سلمية الحراك وعدوانية السلطة والمقاولة.
نحو قراءة سوسيولوجية في حراك المقاطعة.
محمد امباركي

ماذا تعني مقاطعة العلامات التجارية الثلاث (غاز إفريقيا، سونطرال دانون، ماء سيدي علي) في السياق المغربي؟ من الزاوية السوسيولوجية، من يقاطع من؟ أية دلالات يحملها هذا السلوك الاحتجاجي؟ وكيف يمكن قراءة رد فعل الشركات المستهدفة بالمقاطعة والمسؤولين الحكوميين؟ و أية مآلات ممكنة لحراك المقاطعة ؟
أعلن منذ البداية وتفاديا لنقاش المفاهيم، أني لن أضع حدود فاصلة بين مفهومي المقاولة والشركة خاصة حينما يتعلق الأمر بمؤسسات اقتصادية خاصة تعتبر نفسها كبيرة الحجم (Entreprises de grande taille) تستثمر في أكثر من قطاع ومنتوج وقد تتجاوز استثماراتها الحدود الوطنية، وبالتالي فاستعمالي للمفهومين يحيل على نفس المعنى ونفس المضامين.
عموما ودون العودة الى أزمنة أخرى للمقاطعة كسلوك احتجاجي مدني سلمي في سياقات مختلفة وبرهانات مرتبطة أشد الارتباط بطبيعة الصراع وحدته ومكوناته، تبقى المقاطعة – من وجهة نظر سوسيولوجية– هي شكل من أشكال التعبير عن الغضب الاجتماعي، عن عدم الرضى شبه الجماعي إزاء نمط وشروط عيش لا يضمنان الكرامة جراء عدم التوزيع العادل للثروة الذي يتبدى على مستوىارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية أو الخدمات الاجتماعية العمومية التي تعبر صعوبة الولوج إليها عن حدة الفوارق الطبقية والتفاوتات الاجتماعيةوالمجالية.
المقاطعة التي نتحدث عنها هنا، تقع في صميم الدينامية الاحتجاجية السلمية التي تتكلم لغة الامتناع، أي الامتناع عن اقتناء أو استهلاك مادة معينة وذلك لدفع الشركات والمقاولات المنتجة أو المحتكرة لها الى مراجعة الأسعار المرتفعة التي تفوق القدرة الشرائية للفئات الاجتماعية المقهورة أصلا، وقد يكون الهدف أيضا تبليغ رسالة سياسية غير مشفرة ولا تعتمد منطق الرموز والإشارات، أي بوضوح رفض زواج الثروة والسلطة واعتباره زواجا غير شرعي طالما أن هذا الزواج شكل تاريخيا ومنذ الاستقلالميكانيزما رئيسيا في صياغة وتوجيه اختياراتواستراتيجيات النظام.
و إذا كان من المتاح تحديد الطبيعة الاجتماعية للفئة المقاطعة – بفتح الطاء – أي مالكي أو محتكري المنتوجات الثلاث، فإنه ليس من السهل بلورة تحديد دقيق للفئات المقاطعة– بكسر الطاء-، بأية معايير يمكن صياغة هذا التحديد طالما أن المسألة تستوجب دراسة أشمل تحترم قواعد البحث السوسيولوجي– على الأقل من خلال توفر شروط ثلاث كما يتصورها السوسيولوجي الهندي ” أندريه باتاي “،أولا الجانب الميداني للبحث ( الامبريقي )، ثانيا المنظومة ( السيستيماتيكي ) و هو أن الظاهرة المدروسة لا يمكن فهمها من دون ربطها بالتاريخ و الاقتصاد السياسي و طبيعة المؤسسة السياسية، و ثالثا و أخير الشرط المقارناتي ( المقارنة ، أي مقارنة الظاهرة في المجتمع المدروس مع أمثالها من مجتمعات أخرى (1). لهذا سنعرض بعض الملاحظات العامةوذات الطبيعةالسوسيولوجية التي تقربنا من فهم أبعاد ودلالات هذه الدينامية الاحتجاجية المتمثلة في حراك المقاطعة.
من هم المقاطعون – بفتح الطاء -؟ أو المقاولة المستظلة بظل السلطة.
