هل يستعيد اليمين الليبرالي الحكم في الإكوادور


 مرتضى لعبيدي


شهدت الإكوادور يوم 19 فيفري/فبراير الماضي تنظيم الدور الأول للانتخابات الرئاسية التي تقدّم إليها ثمانية مترشحين. وقد تميّز هذا الدور خاصة بعدم ترشح الرئيس رافائيل كورّيا المنتهية مدّته لدورة جديدة وهو الذي عمل ما بوسعه لتحوير الدستور بما يمكّنه من الترشح لدورة ثالثة. وقد كان له ذلك بعد أن خاض حزبه حملة كبيرة للمناشدة والمطالبة بتنقيح الدستور، بعث من أجلها لجانا وهيئات في مختلف أنحاء البلاد. حتى أن البرلمان الذي يملك فيه حزب كورّيا الأغلبية صادق في ديسمبر 2015 على تنقيح يبطل منع الترشح لأكثر من دورتين. لكن كورّيا فاجأ الجميع في آخر لحظة في قراءة خاصة للتنقيح المصادق عليه معتبرا أنه لا يجب أن يسري على الرئيس المباشر، ساعة المصادقة عليه.
وكان رافائيل كورّيا فاز في انتخابات جانفي/فيفري 2007 كمرشح لتحالف يساري عريض للقطع مع حالة عدم الاستقرار التي عرفتها البلاد خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي وبداية القرن الجديد، حيث عرفت البلاد تنحية ثلاث رؤساء منتخبين بصفة متتالية قبل نهاية ولايتهم لعدم وفائهم بوعودهم الانتخابية ولعجزهم على إخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي كانت تتخبّط فيها: فتمّ عزل الرئيس عبدالله بوكارام سنة 1997، واستقال خلفه جميل مَهوَد سنة 2000 بعدما أوصل البلاد إلى الإفلاس الاقتصادي، كما استقال خلفه الرئيس “غتيياراز” سنة 2005 بعد فشله في فرض سياسة التقشف المملاة من قِبل صندوق النقد الدولي. يُذكر أن البلاد شهدت سنة 2006 موجة من الهجرة لم تعرف لها مثيلا في السابق، إذ غادرها حوالي مليون من مواطنيها في كل الاتجاهات (أوروبا، أمريكا، أمريكا اللاتينية) بحثا عن لقمة العيش.
وأوفى كورّيا بوعده في الدعوة إلى قيام مجلس تأسيس لصياغة دستور جديد يقطع مع دساتير الاستبداد التي صاغتها في السابق أنظمة الحكم العسكرية التي تداولت على البلاد أو الأنظمة اليمينية التي خلفتها منذ 1979، تاريخ عودة الحكم المدني. وقد تمّ ذلك بالفعل، واصبح للإكوادور دستور ذو طابع ديمقراطي اجتماعي واضح. وقام بإجراءات عديدة تمسّ من منوال التنمية التي أصبحت الدولة تحتلّ فيه موقع القاطرة، وطالب بمراجعة ديون البلاد ورفض دفع بعضها وطالب بجدولة البعض الآخر. وأمّم شركات النفط واستثمر جزءا كبيرا من عائداته في تطوير البنية التحتية وبعث مشاريع تنموية للتغلب على البطالة التي كانت مستفحلة، حتى أن أعدادا كبيرة من المهاجرين عادوا إلى وطنهم. وانخرط في منظمة “التحالف البوليفاري من أجل أمريكا” الذي يضمّ البلدان المعادية للامبريالية الأمريكية كفنزويلا وكوبا وبوليفيا… إلا أنه لم ينجح في الحفاظ على الائتلاف الانتخابي الذي مكّنه من الفوز في انتخابات 2007 وحاول إخضاع مكوّنانته إلى هيمنة حزبه، حزب “الائتلاف من أجل الوطن”. إذ وصل به الأمر إلى قمع هذه المكوّنات بحل الأحزاب والرمي بمناضلي البعض الآخر في السجون، وتجريم الحراك الاجتماعي…
