من أجل انطلاقة جديدة وقوية لمعالجة ملفات الاختفاء القسري في المغرب

 ذ. عبد الحق الوسولي


من أجل انطلاقة جديدة وقوية لمعالجة ملفات الاختفاء القسري في المغرب

1- “لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري في المغرب”
* لجنة التنسيق لجنة وظيفية داخل المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف تشكلت نواتها الأولى منذ بداية التسعينات حيث كانت طرفا فاعلا في لجان التضامن مع المعتقلين السياسيين والمختطفين والمنفيين وحافظت على تقليد المشاركة في تظاهرات فاتح ماي للتعبير عن مطالب عائلات الضحايا،ورافعت عن هذا الملف وطنيا ودوليا وساهمت لجنة التنسيق بفعالية سنة 1999 في تأسيس المنتدى المغربي من أجل الحقيقة والإنصاف وأصبحت من بين لجانه الوظيفية وساهم أعضاءها في مختلف أنشطته وبرامجه النضالية،كما احتفظت بحق المبادرة للقيام بتحركات نضالية حيث ساهمت سنة 2007 في تأسيس “الفيدرالية الأورو متوسطية ضد الاختفاءات القسرية” واقتراح وتنفيذ برامج تهدف الى المعالجة الشاملة لملفات الاختفاء القسري ومجهولي المصير وفي هذا الإطار يندرج قرارنا بتنظيم وقفات دورية على رأس كل شهرين وذلك مشيا على نهج أمهات وعائلات الضحايا من مختطفين مجهولي المصير ومعتقلين سياسيين واللواتي مافتئت تناضل من أجل معرفة الحقيقة وإنصاف أبنائهن وإطلاق سراحهم وذلك منذ سبعينات القرن الماضي وقدوة بتجربة ما بعرف بأمهات ساحة مايو بالأرجنتين بساحة الأمم المتحدة بالدار البيضاء والتي أطلقنا عليها اسم “ساحة الحقيقة”وذلك من أجل الحقيقة كل الحقيقة، الإنصاف، الذاكرة وعدم الإفلات من العقاب حتى لا يتكرر هذا.
2- قراءة في ما يسمى بتجربة العدالة الانتقالية بالمغرب
مفهوم العدالة الانتقالية مفهوم مركب مكون من مقطعين هما العدالة والانتقال، ويعني تحقيق العدالة في فترة انتقالية تمر بها الدولة خلال الانتقال من حكم تسلطي استبدادي إلى حكم ديمقراطي أو من حكم عسكري إلى حكم مدني أو من حكم ديني إلى حكم مدني، أو من حالة حرب داخلية أو خارجية إلى حالة سلم عبر تطبيق مجموعة من التدابير القضائية وغير القضائية تعالج من خلاها ما ورثته من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. إننا نستخلص من هذا المفهوم أن التجربة المغربية لا تنطبق عليها معايير العدالة الانتقالية كون العدالة والانتقال إلى حكم ديمقراطي لم يتحققا لأن نظام الحكم في المغرب لا زال حكما تسلطيا استبداديا والمجرمين لازالوا في مراكز القرار وبالتالي لا ديمقراطية ولا عدالة تحققت فالمافيا المخزنية لازالت تسود وتحكم.
ينطوي مفهوم العدالة الانتقالية على أربع دعائم رئيسة ومترابطة تشكل آليات وأهدافا في الوقت ذاته هي:  معرفة الحقيقة، المحاسبة والقصاص، التعويض وجبر الضرر، ضمانات عدم التكرار
من أهم حقوق ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان معرفة الحقيقة حول الأسباب والظروف التي ارتكبت خلالها التجاوزات والجرائم التي ترتب عليها إلحاق الضرر بهم بكافة صوره المادية والمعنوية. ويتسع هذا الحق خلال فترات العدالة الانتقالية ليشمل المجتمع كله. فأول أهداف العدالة الانتقالية هو كشف الحقيقة، ومعرفة مصير المختفيين قسرا ومكان وجودهم،ومعرفة طبيعة ما وقع من جرائم وانتهاكات لحقوق الإنسان خلال فترة الاستبداد أو القمع، مع تحديد المسئول عنها وإحالة مرتكبيها على العدالة تفعيلا لمبدأ عدم الإفلات من العقاب ضمانا لعدم التكرار،باعتبار ذلك حقا لكل مواطن. إن الاختفاء القسري يمثل مأساة مركبة تتجاوز الفرد المختفي لتتحول إلى مأساة جماعية ومجتمعية،لذا أصبح التصدي لهذه الآفة ومناهضتها مسؤولية الجميع، ومن الواجب على كل مواطن تقديم الدعم المطلق لنضالات عائلات المختفين قسرا للكشف عن حقيقة مصيرهم.