إن العلامات التجارية الثلاث موضوع المقاطعة تنتمي الى مقاولات مهيكلة و ضخمة على صعيد حجم الاستثمارات و رقم المعاملات، و هي :
– سنطرال دانون(بالفرنسية: Centrale Danone)، وسابقا: محلبةسنطرال (Centrale laitière)،هي شركة مغربية تابعة للشركة الفرنسية متعددة الجنسيات دانون مختصة بالحليب ومنتجاته. مدرجة منذ سنة 1974 في بورصة الدار البيضاء. (2)، وقد تمتمقاطعتها نتيجة غلاء مادة الحليب رغم أن الشركة تشتريه من الفلاحين بثمن أقل جدا…المقاطعة أطرها شعار ” خليه يريب”
– مجموعة أكوا (المعروفة سابقا باسم : إفريقيا جروب) هي أول مجموعة اقتصادية بالمغرب في مجال توزيع الطاقة من وقود وغاز تتخذ العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء مقراً لها، وتعمل محطات الخدمات التابعة للمجموعة تحت لواء العلامة التجارية إفريقيا. شهدت المجموعة تطوراً كبيراً بقيادة عزيز أخنوش والأخوين واكريم من خلال تنويع أنشطتها الاقتصادية في مجالات جديدة لتطالوسائل الإعلام المطبوعة، وخدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية، والسياحة والفنادق والقطاعات العقارية(3). شعار المقاطعة هنا هو” خليه يتحرق “.
– شركة “والماس”، المالكة للعلامة التجارية “سيدي علي”. بقيادة مريم بنصالح الابن البكر لعبدالقادر بنصالح…تولت مسؤولية قيادةالمجموعة المالية لوالدها لتولي منصب المديرة الإدارية والمالية لشركة “اولماس” للمياه المعدنية، التي برعت في إدارتها وتوسيع نشاطها التجاري بعد أن جعلت من “أولماس” أخطبوطا مائيا بالمغرب يسيطر على سبعين في المائة من السوق المغربي.ماء “سيدي علي” والماء الغازي “أولماس” الذي تحمل الشركة اسمه، ومنتوجات أخرى، جعلت من مريم بنصالح أكثر الأشخاص قدرة على بيع الماء وجمع الثروة، وتدعيم رأسمال الهوليدينغ “أولماركوم” الخاص بعائلتها، والذي يضم بالإضافة إلى “أولماس” كلا من شركة التأمين “أطلنتا” وشركة للطيران المنخفض التكلفة، وفروع أخرى تتخصص في الصناعة، العقار والتجهيزات المنزلية (4). الشعار الذي وجه مقاطعة ماء سيدي علي ” ماكم شربوه “
إن الفئة المستهدفة من المقاطعة تتشكل من ثلاث منتوجات لثلاث شركات تتميز بالحضور القوي في السوق الاقتصادية من حيث المنتوج المستهلك (الحليب، الماء والغاز) وحجم الاستثمارات، ولكن يبقى استهلاكها متفاوتا على مستوى الخريطة الطبقية و الاجتماعية للمغاربة حيث غالبا ما تعتبر الطبقة المتوسطة الأكثر إقبالا على هذه المواد، كما تتميز أيضا هذه المقاولات المهيكلة بعلاقتها المتداخلة بدوائر القرار السياسي. فأين يمكن تلمس بعض أوجه هذا التداخل بين السلطة والثروة، بين السياسي و الاقتصادي، على صعيد الشركات المعنية بالمقاطعة؟
إن شركة سنطرال دانون – كما يحلل ذلك الخبير الاقتصادي ” نجيب أقصبي – ” تهيمن بشكل كبير على سوق الحليب و ذلك لما كان لها من سلطة على القرار السياسي الذي يخدم مصلحتها، و هذا ما يفسر كون الحكومة انحازت بطريقة غير لائقة حتى أصبحت تسمى بحكومة سنطرال “، و بالتالي فقد استطاعت هذه الشركة سنة 2005 أن تفرض عبر لوبياتهابالبرلمان قانون لتضريب التعاونيات و ذلك لإعدام أية منافسة لها في السوق”(6)، كما أطلقت هذه الشركة ” منذ عام 2007 استراتيجية لتحفيز الزبناءعلى