستة أشهر، تعيش مدينة الحسيمة المغربية، والتي تقع على بعد 450 كيلومتر شمال العاصمة الرباط، على وقع احتجاجات متواصلة للمطالبة بكشف المتسببين في مقتل محسن فكري، بائع السمك الذي طحن في شاحنة لجمع النفايات بينما كان يحاول إنقاذ منتوجه الذي حجزته الشرطة البلدية ورمت به في الشاحنة.وقد تطوّر الحراك الذي بدا بالمطالبة بالكشف عن المجرمين ومحاسبتهم إلى المطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.لكن استمرار الحركة رغم القمع المسلط عليها وقدرتها على الصمود في وجه الآلة القمعية المخزنية يطرح تساؤلات حول هذه الاحتجاجات وطبيعتها وأفق تطوّرها.
يشار إلى أن منطقة الريف الواقعة شمال المغرب والتي تشمل محافظات الحسيمة والناظور وبركان، منطقة جغرافية وعرة، حيث تحيط بها الجبال وتنفتح على البحر المتوسط.وهي مستعمرة اسبانية سابقة وشهدت في علاقتها التاريخية مع الحكم المركزي في المغرب (المخزن) اضطرابات عديدة، من أبرزها: محاولة المنطقة الاستقلال كجمهورية عن المملكة المغربية (جمهورية الريف) في ثلاثينات القرن الماضي، وبعد معاهدة الاستقلال ، حدثت في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات انتفاضات قمعت بشدة من طرف السلطات المركزية.وتعرضت المنطقة لاحقا للتهميش سياسيا واقتصاديا، وظل سكانها يعيشون على التهريب وساعدها في ذلك طبيعتها الجغرافية كمنطقة معزولة وقربها من الجيب الاسباني في التراب المغربي (مليلية).
وبعد اغتيال محسن فكري في أواخر أكتوبر والحركة الاحتجاجية التي رافقته، استأنف الحراك منذ ما يزيد عن الشهر بتنظيم مسيرات دورية في الحسيمة كان من أهمها مسيرة التاسع من أفريل، وخاصة “مسيرة الغضب” يوم 18 ماي الجاري، حيث أخذت مطالب الحراك تتبلور شيئا فشيئا.

  • مطالب حراك الريف

    وتتلخص أهمّ مطالب سكان الريف في الكشف عن قتلة محسن فكري ومحاسبتهم، بل وكذلك الكشف عن حقيقة ملف الشهداء الخمس في وكالة البنك الشعبي في أحداث 20 فبراير 2011، ورفع العسكرة عن إقليم الحسيمة واعتباره منطقة منكوبة، ووقف التتبعات القضائية في حق المزارعين الصغار، ومطالب اجتماعية عدة تهم خدمات الصحة والتعليم والبنى التحتية وفق نموذج تنموي جديد يأخذ بعين الاعتبار حالة التهميش الذي عانى منها الإقليم طيلة ستة عقود.خاصة وأن السياسات المتبعة طوال هذه الفترة بينت بجلاء أنها انبنت على تدمير النسيج الإنتاجي، ونهب الثروات البحرية والغابية، دون أن تُحدث في المقابل الحدّ الأدنى المطلوب الذي يرتقي بعيش أهل الريف ولا أن تبعث مشاريع اقتصادية من شأنها خلق ومواطن شغل قارّة للحد من نزيف الهجرة التي يُساق لها شباب الريف قسرا.

  • رد فعل المخزن: القمع والتشويه

    وقد واجه المحزن هذا الحراك بتشنجه المعهود، فزاد في عسكرة الإقليم المعسكر أصلا بالدفع بأعداد غفيرة من قوات القمع على عين المكان، وإطلاق أيدي البلطجية لترهيب الشباب المتصدّر للتحركات واللجوء إلى الإيقافات العشوائية في محاولة لكسر الحراك قبل اتساع رقعته.كما أنه أوعز إلى آلته الإعلامية لشيطنة الحراك وتشويهه بتوجيه الاتهامات المعتادة وعلى رأسها وجود “فئة مندسة”، إذ صرّح وزير الداخلية، أن “هناك توجهًا مغرضًا تتزعمه فئة صغيرة، تشتغل وفقًا لأجندة محددة وواضحة للجميع، ولا تعبّر عن جميع الفئات الاجتماعية للساكنة المحلية”.

