كلمة الرفيق براهمة باسم النهج الديمقراطي بمناسبة الندوة المنظمة بالرباط حول مسار الإنصاف والمصالحة بالمغرب تحت شعار “عدم التكرار” أيام 20-21-22 ابريل 2018

السيد الرئيس، السادة الحضور الكرام:

باسم النهج الديمقراطي، أتقدم بالشكر الجزيل لهيأة متابعة المناظرة الوطنية الأولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، المنعقدة أيام 9-10-11 نونبر 2001، على تفضلها بدعوة حزبنا لحضور هذه الندوة حول مسار الإنصاف والمصالحة بالمغرب وتحت شعار “عدم التكرار” أيام 20-21-22 ابريل 2018. ويحق لنا اليوم وعلى مسافة 17 سنة من تلك المناظرة السابقة، وبالنظر الى التطورات الأخيرة التي تعرفها البلاد من خلال استمرار المزيد من التحكم والاستبداد وقمع الحركات الاحتجاجية والتضييق على المعارضة السياسية وعلى الصحافة الملتزمة بقضايا الشعب…قلت يحق لنا ان نتساءل عن مآل توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة رغم نواقصها، والتي تبنتها الدولة، وكذلك عن مآل توصيات المناظرة الوطنية الاولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. هل تم الكشف عن الحقيقة، كل الحقيقة؟ هل تمت مسائلة ومتابعة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟ هل اعتذرت الدولة عن تلك الانتهاكات، هل تم جبر الضرر الجماعي للشعب المغربي وللمناطق التي كانت مسرحا لتلك الانتهاكات؟ هل تم جبر الضرر الفردي بما يحفظ كرامة الضحايا والمتضررين؟ هل تم حفظ الذاكرة، أي الذاكرة الموشومة بتلك الانتهاكات الجسيمة؟ وأخيرا هل تم اتخاذ الإجراءات الدستورية والتشريعية والإجرائية حتى لا تتكرر تلك الانتهاكات التي راح ضحيتها أجيال منذ الاستقلال الشكلي الى اليوم؟
أولا: الحقيقة، هل تم الكشف عن كل الحقيقة وحجم الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟ هل تم الكشف عما جرى وكيف جرى: تحديد الأماكن والأشخاص. هل تم كشف الحقيقة عن مصير شهدائنا عبد اللطيف زروال، الذي استشهد في 14 نونبر 1974 تحت التعذيب والذي لا زالت أمه وأبوه ينتظران تسلم رفاته ودفنه والوقوف على قبره للترحم عليه؟ هل تم الكشف عن حقيقة استشهاد الرفيقة سعيدة المنبهي عروس الشهداء التي استشهدت في 11 دجنبر 1977 بعد إضراب عن الطعام دام اكثر من شهر من جراء الإهمال الذي تعرضت له أثناء الإضراب؟ وهل تم الكشف عن حقيقة استشهاد تهاني أمين في 6 نونبر 1986 في المعتقل السري درب مولاي الشريف؟ وقبلهم هل تم كشف الحقيقة عن اختطاف واغتيال الزعيم الوطني والأممي المهدي بن بركة في 29 أكتوبر 1965؟ هل تم الكشف عن شهداء الانتفاضات الشعبية المجيدة التي تشكل المعالم البارزة في تاريخ المغرب الحديث، انتفاضة الريف في 1958- 1959 ضد الحكرة والتهميش، وانتفاضة الدار البيضاء في 23 مارس 1965 ضد طرد التلاميذ الكبار من التعليم، والتي نعت فيها الملك الراحل رجال التعليم بأشباه المثقفين، وانتفاضة 20 يونيو 1981 ضد غلاء المعيشة وضد محاولة الدولة تكسير الإضراب العام الذي دعت إليه الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، انتفاضة يناير 1984 في مراكش ومدن الشمال والشرق والريف والتي نعت فيها الملك الراحل المنتفضين بالأوباش، وانتفاضة 14 دجنبر 1990 بفاس. هل تم الكشف عن المقابر الجماعية التي طمر فيها الضحايا؟ هل تم الكشف عن حقيقة المختطفين ومجهولي المصير: الحسين المنوزي وعمر الوسولي الذين توفي والديهما وهما ينتظران رفات ابنيهما ودفنهما والترحم عليهما، واللائحة طويلة بطول عهد الاختطاف والاغتيال.
لا لم يتم الكشف عن الحقيقة، حقيقة عهد تم فيه امتهان كرامة الإنسان ومس شنيع بآدميته.
ثانيا: المسائلة: هل تمت مسائلة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟ هل تمت مسائلة المسؤولين المباشرين، ومنهم من لا زال على قيد الحياة؟ هل تمت مسائلة الأجهزة المسؤولة عن اختطاف وتعذيب والتصفية الجسدية للمعارضين؟ هل تمت مسائلة المسؤولين عن مراكز التعذيب والاعتقال السري من تازمامارت الى درب مولاي الشريف، والكوربيس بالبيضاء والكومبكليس بالرباط، واكدز وقلعة مكونة وغيرها كثير؟
لا لم يتم حتى تجريدهم من المسؤولية ومن الحقوق المدنية والسياسية، فترى الجلاد يجلس في البرلمان بجانب المقاوم والمعارض السياسي، أليس هذا عبثا، ومسا مضاعفا بامتهان كرامة الضحايا.
ثالثا: اعتذار الدولة: هل اعتذرت الدولة عن كل هذا التاريخ: التاريخ الطويل من الانتهاكات المسترسلة والممنهجة، ومنها ما يرقى الى الجرائم ضد الإنسانية؟ هل اعترفت بمسؤوليتها؟ هل اعتذرت للضحايا ولعائلاتهم وللمجتمع؟ وهل رتبت المسؤولية القانونية والسياسية لكل هذه الانتهاكات؟