الوفاء لمنتجاتها، وضعت الشركة تحفيزات مغرية لأصحاب نقط البيع، و هي التحفيزات التي ترتفع قيمتها عند الاقتصار على ترويج منتجات سنطرال و عدم التعامل مع منافسيها، و هي الممارسة المحرمة دوليا، لأنها منافية لقواعد المناسفة الشريفة ” (7) و تعتبر شركة ” سنطرال ” من الشركات التي انسحب منها الهولدينغ الملكي يومين قبل انطلاق حركة فبراير 2011 (8)، و هذا التداخل يتجسد أيضا في شركةأفرقيا غاز التي يملكها الوزير و رئيس حزب إداري ولد في أحضان السلطة و تحت رعايتها، وشركة ولماس المالكة لسيدي علي و التي ظلت مالكتها لفترة مهمة على رأس نقابة الباطرونا أي الاتحاد العام لمقاولات المغرب(CGEM)، و لم تكن هذه المؤسسةفي يوم من الأيام بعيدة عن تأثير و توجيه النظام السياسي اللهم في بعض الفترات القليلة التي شهدت توترا بين الجهتين خاصة إبان حملة التطهير التي قادها وزير الداخلية الراحل ” إدريس البصري ” سنة 1996 و التي عرفت انتقاما فظيعا من العديد من رجال الأعمال و اغتناء غير مشروع لجملة من رجالات السلطة محليا و وطنيا و يشهد على هذه الفترة الرئيس السابق للاتحاد العام لمقاولات المغرب عبد الرحيم الحجوجي الذي أكد أن “الحملة التطهيرية” شكلت” صفحة سوداء في تاريخ المغرب وضربت عرض الحائط بمفهوم دولة الحق والقانون ” (9). و ربما عجز نقابة الباطرونا عن الانفكاك من مركب السلطة هو الذي دفع ” عبد الرحيم الحجوجي ” الى تأسيس حزب سياسي سماه ” القوات المواطنة”.
من الناحية التاريخية ومنذ فترة ليست بالقصيرة نسجل حقيقة أنه رغم محاولات الاتحاد العام لمقاولات المغرب الحذر من الالتزام السياسي و اعتبار سبب وجوده هو ” الدفاع عن مصالح أعضائه و المساهمة في الاقتصاد دون الارتباط بأهداف سياسية لحزب ما حيث أن انتخاب رئيس الاتحاد تحكمه الاستقلالية عن الأحزاب السياسية خوفا من هيمنة أي حزب عليه خاصة الاتحاد الدستوري و التجمع الوطني للأحرار اللذان يحاولان كسب دعم العالم التكنوبيرروقراطي…” (10)، فقد ظلت ” الاستراتيجية السياسية للباطرونا الكبرى تقوم على التحالف مع السلطة المركزية و ليس على تعارض معها ” (11)، بمعنى أن المجموعات الأساسية الكبرى للبورجوازية المغربية التي تتشكل من بورجوازية الأعمال، البورجوازية الصناعة الزراعية و البورجوازية التكنوبيروقراطية تعود الىالسياسي أي الدولة للحكم بينها و ليس الاقتصادي الذي يعني تحديث المقاولة ، تحسين الجودة و المنتوج و البحث عن أسواق جديدة ” (12). و ليس من مكر التاريخ أن نستحضر هنا بعض النماذج للمسارات السوسيومهنية لرؤساء سابقين، مسارات أشرت على فشل استراتيجية الاستقلالية عن السلطة ومن ثمة إعادة إنتاج منطق الريع السياسي و الاجتماعي، أحدهما هو الرئيس الأسبق للاتحاد العام لمقاولات المغرب ” بنسالمجسوس” بين 1985 و 1988 ، “هذا البوجوازي العصري الكبير الذي كان صيدليا في الأصل و من عائلة فاسية كبيرة ، و ينتمي لحزب الاستقلال ، و عين سنة 1983 سفيرا في بروكسيل ” ( 13)، بمعنى أنه قاد نقابة الباطرونا و هو قادم من دواليب الدولة و الحزب، ثم الرئيس الحالي ” صلاح الدين مزوار ” الذي اصبح يقود الاتحاد منذ 22 ماي 2018 و هو القادم من حزب التجمع الوطني للأحرار و مسؤوليات حكومية في الخارجية و المالية.
