حوار مع الرفيق عبدالله الحريف بمناسبة الذكرى 48 لتأسيس منظمة إلى الأمام حول شروط نشأة الحركة الماركسية اللينينة المغربية ومهام بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة…*

** من خلال تجربتكم في النضال السياسي، في منظمة الى الأمام والنهج الديمقراطي، كيف يمكنكم وصل تجربة النضال في منظمة ماركسية لينينة، فرضت عليها طبيعة النظام أن تعمل في السرية بتجربة العمل في حزب سياسي يتمتع بالوجود القانوني، في ظل نفس طبيعة النظام؟

إن العمل في السرية أو العلنية أو القانونية أو مزيج من أثنين أو ثلاثة من هذه الأشكال قضية تكتيكية يحددها، في ظرف معين ملموس، الجواب على السؤال التالي: ما هو شكل التنظيم الذي يسمح، في ظرف محدد، بتطوير وعي الجماهير الشعبية ونضالها وبناء تنظيماتها الذاتية المستقلة، وذلك دون أن يتناقض مع أهداف التنظيم الاستراتيجية؟

فما هو الظرف الملموس الذي تم فيه إنشاء النهج الديمقراطي كتنظيم علني ثم قانوني؟ وهل ساهم النهج الديمقراطي في تطوير وعي ونضال الشعب المغربي وبناء تنظيماته الذاتية المستقلة؟ وهل تراجع النهج الديمقراطي على الأهداف الاستراتيجية لمنظمة “إلى الأمام”؟

إن فترة 1990- 1995 هي التي بدأت تختمر فيها فكرة الانتقال إلى العمل العلني والتي أهم سماتها هي التالية:

–  أزمة اقتصادية خطيرة بسبب تزامن سياسات التقويم الهيكلي مع سنوات الجفاف أوصلت الوضع إلى ما سماه رئيس الدولة آنذاك “السكتة القلبية”.

–  انعكاس خطير لبرامج التقويم الهيكلي على العمال والفلاحين الصغار والمتوسطين وفئات واسعة من الطبقات الوسطى .

–  عزلة سياسية خطيرة يعيشها النظام بسبب تراجع الدعم الإمبريالي له خاصة من جهة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية في وقت انفضحت فيه أمام الرأي العام الوطني والدولي جرائم النظام السياسية (تازمامارت، قلعة مكونة، … ).

–  نهوض قوي للنضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان

–  نهوض نضالي من أجل المطالب الاجتماعية: نضالات عمالية، نضالات المعطلين حاملي الشهادات وتأسيس ج.و.ح. ش.م.م، إضراب عام في دجنبر 1990 رافقته انتفاضات في فاس وطنجة… )، نضالات ضد الإمبريالية والصهيونية (نضالات قوية لمساندة القضية الفلسطينية والعراقية توجت بمسيرات وطنية (مسيرة لمساندة الانتفاضة الفلسطينية الأولى وضد الحرب على العراق في 3 فبراير 1991).

إن هذا الوضع فرض على النظام التخفيف من قبضته القمعية من خلال إطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين في 1994 وفتح هامش للعمل الجماهيري الحقوقي والنقابي وللعمل السياسي.

لذلك تم تأسيس النهج الديمقراطي، في 15 أبريل 1995 للاستفادة من هذا الوضع ولم شمل المناضلين اللذين ظلوا، في السجون والمنافي والساحة النضالية، متشبثين بالمشروع الثوري لمنظمة “إلى الأمام”. وبعد نقاش واسع وعميق في مختلف هيئاته، قرر النهج الديمقراطي، في 1999، خوض النضال من أجل حقه في الوجود القانوني الذي استطاع انتزاعه، في 2004، دون تقديم تنازلات على هويته وأهدافه ومبادئه.

هل ساهم بناء النهج الديمقراطي في تطوير وعي ونضال الشعب المغربي وبناء تنظيماته الذاتية المستقلة؟

منذ تأسيسه والنهج الديمقراطي يعمل بصبر وأناة من أجل التجدر وسط الطبقة العاملة وعموم الكادحين

ويساهم بقوة في العديد من واجهات النضال الجماهيري، النقابية والحقوقية والجمعوية ومختلف التنسيقيات وغيرها من الأشكال التنظيمية لنضال الجماهير الشعبية. وساهم بحماس وبشكل وازن في حركة 20 فبراير المجيدة. ولا يتوانى عن النضال ضد السياسات الرجعية للنظام وفضح المناورات والأكاذيب والديمغوجية التي تلجؤ لها القوى الرجعية و ينظم حملات، في مختلف مناطق البلاد، لمقاطعة المهازل الانتخابية التي يحاول النظام من خلالها إضفاء مشروعية ديمقراطية على استبداده. وهو بذلك يساهم في تطوير الوعي الشعبي ويساعد الجماهير على بناء أدوات دفاعها الذاتي.