لكن ذلك لم يمنعه من الفوز في انتخابات 2013 نظرا للتقييم الإيجابي إجمالا للمدّة الأولى لرئاسته، حتى أنه حقّق فوزه منذ الدور الأول. واليوم والحزب الحاكم لا يرشح رافائيل كورّيا، فهل تبقى حظوظه وافرة للاستمرار في تسيير البلاد أم أن منافسيه من اليمين الليبيرالي سيتمكنون من إزاحته ووضع حدّ لعشر سنوات من حكم اليسار؟
هذا ما لم يُجب عليه الدور الأول من الانتخابات الذي دار يوم 19 فيفري الماضي. وكما أشرنا، فقد تقدم إليها ثمانية مرشحين أغلبهم من اليمين ما عدا مرشح يساري وحيد تقدّم باسم “الائتلاف الوطني من أجل التغيير” وحصل على المرتبة الرابعة بعدد من الأصوات يُناهز الـ600 ألف صوت أي بنسبة 6,82℅ من الأصوات المصرّح بها. ولم يتمكن أيّ من المرشحين من الحصول على الأغلبية التي تمكّنه من المرور منذ الدور الأول، وهو ما كان يطمح إليه حزب رافائيل كوريا. إذ أن مرشحه “لينين فولتير مورينو” تحصل على 39,08℅ (3372721 صوت) بينما ينصّ القانون الانتخابي على ضرورة الحصول إما على 50℅ بالمائة من الأصوات، أو على 40 ℅ على أن يتجاوز الفارق مع المرشح الموالي عشر نقاط.
أمّا الحاصل على المركز الثاني، مرشح اليمين “غييارمو لاسو”، فقد حصل على 2451625 من الأصوات أي ما يعادل 28,41℅. لكن حظوظه تبقى وافرة باعتبار دعوة بقية المرشحين لأنصارهم للتصويت لفائدته في الدور الثاني وخاصة منهم “سنتيا فيتيري” مرشحة الحزب الاجتماعي المسيحي والتي حصلت على نسبة 16,24℅ من الأصوات. وهذا المرشح هو من رجال الأعمال وسبق له أن تقلد منصبا وزاريا في حكومة جميل مهود المسيحية الاجتماعية سنة 1999، وقام بعديد الإجراءات التي أثارت غضب الشارع وأجبرته على الاستقالة، منها إلغاء العملة الوطنية واعتماد الدولار الأمريكي عملة للبلاد، وحجز أرصدة المواطنين المودعة في البنوك بعنوان الادخار لمواجهة الأزمة، ومواصلة سداد الديون ورفض التفاوض بشأنها مع الدائنين أو حتى المطالبة بتأجيلها أو جدولة سدادها وغيرها من الإجراءات الموجعة.
لكن أمام الحملة الممنهجة التي تقودها أجهزة الامبريالية الأمريكية، الإعلامية منها والاستخباراتية، ضد كل الحكومات ذات الميول اليسارية في أمريكا اللاتينية، وأمام انهيار أسعار النفط خلال السنوات الأخيرة، ممّا جعل هذه الحكومة تجد صعوبة في تأمين ما دأبت على توفيره للفئات الشعبية، وأمام عديد الأخطاء التي ارتكبتها الحكومة المتخلية، خاصة إزاء حلفائها الطبيعيين، يجد خطاب الرغبة في التغيير صدى في نفوس الناخبين، وهو ما قد يجعل فوز المرشح اليميني في الدور الثاني المقرّر إجراؤه يوم 2 أفريل القادم احتمالا واردا. ويبقى الموقف الذي سيتخذه الائتلاف الوطني من أجل التغيير والحائز على قرابة الـ 600 ألف صوت في الدور الأول مهمّا في ترجيح كفة هذا المرشح أو ذاك.