من هنا، ربما سنجانب الصواب إن حصرنا أسباب المقاطعة فقط في غلاء الأسعار، من الأكيد أن هذا الدافع هو الأقوى ولكن لا يمكن عزله عن ” منظومة اقتصاد الريع والفساد وتداخل السلطة السياسية مع سلطة المال حيث أن ” العوائق التي تحول دون أن تلعب البورجوازية التقليدية دورا مؤثرا وحاسما في تحديث البنيات منذ الاستقلال الى يومنا هذا، تتمثل في عجزها عن القطع مع علاقات التبعية التي تربطها بالسلطة المركزية، وفي طرائق العمل والتفكير لدى العديد من أعضائها والتي هي بعيدة كل البعد عن عقلانية اقتصادية حقيقية.” ( 14)
جبهة المقاطعة، أو الانتفاضة الافتراضية للطبقة المتوسطة.
من الصعب ادعاء الإحاطة الشاملة بالفئة أو الفئات الاجتماعية المقاطعةوذلك لأنمعظم التحقيقات الميدانية التي تناولت حركة المقاطعة ظلت جزئيةومحدودة على الصعيد السوسيومجاليوالمنهجي (الفئة المستهدفة، الإطار الجغرافي، تقنياتالبحث) نتيجة حداثة الظاهرة والحاجة الى المسافة الزمنية والمعرفية للإحاطة بمختلف مكوناتها وأبعادها ومآلاتها، ولهذا يمكن أن تشكل هذه التحقيقات أرضية مهمة لاختبار وتوسيع الخلاصات الأولية التي توصلت إليهاومن ثمة تعميق الدراسة والبحث.و مع ذلك فهناك شبه اتفاق بين الباحثين و الدارسين، على أن المقاطعة هي في الغالب الأعم جواب اجتماعي غاضب لفئات اجتماعية وسطى تمتلك الحد الأدنى من المستوى التعليمي يتيح لها استعمال التكنولوجيات الحديثة في الإعلام و الاتصال و تتميز بخاصيتينسوسيولوجيتينأساسيتين : الأولى هي تميزها بالاستهلاك الجماهيري على مستوى السوق الاستهلاكية عامة و تلك المنتوجات الثلاث موضوع المقاطعة بشكل خاص، و ثانيا كونها ضحية بل أكبر متضرر من الإجراءات الاقتصادية اللاشعبية للنظام السياسي سيما في عهد حكومة ” عبد الاله بنكيران ” من حيث إضعاف قدرتهاالشرائية من خلال إصلاحات مست تحرير الأسعار و تجميدالأجور، إصلاح التقاعد، ضربمجانية التعليم، عدم استقرار الشغل،….مع العلم أن هذه الطبقة يراودهادوما طموح الترقي الاجتماعي من خلال استمرار الرهان على المدرسة ، لكن هذا الرهان انتقل بشكل واسع من المدرسة العمومية الى الرهان على التعليم الخاص مما جعلها أمام ضغط مهول لتكلفة الحياة التي أصبحت عاجزة عن مسايرته و الاستجابة لكل متطلباته. و نعتقد أن هذه الحالةالسوسيولوجية التي تتميز بشعور الطبقة المتوسطة بخيبة أمل في النهوض بأوضاعها هي التي تفسر الى درجة ما بعض التحولات السوسيوثقافية التي طالتها مع نهاية عقد التسعينات و أبرز تلك التحولات ارتماء جزء كبير منها في أحضان الحركة الأصولية و دعمها انتخابيا لعل و عسى يقع انفراج اجتماعي معين سيمابعد يأسها من التجارب الحكومية السابقة و خاصة ما اصطلح عليه بحكومة التناوب التوافقي التي دشنت نهايتها المخيبة للأمل لهجرة شبه جماعية لجزء كبير من الطبقة المتوسطة لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةنحو حزب العدالة و التنمية على مستوى التعاطف و المساندة الانتخابية، و كذلك موقفها المتردد إزاء حركة 20 فبراير حيث ظلت في