وأخيرا، هل تراجع النهج الديمقراطي على الأهداف الاستراتيجية لمنظمة “إلى الأمام”؟

إن النهج الديمقراطي استمرار وتطوير لتجربة الحركة الماركسية- اللينينية، وخاصة منظمة “إلى الأمام:

منذ نشأته، طرح النهج الديمقراطي على نفسه كمهمة مركزية، على غرار منظمة “إلى الأمام” مهمة ” المساهمة في بناء التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة وعموم الكادحين” وطور هذا الشعار في مؤتمره الرابع حيث تبنى شعار “بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين”.

ومرجعيته الفكرية ترتكز إلى الماركسية “كمنهج للتحليل وكنظرية في التغيير الثوري، على أننا لا نعتبرها نظرية جامدة، بل هي خاضعة للتطور والاغتناء على ضوء الممارسة النضالية وبالاستفادة من التقدم العلمي. لذلك فإن النهج الديمقراطي ينهل من فكر ماركس وإنجلز ولينين وغيرهم من المفكرين والقادة الشيوعيين الذين قدموا إضافات أغنت الماركسية. وترتكز الماركسية من حيث الجوهر إلى المادية الجدلية والمادية التاريخية”. (1)

وهدف النهج الديمقراطي المرحلي هو التحرر الوطني والبناء الديمقراطي أي التغيير الوطني، الديمقراطي والشعبي ذي الأفق الاشتراكي والهدف الأسمى هو الشيوعية.

ويعتبر النهج الديمقراطي أن التناقضات التي تخترق مجتمعنا هي:

–  التناقض الأساسي بين الطبقة العاملة وعموم الكادحين من جهة والطبقات السائدة ونظامها المخزني والإمبريالية من جهة أخرى الذي يستدعي حله بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين. هذا التناقض هو المحرك للتناقضات الأخرى.

–  التناقض الرئيسي بين الطبقات السائدة ونظامها المخزني والإمبريالية من جهة والطبقات الشعبية من جهة أخرى الذي يتطلب حله بناء جبهة الطبقات الشعبية لانجاز مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي.

إن قيادة حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين لجبهة الطبقات الشعبية ضرورية لإنجاز مهام مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي وانفتاحها على الاشتراكية.

** بالنظر الى المهام التي سبق أن طرحتها منظمة الى الأمام، من حيث بناء أدوات الصراع الطبقي، هل الشروط الراهنة تتيح امكانيات تحيين نفس المهام، وبأي مضمون؟

لقد عملت الامبريالية ومختلف أجهزتها على تبخيس دور الحزب والجبهة السياسية كأدوات للصراع الطبقي في شقه السياسي والعمل النقابي كأداة للصراع الطبقي في شقه الاقتصادي وتعويضها بالعمل في المجتمع المدني الذي، غالبا، ما تختزله في العمل في المنظمات الغير حكومية على قضايا جزئية أو قضايا هوياتية يتم تضخيمها إلى حد كبير. ويلتقي، موضوعيا، جزء من اليسار مع هذا التصور من خلال التراجع عن مفهوم الصراع الطبقي وعن الدور الأساسي للطبقة العاملة في التغيير في ظل سيادة نمط الإنتاج الرأسمالي، وذلك لفائدة الحركات الاجتماعية المتعددة( حركات النساء، حركة الشعوب الأصلية أو الأقليات الإثنية وغيرها من الحركات التي تدافع عن مطالب فئوية أو عن مطالب مجموعات معينة) أو تواجه التهميش الذي تعاني منه مناطق كثيرة ومتزايدة. هذا التصور الذي يعتبر أن تطور المجتمعات يخضع للصدف الناتجة عن الصراعات التي تخوضها هذه الحركات المتعددة والمشتتة وليس لقوانين موضوعية( الانتقال من نمط إنتاج معين إلى نمط إنتاج أرقى الذي من الأكيد أنه لا يسير في خط مستقيم بل يشق طريقه من خلال العديد من الصدف). إن هذا التصور يقبل بالرأسمالية كأفق وخيار وحيدين. هذا التصور نظر له كل من إرنيسطو لاكلو وشنطال موف ويشكل المرجعية الفكرية لبعض القوى اليسارية في أمريكا اللاتينية وأيضا حركة بوديموس.