قطعا لم تفعل ذلك، ولا ننتظر من دولة تستصغر المجتمع وتلغيه من معادلاتها، ان تقوم بذلك!
رابعا: جبر الضرر الفردي والجماعي: كانت التعويضات التي منحت لبعض الضحايا جزئية وهزيلة ، لا ترقى الى جبر حقيقي للضرر، فهي لا زالت لم تشمل كل الضحايا وذويهم وتم رفض العديد منها باعتبارها خارج الأجل، وما تزال مشاكل التغطية الصحية والاجتماعية والتقاعد معلقة، أما جبر الضرر الجماعي للمناطق من أرياف ومدن وجهات عرفت الانتهاكات الجسيمة ، فلم يتم إنصافها او مجرد تنميتها ولو جزئيا كي ينسيها القمع والعزلة والتهميش الذي تعرضت له من طرف الدولة عقابا لها، لا لشيء الا لأنها شهدت انتفاضات او معارضة مسلحة ضد النظام الاستبدادي، ومنها الريف والأطلس والراشدية والعديد من القرى والمداشر والبلدات التي تم التنكيل بسكانها وبماشيتها، وممارسة القهر السياسي والإداري اتجاهها.
ماذا تحقق في هذا الباب: لا شيء يذكر.
خامسا: حفظ الذاكرة: هل تم حفظ الذاكرة، ذاكرة هذه الحقبة الأليمة من تاريخ الشعب المغربي، بالتعريف بالشهداء والضحايا وإقامة النصب لهم وتسمية الشوارع والأزقة بأسمائهم؟ هل تم الكشف عن الوثائق والصور والسجلات المتعلقة بهذه الحقبة وعرضها والتعريف بها التي يتمكن الباحثون والصحافيون من الإطلاع عليها، هل تم التقصي في حقيقة المعتقلات السرية والسجون التي عرفت إيواء المعتقلين السياسيين؟
قطعا لا، تم هدم سجن غبيلة، وتحويل سجن لعلو الى متحف عسكري، فيما لم يتم فتح أي معتقل سري لزيارة العموم ولم يتم تأسيس أي متحف لحفظ ذاكرة شعب ثار ضد القهر والطغيان.
سادسا: عدم التكرار: أما عدم التكرار فلم يتم انجاز الترسانة الدستورية والتشريعية والتنظيمية لضمان الحرية في التفكير والعقيدة والرأي والتنظيم والتظاهر السلمي، وضمان سلامة وصحة الأشخاص في حالة المسائلة والتحقيق بحضور المحامي والتوثيق بالكاميرا، والتجريم الفعلي للتعذيب ، وتقليص الحراسة النظرية، والإقرار بعدم تقادم الجرائم في هذا الباب، ولعل اكبر دليل على استمرار الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ما عرفته الانتفاضات الشعبية في صفرو سنة 2007 وافني سنة 2008،وحركة 20 فبراير 2011 وحراك الريف والحسيمة سنة 2016 وجرادة في 17/18 وتندرارة واوطاط الحاج وتاهلة وبويزكارن وزاكورة، حول قضايا سياسية مرتبطة بالاستبداد والفساد، وقضايا اجتماعية مرتبطة بالصحة والتعليم والشغل، وما تعرضت له من تنكيل بالمتظاهرين وتفريقهم بالعنف مما أدى الى استشهاد عدد منهم إبان حركة 20 فبراير: 5 شهداء في الحسيمة وشهيد في أسفي وإبان حراك الريف استشهاد عادل العتابي، واكبر دليل على استمرار الأوضاع على حالها وتوظيف القضاء لقمع المحتجين والمتظاهرين وهو ما يتجلى في المحاكمات الصورية لنشطاء حراك الريف، حيث بلغت الأحكام الى 20 سنة، وفي جرادة بلغت 18 شهرا، ولا زالت محاكمة نشطاء حراك الريف مستمرة في الدار البيضاء بتهم ثقيلة، حيث عبر من خلالها المعتقلون عن تعرضهم لشتى أنواع التعذيب النفسي والجسدي والتنكيل بهم، مع تهديدهم بتعريض أمهاتهم للتنكيل.
ان هذا الاستعراض الوجيز والمركز لما عرفه ويعرفه المغرب من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، هو محاولة للإجابة على السؤال المركزي الذي طرحته ندوتكم حول مال توصيات المناظرة الوطنية الاولى حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وحتى لمآل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة على نواقصها. يمكن الجزم بان لا شيء تحقق باستثناء بعض التعويضات الهزيلة والجزئية للضحايا، أما شعار الندوة حول عدم التكرار، فان الجواب هو الواقع الذي يعلو ولا يعلى عليه، فالانتهاكات مستمرة إلى اليوم كما كانت بالأمس لذلك نرى انه لا بد من مناظرة ثانية حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ولا ينبغي الاقتصار فقط على المقاربة والمدخل الحقوقي، بل تتعداه إلى الجوانب السياسية، فالضحايا من المعارضين السياسيين كانوا يدافعون عن قضايا سياسية وهي مواجهة الاستبداد والنضال من اجل الديمقراطية، أما جماهير الانتفاضات الشعبية فقد خرجوا للشارع للمطالبة بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم وضد الفساد والاستبداد، لذلك يجب أن تكون المناظرة الثانية منطلقا لتأسيس مقاربة سياسية تنظر في المطالب السياسية والاجتماعية التي ناضل من اجلها الضحايا، تنظيمات وأفراد، مع التشبث بتوصيات المناظرة الاولى والتي لم يتحقق منها شيء يذكر.

براهمة المصطفى
الكاتب الوطني للنهج الديمقراطي
16 ابريل 2018.