معظمها تتابع منعرجات هذه الحركة بترقب و توجس شديدين في سياق وقوعها تحت تأثير جزء من حركة الإسلام السياسي و خاصة حزب العدالة و التنمية و خوفها من السيناريوهات الإقليمية المجاورة التي يطبعها اللاستقرار ( مصر، اليمن، ليبيا، سوريا..) التي كان يسوقها الإعلام الرسمي بشكل مكثف، الأمر الذي ربما يساعدنا على فهم الانخراط الواسع للطبقة المتوسطة في حركة المقاطعة باعتبارها دينامية احتجاجية سلمية يجري تأطيرها و التعبئة لها على مستوى الساحة الرقمية و الافتراضية و ليس الشارع الحقيقي الذي يشهد غالبا تدخلا للقوات العمومية و استعمالا للعنف المفرط في قمع المحتجين، لكن هذه الدعوة و التعبئة للمقاطعة افتراضيا حققتا تأثير قويا و نتائجا فعالة تفوق تلك المكتسبات الرمزية لحركة 20 فبراير حسب راي العديد من الباحثين و الخبراء مع العلم أن ذلك الحراك يتأطر ضمن الزمن الاحتجاجي لحركة 20 فبراير و استمرارا بشكل من الأشكال لتطلعاتها و مطالبها التي لم تتحقق آنذاك، و لا شك أن فعالية و مردودية حركة المقاطعة اقتصاديا و اجتماعيا و ثقافيا هي التي تفسر جواب الشركات المعنية و الحكومة و ردود أفعالهما و بالتالي تجعلنا قادرين على استنطاق الاستراتيجية التواصلية لهذه المؤسسات. فكيف كان تواصلهما وتفاعلهما مع حركة المقاطعة؟ وإلى أي حد عبرت الطريقة أو “الخطة التواصلية” لهؤلاء عن رؤيتهم وتمثلهم للمستهلك؟

تواصل عدواني كتعبير عن العودة الى زمنماقبل المقاولة.

في الواقع، إن العلامات التجارية الثلاث موضوع المقاطعة، ترمز الى مقاولات كبيرة الحجم و تنتمي الى نمط المقاولات المهيكلة على مستوى بنياتها المؤسساتية(الرأسمال الاجتماعي، حجم الاستثمارات ورقم المعاملات، و حدات الإنتاج و التسويق، مصالح تدبير الموارد البشرية و تحسين الجودة،… الخ). ولا شك أن استحضار هذه المعطيات يستجيب لضرورة منهجية قد تساعد على الاقتراب من الطريقة التي تدبر بها هذه المؤسساتالسوسيواقتصادية نزاعها مع محيطها الداخلي والخارجي والصيغ التي تعتمدها لتجاوز وضعية الأزمة / النزاع / الخطر، أو ما يمكن تسميته في الأدبيات الخاصة بتسيير المقاولات ب ” الأمنالمقاولاتي وتدبير المخاطر ” واللذان يقتضيان الوجود المسبق لاستراتيجية استباقية ووقائية في مفكرة إدارة المقاولة.
في حوار مع ” أحمد المتمسك ” الباحث في سوسيولوجا المقاولة قال هذا الأخير” بداية لابد أن أعبر عن اندهاشي إزاء تواصل المقاولات الثلاث الكبرى التي حصلت على نتائج عكسية لما كانت تنتظره. بالنسبة لمقاولات مهيكلة وتجني الملايير يعتبر غياب خطة تواصلية خلال فترة الأزمة شيء مقلق ومزعج.نفس الأمر ينطبق على الحكومة حيث لم نلاحظ أية معالم لخطة تواصلية خلال فترة الأزمة (تواصل الأزمة). كانت هناك بعض ردود الفعل الأولية والتي أعطت زخم أقوى لحركة المقاطعة”(15).ولا شك أن الطريقة التي تجاوبت بها هذه المقاولات والحكومة مع حركة المقاطعة تستحق الدرس والتحليل خاصةوأنها تعود بنا الى زمن ما قبل المقاولة أو زمن الزاوية والجماعة التقليديةوعلاقة الشيخوالمريد.
