افتتاحية:


هل نعالج العوارض أم الأسباب؟

العنف في الجامعة ظاهرة سياسية، استنبتت وتمت رعايتها بعناية فائقة. صناعة العنف بالجامعة بذرة وضعت لتحقيق أهداف استراتيجية. لحد الساعة لا تخضع هذه الخطة ولا الاستراتيجية للتحليل والكشف. لم يحصل ذلك لسبب بسيط هو أن الأطراف الممارسة للعنف غير قادرة على طرح السؤال على نفسها أو على الغير لماذا هي منخرطة في العنف، وهل تملك قرارها المستقل في تحديد موقفها من هذه الممارسة؟ أما الأطراف الأخرى الخارجية عن الجامعة فمنها من هو متورط ومستفيد ومنها من يكتفي فقط بمعالجة الأعراض والظواهر.
ولكي نفهم جيدا لماذا وضعت هذه البذرة الخبيثة في الجامعة لابد من الرجوع إلى العقود الأولى بعد الاستقلال الشكلي، حيث شكلت الجامعة مصدر تكوين النخب المثقفة والتقنية والسياسية التي ستتولى مهمة شغل المناصب الشاغرة والخصاص الكبير في تأطير المجتمع ودواليب الدولة. لعب التحاق أجيال من أبناء الطبقات الشعبية بالجامعة دورا أساسيا في دفع الجامعة إلى لعب دورها الريادي على الصعيد الوطني. هكذا أصبحت الجامعة معقلا للفكر اليساري بوجه عام والماركسي بوجه خاص سواء في القواعد الطلابية أو في قطاع الأساتذة. أصبحت مشتلا لاكتساب الفكر النقدي عند القاعدة العامة للطلاب ولتكوين المناضلين والأطر السياسية اليسارية. ومع تنامي الهجوم الرجعي للدولة والكتلة الطبقية السائدة على الطبقة العاملة والفلاحين، واستحواذها على أهم مصادر الخيرات والثروات، ومع شن سياسة قمعية رهيبة ضد القوى المناضلة، اندلعت انتفاضات في البوادي والمدن لم يتم إسكاتها إلا بالحديد والنار. كان لهذه التطورات الاجتماعية صدى في الجامعة، وتحولت إلى مركز نضالي يتناغم ويتفاعل مع الحركة الجماهيرية. هكذا فرضت الحركة الطلابية بنضاليتها وجذريتها نفسها في الساحة النضالية الجماهيرية إلى درجة اعتبرتها الحركة الماركسية اللينينية المغربية “طليعة تكتيكية” في بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة.
انتبه النظام إلى هذا الدور الذي تلعبه الجامعة، فاتخذ قراره الاستراتيجي بالقضاء عليه عبر سياسة مزدوجة، تمثل شقها الأول في الحظر القانوني للنقابة الطلابية المناضلة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب (ا و ط م)، وبعد التراجع عنه رعى النظام سياسة تؤدي إلى المنع العملي المعزز بالاعتقال والسجون في حق كل القوى المناضلة اليسارية. أما في الشق الثاني لهذه الاستراتيجية، كان تفجير الحركة الطلابية من الداخل عبر زرع وتشجيع التيارات الايديولوجية الرجعية وتمكينها من الهيمنة وخلق كتائب قابلة بتلقي التوجيه المباشر والغير مباشر من الدوائر الاستخباراتية.
هل نجحت هذه السياسة؟ الجواب المؤسف والمر هو نعم نجحت بدليل ما تعيشه الجامعة ومعها الحركة الطلابية من تلغيم وبلقنة. ولعل المظاهر التالية توضح اكتمال هذه العملية:
1. غياب اوطم كنقابة قائمة الذات واستمرار الحظر العملي. ما عدا في بعض المواقع التي استطاعت أن تحيي النقابة في حدودها الدنيا، فإن الساحة الطلابية تعيش بدون إطارها العتيد اوطم وفقد الحركة الطلابية تنظيمها العتيد. وبذلك استطاع النظام أن يرمي بالكرة في مرمى الفصائل بعد رفعه الحظر القانوني، لما تأكد بأن بلقنة الحركة الطلابية ستلعب دورها العملي في استحالة بناء اوطم. إن ترسخ خريطة التشرذم هي الضامنة لاستمرار حظر اوطم. والخطير في الأمر هناك من الفصائل الطلابية من يعتبر هذه الوضعية مناسبة وتسمح لها بالوجود والاستمرار، فتحولت إلى فصائل تعارض إعادة بناء المنظمة الطلابية على أساس مبادئها الأصلية لأن ذلك يهدد بقائها.
2. انتبه النظام إلى امتدادات الحركة الطلابية خارج الجامعة ولكونها تشكل مشتلا للأطر ومسؤولي العديد من القوى السياسية بالمغرب، لذلك شجع على تأجيج الصراعات ودفع التناقضات إلى حدودها القصوى. لقد انقسمت الحركة الطلابية إلى تيارات متعادية ومتناحرة رغم كونها كلها من نفس الأصول الاجتماعية. إن ما يفرق بين الفصائل الطلابية هي المواقف السياسية والقناعات الايديولوجية التي تحولت إلى برنامج يحاكم من خلاله أعضاء الفصائل بعضهم بعضا وكأنهم ممثلين سياسيين لطبقات اجتماعية متناقضة، والحال هم فقط مصطفون أو محركون من قوى خارج الجامعة بما فيها الاستخبارات. هكذا دفعت التناقضات إلى حد الاقتتال وإعلان الحرب وسقط قتلى ومعطوبون وزج في السجن والمعتقلات بالعشرات نتيجة هذه المعارك. كل فريق يعتقد أنه يخوض معركته الحاسمة وأنه سيطهر الجامعة من العدو المفترض. لقد تحولت الحركة الطلابية إلى مصدر إنتاج نوع من الطلبة معطوب فكريا، ومستلب سياسيا وسهل التوجيه والشحن ضد أعدائه المفترضين. هناك من يستغل سذاجة بعض الطلبة لينظر لما يسميه بالعنف الثوري أو الجهاد داخل الجامعة؛ وهو في الحقيقة ليس إلا عنفا موجها بين الطلبة أنفسهم. إن ما يمارس داخل أسوار الجامعة لا يعدو كونه احتراب ميليشيات تنتمي طبقيا إلى نفس الطبقات الاجتماعية، لكنها مسيرة لخدمة مصالح مغلفة بدخان ايديولوجي كثيف وحتى مسيرة من طرف أجهزة الدولة التي لها مصلحة في الاحتراب والتلغيم.
