تقرير: فضيحة انتهاك حقوق العاملات الموسميات واستغلالهن جنسيا في مزارع جنوب اسبانيا.

برشلونة: جمال التاكانتي

اعتقلت الشرطة الوطنية الاسبانية policia nacional يوم 27 مايو 2018، مسؤولا يشرف على العمل في إحدى مزارع فاكهة الفراولة (fresa) بالمدينة الأندلسية ويلبا huelva، بتهمة انتهاكات حقوق العمال والاعتداء الجنسي في حق عاملات موسميات مغربيات، ويتابع المتهم حاليا في حالة سراح.
وقد برزت قضية العاملات الموسميات مؤخرا إلى الواجهة بعد نشر المجلة الألمانية Corrective في عددها ليوم 30 ابريل الماضي، تحقيقها حول مأساة عاملات مغربيات بمزارع الفراولة في جنوب اسبانيا وأوردت شهادات صادمة عن الاعتداءات الجنسية والظروف القاسية والمجحفة في العمل، ووصفت العمل بمزارع الفراولة بأنه جحيم حقيقي للعاملات الموسميات المغربيات بإقليم ويلبا الاسباني. تحقيق المجلة الألمانية أخذت تلتقطه وتتناقله وسائل الإعلام داخل اسبانيا وحتى خارجها. أما صحيفة El español الصادرة باسبانيا فقد أنجزت بدورها روبورتاجاً بعنوان : “من عاملات موسميات إلى مستعبدات جنسيا في حقول الفراولة. الحقيقة الخفية”، ونشرته في عددها الصادر يوم 19 ماي المنصرم.
وبالإضافة إلى الدور الذي لعبه الإعلام في إخراج القضية من دائرة الصمت والنسيان، هناك أيضا الدور الملحوظ الذي تقوم به نقابة SAT (النقابة الأندلسية للعمال)، وهي الوحيدة التي لها تمثيلية نسبية في هذا القطاع، وقد صدرت عن هذه النقابة تقارير وتصريحات وشكايات حول جرائم انتهاك حقوق العمال والاعتداء الجنسي في حق العاملات الموسميات المغربيات اللواتي يشدن الرحال كل”موسم” إلى جنوب اسبانيا بحثا عن لقمة العيش في جحيم حقول الفراولة. ووفق ما أفادت به العديد من وسائل الإعلام، فان الجهة القضائية المختصة فتحت تحقيقا في موضوع الاعتقال المشار إليه أعلاه بناء على تقارير نقابية وعلى خلفية ما أوردته بعض الأوساط الصحفية من شهادات وتصريحات لعاملات موسميات مغربيات ضحايا التحرش والاغتصاب، اللواتي يعانين أيضا من أوضاع مأساوية وقاسية تتعلق بظروف العمل والإقامة.
وإذا كانت هذه القضية/الفضيحة، قد شاع تناقلها وتداولها عبر مختلف وسائل الإعلام داخل اسبانيا ابتداء من أواخر شهر مايو الماضي، فان هذه الممارسات اللا إنسانية والاعتداءات الهمجية التي تتعرض لها العاملات الموسميات الأجنبيات عموما والمغربيات خصوصا، ليست وليدة اليوم، وما حدث في هذا الموسم ما هو إلا غيض من فيض، وحلقة من مسلسل انتهاكات مستمرة ارتكبها ويرتكبها المشغلون ورؤساء العمل في مزارع وحقول جنوب اسبانيا بشكل يومي في كل موسم وبطريقة ممنهجة. وقد سبق لإحدى محاكم إقليم ويلبا أن بثت في أبريل 2014 في قضية مماثلة تعود أحداثها إلى 2009، حيث أدانت ثلاثة مشغلين بتُهَم تتعلق بالاعتداء الجنسي وبانتهاك حقوق العاملات الموسميات اللواتي يشتغلن عشر ساعات يوميا دون التعويض عن الساعات الإضافية المنصوص عليها في قوانين الشغل المعمول بها، وحرمانهن من الحق في الاستفادة من الحد الأدنى من الوقت الذي يوجبه القانون للاستراحة والأكل. كل هذا وذاك يضاف إلى المعاملات المهينة والحاطة بالكرامة الإنسانية، من سب وشتم وعنف جسدي وتحرش جنسي واغتصاب، في ظل اكتظاظ داخل غرف النوم التي كثيرا ما تكون مسرحا لجرائم الاعتداء والاستغلال الجنسيين. كما أوردت المجلة الألمانية أرقاما تعود إلى 2016 حول النسبة المرتفعة لحالات الإجهاض في أوساط العاملات الموسميات، بسبب الحمل الناتج عن الاستعباد الجنسي.