إن تتبع الطريقة التي تجاوب بها إدارة المقاولات الثلاث و الحكومة مع حركة المقاطعة، يمكن القول أنها عكست بجلاء حقيقة أن الذي يحسم الفعل الاحتجاجي في المغرب هو الخيار القمعي المباشر أي تدخل القوات العمومية و التنكيل بالمحتجين (اعتقالات، محاكمات،…) في ظل تقلص هامش المناورة و صعوبة اللجوء الى القمع المادي المباشر كما وقع إبان حركة 20 فبراير و الحراكات الاجتماعية التي تلتها ( الريف، زاكورة، جرادة…)، حيث أن جميع مراحل التجاوب مع حركة المقاطعة من قبل المقاولات الثلاث و الحكومة تميزت بداية بالاستهتار بالمستهلك / المحتج و إلغائه ثم تخوينه و تخويفه كتصريح مدير ” سنطرال دانون ” بأن مقاطعة السلع الوطنية ” خيانة للوطن ” ثم تصريح وزير المالية ” محمد بوسعيد ” و اتهامه للمقاطعين بكونهم ” مداويخ ” ليتدخل وزير الاتصال مصطفى الخلفي و يلوح بلغة القمع، و كذلك ادعاء أن هذه الحركة الاحتجاجية مسيسة كما قال ” عبد العزيز أخنوش “، و استجداء تدخل الدولة لحماية المقاولة من خلال تخفيض الضرائب كما جاء في بيان شركه ” ولماس ” ،و في مرحلة أخرى اعتماد لغة الاحتجاج بالشارع من خلال وقفة عمال ” سنطرال دانون ” أمام البرلمان التي كان من ضحاياهاالوزير المنتدب لدى رئيس الحكومة المكلف بالشؤن العامة و الحكامة،والجدير بالملاحظة،وفي نفس الوقت المثير للاستغراب، هو أن تقارير عدة بما فيها تقرير لجنة المهمة الاستطلاعية التي شكلها البرلمان للوقوف على أسعار البيع وشروط التنافسية في قطاع المحروقات، بعد عملية تحرير السوق،
أكدت كلها غلاء الأسعار والهامش الواسع لنسبة الأرباح التي تدرها الشركات مع ما هو حصل في بلدان أخرى و ذلك بطريقة غير مشروعة و لا أخلاقية كما وصفها النائب البرلماني عن فدرالية اليسار الديمقراطي ” عمر بلافريج “. و في الوقت الذي كان من المنتظر إسراع الحكومة و الشركات الثلاث الى التجاوب الإيجابي مع حركة المقاطعة بمراجعة الأسعار و تخفيضها، ظل منطق تلك المؤسسات يشتغل بشعار ” معزة و لو طارت ” أي الاستهتار الكلي بتطلعات المواطنين الى كرامة العيش، و إن دل هذا الأمر على شيء فإنما يدل على التداخل المستمر تاريخيا بين منطق المقاولة و منطق السلطة و بالتالي إعادة إنتاج الاليات السوسيوثقافيةالتقديلية في التواصل مع المستهلك / الزبون على مستوى نسيج مقاولاتي يدعي الهيكلة و التدبير الحديث
من الناحية المبدئية، في منطق التدبير الحديث ( عقلنة المقاولة ) و انطلاقا من مبدأ أن المستهلك / الزبون هو سبب وجود المقاولة، مما يعني أن هذا الأخير له تقدير و تميز في فكر و سلوك أصحاب المقاولة التي يجب أن تجتهد دائما لتوسيع و تنويع منتوجها و الإنصات الفعال و المستمر للمستهلك و حاجبات المحيط المتطورة والمتجددة جودة و نوعا و بالتالي الحفاظ على وفائه من منطلق الشعار” الرأسمالي ” المعروف ” الزبون ملك “” Le client est un roi “.
لكن للأسف وكما بينا أعلاه، أثبت حركة المقاطعة بما لا يدع مجالا للشك الابتعاد شبه الكلي لهذه الشركات و بدعم صريح من الحكومة عن ما يمكن أن نصطلح عليه بثقافة تثمين الزبون أي الإنصات الى شكواه و اقتراحاته و تطلعاته، و تعويض ذلك بهجوم سلبي على المستهلك المقاطع من خلال لغة غير مسؤولة تعكس الضعف الشديد لقيم المواطنة أو بعبارة أخرى ثقافة و قيم المقاولة المواطنة كما تم الترويج لها خلال فترة توقيع اتفاق فاتح غشت 1996 بين النقابات و الحكومة و الباطرونا، هذا الاتفاق الاجتماعي هو الذي سيشكل الى جانب التصويت بنعم على دستور 1996 من طرف جزء من قوى الصف الوطني و الديمقراطي ، الأرضية الاجتماعية و السياسية لولادة حكومة التناوب التوافقي آنذاك.