ففيما يتعلق بالكشف عن الحقيقة بالنسبة للتجربة المغربية فلا أحد يمكن له أن ينكر بأن المغرب لم يعش حروبا أهلية أو عقائدية أو إثنية بل بالعكس كان هناك ولازال نظاما سياسيا استبداديا وتسلطيا يحكم بالحديد والنار كما وقع عدة مرات أثناء الهزات الاجتماعية (الريف، الدار البيضاء،فاس،مراكش…) ويزج بكل معارضيه من جميع الأطياف بالمعتقلات السرية والعلنية ويمارس الإعدامات خارج نطاق القانون وذلك بواسطة أجهزته القمعية السرية والعلنية من جيش وبوليس وقوات مساعدة…، إننا نستنتج بأن النظام المخزني يتوفر على كل الحقائق فيما يتعلق بجميع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي ارتكبها لكن ومع الأسف الشديد أن الحقيقة في التجربة المغربية لازالت غائبة ومغيبة لأنه وبكل بساطة لا يمكن للمجرم أن يوفر الأدلة لإدانته وهذا يوضحه بالملموس تقرير المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان في دجنبر 2010.
كما انه لا يمكن إصدار العفو لمنع الملاحقة القضائية في الجرائم ضد الإنسانية وبهذه الطريقة يرتبط منع العفو على جرائم من هذا النوع بحق معرفة الحقيقة كما ويرتبط التحقق من الوقائع المطروحة. ففي التجربة المغربية فإن رئيس الدولة والمسئول الأول عن أغلب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان التي وقعت في بلدنا قد أصدر عفوه عن جميع المسئولين المباشرين وغير المباشرين المتورطين في هذه الانتهاكات ومن بينهم الجلادين. إن هذا يبين بالملموس مرة أخرى مدى تناقض التجربة المغربية مع مبادئ حقوق الإنسان الكونية وكذلك مبادئ العدالة الانتقالية كون المجرم يعفو عن نفسه وعن خدامه الأوفياء بمنطق الخصوصية المغربية. أضف إلى ذلك منع الضحايا من ذكر أسماء المتورطين في هذه الجرائم وعدم إجبارهم عن المسائلة والمحاسبة. إن التجربة المغربية لم تأخذ بعين الاعتبار مبدأ المحاسبة والقصاص بل الأخطر من ذلك أنها أسست للإفلات من العقاب في جميع الجرائم ضد الإنسانية السياسية، الاقتصادية والثقافية.
يتوجب على الدولة الحفاظ على الأدلة الموثقة للتذكير بتلك الأحداث وإحياء ذكرى الضحايا، بالإضافة إلى ضمان الوصول المناسب إلى الأرشفة التي تتضمن معلومات حول الانتهاكات كون ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان يعجزون عن النسيان ومن واجب الدول الحفاظ على ذكرى جرائم مماثلة. إن النصب التذكارية الهندسية والمتاحف ونشاطات تخليد الذكرى هي مبادرات تربوية ضرورية لوضع السجلات التي لا تترك مجالاً للنكران، ولتفادي التكرار. مرة أخرى ومع الأسف الشديد نجد أن مراكز الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي قد تركت للإهمال والتلاشي (اكدز،قلعة مكونة، PF3…) او دمرت (تازمامارت…) أو فوتت لمافيا العقار المخزنية (الكوربيس..). اما الأرشيف فلازال معتقلا وحتى عائلات المختطفين مجهولي المصير ليس لديهم الحق الإطلاع على الأرشيف الذي يخص أبنائهم المختطفين ومجهولي المصير إلى حد الآن. فهنا أيضا عندما تنتفي العدالة والمحاسبة وعدم الحفاظ على الذاكرة فإن مبدأ عدم التكرار يصبح من المستحيلات وهذا ما أكده الواقع إذ أن الانتهاكات لا زالت قائمة.

