افتتاحية:
حملة المقاطعة تمرين في النضال الاجتماعي والسياسي

يشهد المغرب تجربة جديدة من الحركات الاحتجاجية تمثلت في حملة المقاطعة التي انطلقت عبر وسائط التواصل الاجتماعي يوم 20 ابريل. استهدفت هذه الحملة منتجات سيدي علي في الماء وسانطرال دانون في مادة الحليب ومحروقات إفريقيا. المطلب المباشر واحد وهو خفض الأسعار. بتركيزها على هذه المنتجات توسعت الحركة وأسفرت عن خسائر تجارية للشركات المستهدفة. ومع تواصل المقاطعة زادت الخسائر وزاد معها الضغط على الدولة. وبفضل هذا الضغط سقطت الاطراف الموكول اليها ادارة الازمة في العديد من الاخطاء الجسيمة اججت بدورها سخط المقاطعين ووسعت من صفوفهم فبتنا امام كرة الثلج التي كلما تدحرجت كبرت.
لقد توسعت حملة المقاطعة بفضل وسائط التواصل الحديثة وساهم مغاربة الخارج في نقل صوتها الى بلدان اقامتهم فحظيت هناك بالترحاب والدعم والمساندة. بل ألهمت حملات مشابهة في كل من الجزائر وتونس والأردن.
توجد الدولة المغربية ومعها ادارات الشركات المستهدفة أمام مأزق حقيقي وغير مسبوق. فكيفما سيكون جوابهما ستبقى عواقبه وخيمة على سياساتهما المتبعة. إنهما يدركان أن الحملة قد تقود إلى المحاسبة والمساءلة. ولذلك ولمنع هذا الاحتمال تسعى الدولة إلى إفشال المقاطعة، وهو ما جربته عبر التلويح بمتابعة الداعين للمقاطعة ودعمها مدير سانطرال دانون لما كشف عن انهم يهيئون ملفات ضد المقاطعين ثم تبعتها حملة التجييش للنزول إلى الشارع تحت مبرر الدفاع عن مصير عمال الشركات وعن الفلاحين المتعاقدين مع سانطرال دانون.
يعتبر حرص الدولة على افشال المقاطعة سياسة ثابتة وراسخة تجاه كل الحركات الاحتجاجية والاجتماعية. أن الدولة تمنع وصول الحركات الاحتجاجية الى ميزان قوة يفرض الرأي أو ينتزع المطلب ليصبح مكسبا شعبيا. إنها تحاول أن تظهر بمظهر من يمنح وليس من يفرض عليه الأمر الواقع أو يرضخ. ولذلك نراها تسلك سياسة كسر العظم عبر تطبيق المقاربة الامنية بالقمع والاعتقالات وإفراغ الحركات الاجتماعية من الشارع والساحات. لكن حملة المقاطعة لم تمكن الدولة من تطبيق هذه السياسة لأنها حملة تمر عبر وسائل التواصل وتطبق من طرف المواطنين والمواطنات بشكل فردي واختياري تعبيرا عن قناعة جماعية تتوسع يوما عن يوم.
حملة المقاطعة اليوم وهي تدخل شهرها الثاني مرشحة للمزيد من التطور والتحول الى أشكال مختلفة من المقاطعة. فتعنت الباطرونا بتشجيع من الحكومة سيمكن من رفع سقف المطالب المرتبطة بملف المحروقات لما كشفت عنه الاحداث من نهب وسرقة وتلاعب بالأسعار، لأن هناك اتفاق سري يقع بين الشركات الاربعة الكبرى في مجال التوزيع. ملف المحروقات مرشح أيضا أن يعيد ملف لاسمير إلى الواجهة ويجعله من مخرجات ازمة المحروقات ببلادنا ارتباطا بمطلب الأمن الطاقي والذي أخد يحظى بالاهتمام والمتابعة من طرف الرأي العام الوطني. كما أن ملف الحليب ومن خلال شركة سانطرال دانون قد يتطور في اتجاه تنظيم الفلاحين ومساعدتهم على التحول الى جمعيات تواجه ديكتاتورية الشركة ويفرضون مطالبهم وحقوقهم؛ إما ملف ماء سيدي علي فهو بدوره مرشح لإثارة موضوع المأذونيات واستغلال الريع وضرورة الحفاظ على الفرشة المائية وحماية مصالح ساكنة تارميلات.
تطور حملة المقاطعة سيشمل أيضا مجال الغلاء، هذا الغول الذي يفترس جيوب المواطنات والمواطنين من الطبقات الوسطى والطبقة العاملة وباقي الفئات الكادحة. إن عملية مناهضة الغلاء وخوض النضال ضدها اصبحت اليوم سهلة والوعي بها وبطرق خوضها واضحة لان تمرين المقاطعة الراهنة تحول الى تجربة غنية ومفيدة للغاية. ستتوجه الأنظار إلى جميع السلع من المواد الاساسية في المعيشة الى خدمات شركات التدبير المفوض كالماء والكهرباء والصرف الصحي. . .
اما في المجال السياسي فان المقاطعة الحالية ليست إلا تمرينا عمليا وناجحا لما هو قادم لما تحل مناسبة الاستحقاقات الانتخابية. إن التجربة المعاشة اليوم مكنت الغالبية من المواطنين والمواطنات من تكوين رأيها المستقل حول كل حزب من الأحزاب السياسية. لقد أصبحت الجماهير تعرف طبيعة برامج هذه الاحزاب ومن خلالها اعضاء هذه الاحزاب وتاريخهم المفلس في الكذب والتزوير والاغتناء الفاحش من خلال ممارستهم للسياسية وتسيير الشأن العام الوطني والمحلي. كل المؤشرات تذهب اليوم إلى التخوف الحقيقي للدولة من أية مبادرة لإجراء انتخابات سابقة لأوانها من اجل تجاوز حالة الاحتباس والإفلاس السياسي المنظور والعجز عن الحركة سواء في البرلمان أو في الحكومة.
إن التطورات المنتظرة لحملة المقاطعة ستضع الشعب المغربي في خضم تجربة التغيير الجدري من خلال النضال الاقتصادي والاجتماعي في ظل أزمة عميقة للنظام السائد؛ وجميع الاحتمالات واردة في إطار اختياراته لمواجهة هذه التطورات وعلى رأسها المقاربة الأمنية والتي مارسها وطبقها في حق الحراكات الشعبية في الريف وجرادة. وعلى القوى المناضلة أن تتعبا لمثل هذه الاحتمالات وتتحمل مسؤوليتها في قيادة النضال الجماهيري إذا هي أرادت أن تحظى بتقدير وتعاطف هذه الجماهير التي أزاحت عنها الاتكالية والانتظارية.