أن ” الاستراتيجية التواصلية ” العدوانية للشركات الثلاث و الحكومة إزاء حراك المقاطعة حملت رسائل مهمة و متناقضة تراوحت بين تفهم لفظي لدواعي هذا الفعل الاحتجاجي وعجز عن مباشرة إجراءات ملموسة بكون لها أثرا اجتماعيا باديا على حياة الطبقات المسحوقة، بل المؤسف هو انتقال تلك ” الاستراتيجية ” من الهجوم المباشر على المقاطعة و نعتها باتهامات شتى ( التخوين، مداويخ، التسييس..) الى حرب داخلية غير مباشرة من خلال الكشف عن حجم الخسائر و بتالي تبرير التسريح الجماعي و الفردي للعمال و دفع ممثليهم النقابيين الى الاصطفاف ضد حركة المقاطعة خاصة في ظل الواقع الذاتي للحركة السياسية و النقابية المغربية التي تعتبر أزمتها الذاتية و الموضوعية العميقة من تجليات بروز مقاومات اجتماعية منظمة من داخل المجتمع ( حراكات : الريف، جرادة، زاكورة، المقاطعة ..).
عموما، إن حركة المقاطعة رغم جزئيتها على مستوى الجهات المستهدفة و حجم الانخراط الاجتماعي و الطريقة التي تعاملت معها الشركات المعنية و الحكومة و مجتمع مدني شبه مهترئ كجمعيات حماية المستهلك، قد كشفت مرة أخرى أن الاقتصاد السياسي في بلادنا لا يمكن تفكيكه و فهم ميكانيزمات حركته دون التشخيص المجهري لعلاقة السلطة بالثروة أي هيمنة المخزن الاقتصادي كعائق بنيوي و تاريخي أمام أي تطور اقتصادي مستقل من شأنه فرز بنيات طبقية رأسمالية تتيح الشروط الضرورية لإنجاز قطعية مزدوجة، قطيعة من جهة أولى مع الدولة المخزنيةالغنائمية او البتاريمونيالية الجديدة كما يسميها ” محمد جسوس ” ، و من جهة ثانيةمع ” المجتمع المركب ” كما شخصه ” بول باسكون ” باعتباره ” من الناحية السوسيولوجية، مجتمع قايدي مخزني، يمارس هيمنته على القبيلة الآخذة في الاندثار، وعلى الأبوية التي وجدت ملجأ لها في العائلة ووضعية المرأة. إلا أن هذه القايدية نفسها تعاني من سيطرة الرأسمالية العالمية في مجالي الإنتاج والمبادلة.”(17).

أية مآلات ممكنة لحراك المقاطعة؟
رغم صعوبة استشراف آفاق و مآلات هذه الدينامية الاحتجاجية المفتوحة و التي تقاوم مختلف خطط الإضعاف من الداخل و الخارج كالدعوة الى توسيع حجمها بشكل يتجاوز العلامات التجارية الثلاث و يمتد الى حقول أخرى كالمهرجانات الموسيقية مما جعلها تشهد نقاشا يتوسع شيئا فشيئا حول دواعي مقاطعة مهرجان ” موازين ” مثلا، هل من منطلق عقائدي يحمي ” القيم الروحية للمجتمع ” أو من منطلق اقتصادي يتوخى حماية المال العام أم هما معا؟…هذا النقاش هو في الحقيقة واجهة للتنافس الشديد بين مشروعين لتأطير و توجيه هذا الحراك و هو تنافس غطى سابقا بظلاله على حركة 20 فبراير و ساهم الى هذا الحد أو ذاك في تعميق تناقضاتها الداخلية ، لكن المؤكد أن حراك المقاطعة لا ينفصل في الجوهر عن كل الحراكات الاجتماعية السابقة و التي تعكس بجلاء درجة الهدم المادي و الرمزي التي مارسها النظام السياسي ” الباتريمونيالي ” إزاء الحقل الاقتصادي و السياسي و الاجتماعي عبر الترهيب و الترغيب بشكل أعاق التطور الطبيعي للقوى الاجتماعية و النخب السياسية بما فيها التي تنتمي الى الباطرونا، فما بلك بالقوى المعارضة. إلا أن هذا الواقع لا يمنع من القول بأن تنامي المقاومة الاجتماعية للتهميش و التفقير و الإقصاء هو تطور في الوعي الاجتماعي بضرورة تجاوز واقع تاريخي طويل من القمع و الإلغاء و التمييع و التحكم و الذي يحاول الآن النظام السياسي التملص من المسؤولية عن نتائجه الكارثيةبالادعاء عن طريق أجهزته و خبرائه أنه يوجد لوحده في مواجهة الشارع أمام تراجع و ضعف الوسائط السياسية و النقابية و فشل النموذج التنموي، بعد أن جرب سابقا خطاب تعميم الأزمة ( تقرير البنك الدولي عن المغرب 1995) و وصفة تجاوز السكتة القلبية من خلال حكومة التناوب التوافقي سنة 1998 و الذي كان توافقا غير متكافئ على مستوى بنية السلطة و القرار السياسي الاستراتيجي الذي يستوجب المحاسبة.