3. بالإضافة إلى الاستقطاب الفكري والايديولوجي وتحويله إلى مصدر الاقتتال، ظهر عامل النزعة الهوياتية مع ما يسمى بالحركة الامازيغية. لقد أصبح النزاع على الهوية والنفخ في التناقضات العرقية بل افتعال التناقضات بين مكونات يستحيل التدليل على وجودها المادي، لتنشب معارك وحروب ويسقط قتلى وتعتبر كليات ومراكز جامعية مناطق محررة من طرف هذا الفصيل أو ذاك.
إن نتيجة هذه السياسية المطبقة وسط الحركة الطلابية أصبحت مرئية للعيان؛ ولعل رفض الفصائل الالتحاق بحركة 20 فبراير ومهاجمتها يعتبر أكبر دليل على نجاح استراتيجية النظام في عزل الحركة الطلابية عن حاضنتها الشعبية. يضاف إلى هذه الواقعة والحجة ما بات يفرق الساحة السياسية من حروب الثأر والثأر المضاد. لقد أصبحت الساحة الطلابية مصدرا لتغذية وتأجيج التشرذم السياسي والتلهية عن أهم القضايا الاجتماعية والسياسية بالبلاد.
نجح النظام في احتجاز الحركة الطلابية كرهينة لديه وأن يرسم حدود تحركها وأن يرسم عمليا للفصائل نطاق تحركها، فقدت معه زمام إرادتها المستقلة. لم تعد الحركة الطلابية قادرة على لعب دورها النضالي الطليعي التاريخي، بل أصبحت مبعثا للتقهقر والإغراق في الاحتراب إلى حد أن بوادر نقل ذلك العنف من داخل أسوار الجامعة إلى خارجها، أصبحت تطل برأسها كسياسة جديدة لضرب الحركات الاجتماعية والاحتجاجية الناهضة.
هل تستطيع الفصائل الطلابية اليوم أن تخرج من هذه الدوامة؟ كل المؤشرات تبين أنها عاجزة ومشلولة الإرادة. إن الحل لن يأتي إلا بالتمرد على هذا الوضع الموبوء والمأزوم. الحل هو دفع الفصائل المقتنعة بواجباتها تجاه الحركة الطلابية على إدراك حقيقة السياسة التي تطبق اليوم بوعي أو بدونه داخل الجامعة والحركة الطلابية. ومن خلال هذا الإدراك عليها أن تعيد النظر في دورها ومهامها. وعلى رأس هذه المهام إعادة الاعتبار لمبادئ وقواعد العمل النقابي لاوطم. الحل أيضا يكمن في العمل على نبذ العنف، وتغليب المبادرات الوحدوية لخدمة مصالح عموم الطلبة لاسترجاع جماهيرية الإطار أولا، وربط نضال الحركة الطلابية بالحراك الجماهيري العام، وفي محاصرة ومقاطعة كل الفصائل الداعية للعنف أو الجارية وراءه وفضح مخاطره على عموم الجماهير الطلابية. الحل هو إنشاء أدوات الارتباط بالحركة الاحتجاجية للجماهير التي توجد فيها الكليات أو المراكز الجامعية وإعادة بناء حركة طلابية كحركة اجتماعية لعبت أدوارا رائدة في الصراع الطبقي.
فكما أن النقابة لا يمكنها إلا تحسين شروط الاستغلال بالنسبة للطبقة العاملة، فإن اوطم في أحسن الحالات لن تستطيع إلا تنظيم الطلبة من أجل انتزاع الحقوق والمكتسبات؛ لكنها لن تستطيع لوحدها تغيير سياسات الدولة في التعليم، لأن تلك السياسة مرتبطة بعدة عوامل وبسلطة كتلة طبقية سائدة ولن يتم النجاح في مواجهتها وهزمها إلا عبر العمل السياسي المباشر لكافة الطبقات التي لها مصلحة في التغيير، تحت قيادة الأحزاب السياسية المناضلة وعلى رأسها الحزب المستقل للطبقة العاملة والكادحين الذي باتت الحاجة إليه مركزية. ولكي ينجح ذلك يجب أن ينخرط طلائع الطلبة في عمل سياسي ونضالي من خارج الجامعة وبارتباط مع الطبقة العاملة والقوى المناضلة.
بالنسبة للقوى المناضلة والتي يقع عليها واجب مواجهة هذه الاستراتيجية المطبقة في الجامعة ومن أجل مصلحة مساعدة الفصائل الطلابية على الخروج من هذه الدوامة العنيفة؛ على هذه القوى السياسية والثقافية أن تفتح ورش الحوار العمومي حول واقع الجامعة ودور الحركة الطلابية من أجل أن تستعيد وهجها وأن يعاد بناء الاتحاد الوطني لطلبة المغرب على أساس مبادئها الأربعة…