3- ما العمل؟
العمل على التأسيس وإنشاء الآلية الوطنية المستقلة للحقيقة،النضال من أجل تغيير موازين القوى لصالح الصف الديمقراطي التقدمي كون ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان مرتبط بمدى تحقيق الديمقراطية الحقيقية ببلدنا، الإسراع بعقد المناظرة الوطنية الثانية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان واستنفاذ شروط المصادقة على بقية مقتضيات الاتفاقية الدولية حول الاختفاء القسري وعلى الخصوص مبادرة الحكومة بالتصريح بقبولها تلقي اللجنة الأممية الشكايات مباشرة من الضحايا والمتضررين والمعنيين دون حاجة الى وساطة من الدولة.
الكشف عن الحقيقة الكاملة لجميع حالات الاختفاء القسري بالمغرب بما فيها حالة الوفيات تحت التعذيب في مراكز الاستنطاق وأماكن الاحتجاز والاعتقال، وكل الحيثيات السياسية والأمنية التي أدت إلى هذه الجرائم وتوضيح جميع ملابساتها وإطلاق سراح الأحياء منهم.
رد الاعتبار للضحايا وعائلاتهم بإجراء التحاليل الجينية والانثروبولوجية  لتسوية قضية الرفات.
ملائمة التشريع الجنائي الوطني مع مقتضيات الآليات الدولية المجَرِّمة للاختفاء القسري بإدماج تعريفها وعناصر المسؤولية المتعلقة بها والعقوبات المحددة لمرتكبيها والمشاركين فيها والمتسترين عنها وإحالتهم على العدالة مهما تنوعت درجة مسؤولياتهم وعزلهم من مناصبهم وضمان الحماية للضحايا وأفراد عائلاتهم والشهود … وغيرها من القواعد التي تتضمنها الاتفاقيات الدولية.
الحفاظ الايجابي على ذاكرة الاختفاء القسري من خلال التحفظ على مراكز الاعتقال والمدافن الفردية والجماعية، وتحويلها إلى أماكن للذاكرة.
تمكين الضحايا وذوي الحقوق وكافة المهتمين من الإطلاع على الأرشيف.
العمل على جبر الضرر الفردي والجماعي بالشكل الذي يمكن الضحايا وذوي الحقوق من العيش بكرامة وإعادة الاعتبار اليهم ونخص بالذكر ضحايا المعتقل السري الرهيب تازمامارت بإعادة الاعتبار إليهم وذلك بتسوية وضعيتهم الإدارية على غرار باقي ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وكذلك ضحايا ما يعرف بخارج الآجال.
4- خلاصة
ملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الماضي والحاضر لا زال مفتوحا لان الحقيقة لا زالت غائبة ومغيبة، خاصة مصير المختطفين مجهولي المصير، والذاكرة يطالها النسيان والتدمير، والتكرار لا زال مستمرا، والافلات من العقاب لازال قائما.
الدولة ليست لها الإرادة السياسية لطي هذا الملف ما دامت تخفي الحقيقة والدليل هو أن المجلس الوطني لحقوق الإنسان تنصل من متابعة التحريات لمعرفة الحقيقة حول المختفين قسرا.
معالجة ملف الاختفاء القسري في المغرب مازال يعرف خصاصا كبيرا فيما يتعلق على الخصوص بالكشف عن مصير حالات الاختفاء القسري العالقة،واستكمال عناصر الكشف عن الحقيقة،حول أغلب المختفين قسرا ومجهولي المصير .
الخصاص الكبير في تحديد : أماكن الاعتقال والاحتجاز،والأجهزة المسئولة عن ذلك،وتواريخ الوفاة وأسبابها والأجهزة المسئولة عنها وعن عمليات الدفن.
إن هذا الوضع يساءل كل الفاعلين ذوي الصلة بملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في المغرب حول مآل الكشف عن الحقيقة وتحقيق العدالة والإنصاف.
تحريك الفاعلين الحقوقيين والسياسيين على الصعيدين الوطني والدولي من أجل إعطاء نفس جديد لصيرورة الحقيقة والإنصاف في المغرب.
عبد الحق الوسولي منسق “لجنة التنسيق لعائلات المختطفين مجهولي المصير وضحايا الاختفاء القسري بالمغرب”