من هنا، إن حراك المقاطعة كحراك اجتماعي بأدوات متطورة و فعالية أكبر، بقدر حاجته،لتحقيق أهدافه المرجوة، الى الأفق السياسي و البرنامجي الذي لا يمكن أن تحمله و تدافع عنه إلا قوى سياسية و اجتماعية ذات مصداقيةو قادرة على التقاط و فهم نبض المجتمع المتحرك و تقديم جرعة أمل لفئات عريضة من ضحايا التهميش و الإبعاد الاجتماعي عن طريق خطاب سياسي صريح و ممارسة سياسيةمنسجمة تعيد الثقة في المشاركة السياسيةو تضع مسافة واضحة مع النظام السياسي،بقدرما أنه يشكلتراكما مهما في مسلسلولادة حركات اجتماعية في المغرب قيد التبلور و النضج يلعب فيها الفاعل الاجتماعي كذات فردية دورا محويا خاصة أن المقاطعة أكدت سلطة المستهلك / الفرد و التي تحولت الى سلوك شبه جماعي أربك حسابات المشهد الاجتماعي و السياسي بكل مكوناته، أو ما يسميه السوسيولوجي الفرنسي ” ألن تورين ” بالفردانية الجديدة ” (Le nouvel individualisme ) التي من معانيها أن ” العديد من الأفكار الكبرى التي كانت تتوخى تعبئة الناس من أجل خلق مجتمع جديد يتحرر فيه الفرد، يجب اليوم أكثر من أي وقت مضى وضع الحركات الاجتماعية في خدمة حرية و كرامة الفرد ” (18).وأن هذا الفرد الذي تطور في العالم المعاصر يتحدد ” من خلال وعي كل فرد أنه يحمل في ذاته توجهات وحقوق كقيم كونية مشتركة بين البشر ” (19).
المراجع
(1)أزمة اليسار ما بعد-الكولونيالي: نحو مقاربة ما بعد-استبدادية .ساري حنفي. مقال منشور بموقع ” الجمهورية “. ملف ” اليسار و الحرية “.2016
(2) و (3) الموسوعة الحرة” ويكيبيديا”
(4) مريم بنصالح. قصة بائعة ماء تَحَوَّلَ بين يديها إلى ذهب. موقع هسبريس. الخميس 17 ماي 2012
(6) أقصبي يعري تاريخ العلاقة بين سنطرال والدولة المغربية. موقع ” آشكاين “. الأربعاء 6 يونيو 2018
(7) و (8) سنطرال.. قصة أفـول. تحقيقمن إنجاز يونس مسكين. موقع ” اليوم 24 “. 2018-06-07
(9) موقع الشرق الأوسط. جريدة العرب الدولية. الاربعـاء 10 رجـب 1423 هـ 18 سبتمبر 2002 العدد 8695
Les entrepreneurs marocains : pouvoir, société et modernité (10)
SaidTangeaoui, Edition Karthala. Paris. 1993. P 254
(11) و (12 )نفس المرجع السابق. ص :265
(13) نفس المرجع السابق. ص : 215
(14) نفس المرجع السابق. ص : 140
(15) حوار مع أحمد المتمسك، أستاذ جامعي وباحث في علم الاجتماع المقاولة. موقع Medias 24. 24 ماي 2018. ترجمه الى العربية محمد امباركي
(17) بول باسكون. سمات المجتمع المركب و سيكولوجية إنسان المجتمع المركب. محمد المساوي. أنوال بريس. ماي 2017. ص : 2
(18) و (19) Si la gauche veut des idées 9 juillet 2008 Ségolène Royal , Alain Touraine.www.Amazon.fr. 8 Juillet 2008