ولكي لا يتمكن الضحايا من التبليغ وتقديم الشكايات، يلجأ المشغلون إلى منع العاملات من ربط علاقات تواصلية خارج نطاق حقول الفراولة التي يشتغلن داخلها، حيث يعشن وضعية تشبه الاحتجاز، كما يتم ابتزازهن واستغلال وضعيتهن الاجتماعية، من خلال تهديدهن بالطرد من العمل وبعدم تشغيلهن في المواسم المقبلة إن هن لم يرضخن لنزوات رؤسائهن في العمل. لذلك غالبا ما يصعب على الضحايا تقديم الشكايات بسبب العزلة المتعددة الأوجه، إذ بالإضافة إلى الاحتجاز، هناك أسباب تتعلق بعدم الإلمام باللغة الإسبانية، وبجهل الأبواب التي يمكن طرقها للتعريف بقضيتهن والدفاع عن حقوقهن، أو خوفا من الانتقام منهن بحرمانهن من هذا العمل الذي هو بالنسبة لأغلب العاملات المصدر الأساسي أو الوحيد للقمة عيشهن وعائلاتهن.
وفي سياق هذه الممارسات الممنهجة التي يلجأ إليها المشغلون للتستر على جرائمهم، دأبوا على إعادة العاملات إلى المغرب كلما شعروا باحتمال وصول شكوى الضحايا إلى السلطات والمسؤلين المعنيين، أو وسائل الإعلام، وقد أقدم أرباب العمل يوم الأحد 3 يونيو الحالي، على محاولة ترحيل ما يقارب 400 عاملة موسمية مغربية قبل انتهاء الموسم واستكمال أشغال الجني، وقبل حلول الموعد الرسمي لعودتهن إلى المغرب، لكن لم تسلم جرة المجرمين هذه المرة لان عملية الترحيل تم إفشالها، حيث أفادت نقابة SAT أنها وبمساعدة عناصر من الحرس المدني، أوقفت الحافلات التي كانت تقل العاملات، وذلك بعدما كان أرباب العمل قد اتخذوا قرار الترحيل مباشرة بعد الافتضاح المدوي لجرائمهم في حق العاملات الموسميات، مخافة أن يدلين بتصريحات لمفتشيه الشغل أو بشهادات تنضاف إلى الحجج التي قد تدينهم قضائيا، خاصة وأن بعض العاملات الموسميات قد تمكنا خلال هذا الموسم من تسريب شكاياتهن، ومن القيام ببعض ردود الأفعال الاحتجاجية العفوية، وتجرأن على محاولة اختراق حاجز الخوف مما أحدث ثغرة في جدار الصمت والحصار الممنهج الذي تضربه عصابات الباطرونا عديمي الضمير والأخلاق، على العاملات الموسميات اللواتي يكتوين من جحيم الاستغلال الهمجي في العمل ومن الاستعباد الجنسي. وقد اعتبرت Sat نقابة عملية الترحيل هذه جريمة اختطاف “delito de secuestro”.
وقالت نفس النقابة أنها دعت الحكومة الجهوية بالأندلس إلى تحمل مسؤوليتها تجاه هذه القضية، وطالبت مؤسسة الضمان الاجتماعي بإيفاد المزيد من مفتشي الشغل إلى المزارع لفرض تطبيق القانون وحماية العاملات والعمال من التعسف والاستغلال، وعلى مستوى آخر أعلنت النقابة عزمها تنظيم مظاهرة بمدينة ويلبا يوم الأحد 17 يونيو تحت شعار “نعم للشغل لكن مع الحقوق وبدون استعباد جنسي أو استعباد في العمل”. وتجدر الإشارة إلى انه بكطالونيا سجلت مبادرة من مجموعة من الهيئات الديمقراطية والتقدمية التي اجتمعت يوم الخميس 7 يونيو ببرشلونة لمناقشة سبل المساهمة في دعم قضية العاملات الموسميات والنضال من أجل رد الاعتبار للضحايا ومعاقبة الجناة مع ضمان عدم تكرار هذه الجرائم التي ستبقى وصمة عار على جبين اسبانيا. أما مدينة بالينسيا فتشهد يوم السبت 9 ماي 2018 جمعا عاما لمناضلين وناشطين تقدميين من أجل مناقشة كيفية التعامل مع القضية ودعم الضحايا، كما هناك حملة تضامن أخرى بإسبانيا والمغرب، ومن المنتظر أن تعرف القضية مزيدا من أشكال التضامن من قبل القوى الديمقراطية والتقدمية، نقابية، سياسية، وحقوقية، ونسوية.

° جمال التكانتي
برشلونة: 8 يونيو 2018