إفتتاحية:

النضال النخبوي كان ولا يزال عقيدة البرجوازية الصغيرة

في التاريخ المعاصر للمغرب لعبت النخب دوراً بارزاً في التغيير وقيادته، إلى حد أن ذلك ازداد رسوخا كقناعة خاصة منذ الأزمة العظمى التي عاشتها البلاد في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. تقوت هذه القناعة لما انتفضت قبائل على المخزن وخرجت ثائرة عن طوعه، أحس حينها بأن استمراره أصبح موضع شك فاستعان بالقوات الاستعمارية الفرنسية والاسبانية من أجل تهدئة الأوضاع وإعادة نشر سلطة المخزن ومعها تم إخضاع المغرب للحماية والتمكن للاستعمار المباشر.
منذ ذلك الحين كانت نخبة من العلماء وبعض زعماء القبائل هي من تصدت لهذا الوضع السياسي المستجد. تحولت بعض منها إلى نخبة متجذرة وسط الشعب واستطاعت ان تتطور الى حركة جماهيرية عارمة بل حركة تحرير كما هي حال محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف. بينما بقيت النخب الأخرى ذات تأثير محدود ولم تحقق إلا انتشارا ضيقا لا يكاد يتجاوز الأقربين.
كنموذج لمثل هذه النخب يمكن اعتبار مؤسسي الحركة الوطنية الذين لم يستطيعوا تجاوز عزلتهم. لقد بقي تأثيرهم ضيقا، فحاولوا التغلب عليه عبر تأسيس الاحزاب السياسية بالمفهوم العصري وكذلك النقابات أو حتى بعض الناوية المسلحة في المقاومة وجيش التحرير. لم تستطع هذه الأحزاب ان تتحول الى قوة اجتماعية وسياسية قوية وكاسحة ولذلك اسباب اجتماعية وسياسية محلية أو عالمية.
لا يتسع المجال للخوض في كل هذه الأسباب؛ لكن ربما أهم ما يجب الوقوف عنده نظرا للشروط الملموسة اليوم وهو الطبيعة الطبقية للنخب التي قادت عملية تنظيم وبناء الأحزاب السياسية، إنها كانت ترغب في التغيير المتحكم في نتائجه والمضمونة مخرجاته. ومبعث هذا الموقف هو خوف هذه النخب من إي تغيير تقوم به الجماهير وتقوده. أنها كانت ترهب وتخشى مثل هذا التغيير، ولذلك تراها لا تنخرط في اية مبادرة إلا اذا كانت قادرة على لجمها وضبطها. وكلما انفجرت مبادرة خارج نفوذها، نجدها تسعى إلى الركوب عليها من اجل التحكم فيها وان تعذر عليها ذلك فجرتها وأجهضتها.
هذه هي العقيدة التي تكونت عند حزب الاستقلال والاتحاد الوطني للقوات الشعبية وكل الاحزاب المشتقة أو المنشقة عنهما لاحقا. في جوهر هذه العقيدة كانت السياسة ولا زالت هي المزاوجة بين العمل من داخل مؤسسات الدولة أو السعي إليها، وفي نفس الوقت استعمال الضغط الشعبي أو حتى التلويح به فقط من اجل تسخين الاجواء والضغط لتحصيل المنافع الحزبية وخاصة للقيادات المتنفدة.
لكن هذه الاستراتيجية انفضحت أمام تصاعد النضالات الشعبية التي عرت عن طبيعة الاستقلال الشكلي، وظهر عجزها في قيادة الجماهير الساخطة بعد ان تأكدت واقتنعت بان لا شيء تغير مع صفقة ايكس ليبان المبرمة بين المستعمر الفرنسي وتلك النخب. في هذه الظرفية الاجتماعية والسياسية الدقيقة ولد اليسار الماركسي اللينيني باعتباره البديل التاريخي للإصلاحية أو الأحزاب البرجوازية الخانعة.
هكذا خاضت الحركة الماركسية اللينينية المغربية الناشئة صراعا سياسيا وفكريا ضد هذه العقيدة وقدمت البديل المرتكز على القضايا التالية:
1- لا يمكن فهم الصراع ببلادنا إلا كصراع طبقي يجري في المجالات المختلفة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية؛ انه صراع بين قطبين متناحرين: القطب الأول مشكل من الكتلة الطبقية السائدة في قلبها البرجوازية الكبيرة الكمبرادورية والملاك الأراضي الكبار؛ وفي القطب الثاني الطبقات الشعبية وفي قلبه الطبقة العاملة.
2- بنت الكتلة الطبقية السائدة جهاز دولتها على قاعدة نظام مستبد يمركز كل السلطات الحقيقية بين يديه ويستخدم الديمقراطية كآليات ومساحيق للتغطية على جوهره الاستبدادي. هكذا تشكلت طبيعة وخصوصية النظام الذي يأبى الاصلاح ويستعمل النخب فقط لتجديد دماءه.
3- كل المؤسسات المنبثقة عن الانتخابات والاستفتاءات هي مؤسسات شكلية وفاقدة للشرعية السياسية، ولا يمكنها أن تصلح او تغير من الاختيارات الأساسية في البلاد.
هذا البديل الذي اهتدت له الحركة الماركسية اللينينية المغربية ازداد وضوحا وملحاحية؛ لان الشروط اللاحقة عززت القناعات به. ولذلك فإننا وانسجاما مع خطنا السياسي والفكري في النهج الديمقراطي، نعتبر أن التغيير هو من صنع الجماهير وفي طليعتها الطبقة العاملة التي يجب ان تقود الصراع السياسي والفكري عبر حزبها السياسي المستقل. فبدون هذا الحزب ستستمر الاحزاب البرجوازية الصغيرة في ممارسة عقيدتها القديمة وستواصل البحث عن امكانيات التغيير بهذه النخب وعبرها وبالمزاوجة بين التواجد في المؤسسات المغشوشة والضغط عبر الركوب على النضالات الجماهيرية وفي ذات الوقت الاحتقار لتلك الجماهير كما هي عادة وسلوك الشعبوية سواء أكانت يمينية أو يسارية.
اننا نعتبر الجماهير المنظمة والواعية هي البديل التاريخي، وعلى حزب الطبقة العاملة ان يعتمد خط الجماهير في ممارساته وفي برامجه ونضالاته. وكلما انخرطنا في هذا النهج كلما حقق شعبنا بقيادة طبقته العاملة انتصارات تاريخية ووضع البلاد على سكة التحرر والعدالة الاجتماعية الحقيقية، لأنها متوجهة صوب هدف اسمى وهو تشييد المجتمع الاشتراكي اي المرحلة الاولى في مجتمع جديد انساني حقا ينعدم فيه استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.