    وشدد على ضرورة تعامل السلطات بحزم لمواجهة ما أسماها بـ”المزايدات على خلفية تظاهرات منطقة الريف”، قائلًا إن “هناك من استغل الوضع بعد مقتل بائع السمك محسن فكري، وانتهز الفرصة للمطالبة بمطالب اجتماعية، ستتم الاستجابة لها، لكن من خلال البرنامج التنموي الخاص بالإقليم”.ولم يفوّت الفرصة للتلويح بالتهديد ضدّ متزعمي الحراك والمساهمين فيه بقوله:…” كما أنه من حق الساكنة الاحتجاج السلمي، فإنه من حق السلطات العمومية التدخل كلما استوجب الوضع ذلك للحفاظ على الأمن والاستقرار والأرواح والممتلكات”.

    كما أن المخزن سارع إلى إرسال بعض من وزرائه على عين المكان للإيهام بوجود رغبة في الحوار ولإغداق الوعود الكاذبة ببعث المشاريع التنموية، رافضا في نفس الوقت التحاور مع نشطاء الحراك أو عن طريق وسطاء من المجتمع المدني بدعوى أن التفاوض لا يتم إلا عبر “الهيئات المُنتخبة” مثل المجالس المحلية والجهوية التي لم يشارك المواطنون في انتخابها أصلا (“ذهبنا جميعا إلى الانتخاب***ولم ينتخب أحد مَن نجح” على حد قول شاعر تونس الراحل محمد الصغيّر أولاد أحمد).كما أطلق المخزن العنان لأحزاب الموالاة لشيطنة حراك الريف واتهامه بشتى النعوت ومن بينها العمالة للخارج والمساس بوحدة التراب والدعوة إلى الانفصال.

  • طبيعة الحراك ومآلاته الممكنة

    إننا نعتبر أن حراك جماهير الريف ليس سوى وجها من أوجه الصراع الطبقي الذي يشهد احتدادا منذ حركة 20 فبراير 2011، ورغم مروره بفترات جزر، إلا أنه لم يهدأ منذ ذلك التاريخ.تشهد على ذلك التحركات الاجتماعية والنضالات العمالية والنقابية التي شهدها المغرب في السنتين الأخيرتين (نضالات العمّال وصغار المزارعين والطلاب والأساتذة المتدربين والأطباء المقيمين وحاملي الشهادات من المعطّلين…)، صراع طبقي يضع وجها لوجه قوى الاستغلال (أقلية من الأثرياء المتنفذين) وجماهير الكادحين في مدن وأرياف البلاد وفي مقدمتها الأقاليم المهمشة كإقليم الريف، ذي التاريخ النضالي الحافل والواقع الاقتصادي والاجتماعي المرير.فلن نجانب الصواب إذا ما أكدنا أن هذا الحراك هو جزء من المسار الثوري التي انطلق منذ 20 فبراير ويتواصل اليوم بأشكال مختلفة.فهذه الثورة العفوية، هي في نهاية الأمر رد فعل جماهيري إزاء الظلم والحقرة وتدهور الأوضاع الاجتماعية وعدم الرضا عن تعميق الهوة بين الأغنياء والفقراء وبين إنتاج الثروة وتكديسها في أيدي أقلية من ناحية، وتعميم الفقر على غالبية الشعب من ناحية أخرى.

    إن السلطة المخزنية تعي جيّدا أن الحراك الشعبي في الريف هو بصدد لعب دور المحفّز لإعادة الروح للمد النضالي بكامل البلاد وبالأخص بالجهات التي تعاني مثل الريف من التهميش والحقرة، لذلك فهي تسعى إلى عزله ومنع اتساعه إلى مناطق أخرى مستخدمة سياسة العصا والجزرة بالقمع تارة وبالإيهام بالرغبة في التفاوض وإيجاد حلول مستعجلة للقضايا العالقة منذ عشرات السنين.

    لذلك نرى أن القوى الديمقراطية والثورية من أحزاب وجمعيات هي التي تتصدر فعاليات الدعم لهذا الحراك بتنويع أشكاله وتعميمه في كامل البلاد من أجل كسر الطوق الأمني والإعلامي المضروب على المنطقة حتى لا تستفرد بها السلطة، وحتى يعي الجميع أن كفاح الجماهير الريفية لا ينفصل عن كفاح كامل الشعب المغربي من أجل الديمقراطية والكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية وضد التهميش والفساد والنهب والاستبداد…


Email: annahjad@gmail.com ------------------------- Email: annahjad@gmail.com ------------------------------- Email: annahjad@gmail.com