تصور يتشبث بالصراع الطبقي ودور الطبقة العاملة المركزي في التغيير وضرورة النضال من أجل القضاء على الرأسمالية باعتبارها المسئولة عن الكوارث التي تعاني منها البشرية. ولذلك فهو قد يذهب، في الحالات القصوى، إلى اعتبار أن أدوات النضال الوحيدة هي الأدوات الطبقية( الحزب، الجبهة والنقابة). أما في أغلب الحالات، فإن هذا التصور يبخس دور الحركات الشعبية المتعددة والمشتتة الذي يحصر المتبنين له علاقتهم بها في التضامن معها من خارجها وليس الانخراط فيها، وذلك لأنهم لا يعون أنها، في العمق، تعبيرات موضوعية وقارة وغير عابرة عن مقاومة العولمة الرأسمالية أو، وهذا هو الأخطر، هناك من يعتبرها، لكون الرأسمالية قد تستعملها لإضعاف الدول وتفتيتها ولتخريب الوعي الطبقي، حركات رجعية بل حتى أنها من صنع الامبريالية في إطار نظرية المؤامرة.

إن هذين التصورين يتجاهلان دور الرأسمالية، في مرحلتها الحالية، في بروز هذه الحركات وتهيكلها من خلال إضعاف الدور الاجتماعي للدول لفائدة تضخم دورها القمعي، خاصة في دول المحيط الرأسمالي. كما يتجاهل مسئولية الرأسمالية في تهميش مناطق متعددة وشاسعة من خلال تمركز النشاط الاقتصادي والثروة في بضع متروبولات ومدن كبيرة بالأساس، وخاصة في دول المركز الرأسمالي.

الشيء الذي يجعل الناس، لحماية أنفسهم من همجية الرأسمالية، ينطوون على هوية خاصة، إما مرتبطة بالبنية الفوقية( الدين، الهوية الإثنية… ) أو بفئة معينة أو منطقة مهمشة، وذلك على حساب هويتهم كمواطني ومواطنات دولة معينة وكأعضاء وعضوات هذه الطبقة أو تلك. ولذلك نرى أعضاء وعضوات هذه الحركات بسبب انغلاقهم على هوية أو فئة أو منطقة معينة، في العديد من الأحيان، يتحفظون عن الانتماء الحزبي أن لم يكن يحاربونه أو يطرحون بناء قوى سياسية على أساس هوياتي.

إن ما سبق يتطلب العمل على بناء تمفصل صحيح بين أدوات الصراع الطبقي والحركات الشعبية المختلفة أي جعلها رافدا لنضال الطبقات الشعبية، وفي مقدمتها الكادحين، من أجل انعتاقها وليس عرقلة له.

لذلك أعطى النهج الديمقراطي أهمية كبيرة لبناء ألتنظيمات الذاتية المستقلة للجماهير حيث اعتبرها سيرورة تترابط وتتفاعل مع سيرورة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين وسيرورة بناء جبهة الطبقات الشعبية.

** لاحظنا مجموعة من الانتفاضات والسيرورات الثورية، تحرك عالمنا اليوم، لكن أغلبها لا يصل المدى المطلوب تحقيقه، ألا تعزون ذلك الى غياب الحزب الطبقي كمعبر سياسي للطبقة العاملة وعموم الكادحين، وما له من راهنية؟ أم أن الواقع الجديد يفرض أطروحات أو بدائل أخرى؟

إن مآل الموجة الأولى من السيرورات الثورية في العالم العربي تبين الحقائق التالية:

لم تكن الطبقة العاملة و/أو جبهة الطبقات الشعبية هي المبادر لإطلاق السيرورات الثورية في المنطقة، نظرا لغيابها أو ضعفها. ويعني ذلك أن القيادة في الموجة الأولى كانت هلامية يجمعها القطع مع الأنظمة السائدة الفاسدة والمستبدة ولم تكن تتوفر على بديل واضح لهذه الأنظمة.

إن الدول التي أفضت فيها هذه الموجة إلى إنجاز قطيعة من خلال فرض رحيل الطاغيتين بن علي ومبارك، وذلك بقوى الشعب الذاتية وبدون تدخل قوى أجنبية، هي تونس ومصر. وقد كان الحاسم هو تدخل الطبقة العاملة، إما بواسطة المركزية النقابية في حالة تونس، أو تجاوزا للنقابات الرسمية كما وقع في مصر.

غير أن غياب أو ضعف الأداة السياسية للطبقة العاملة وعموم الكادحين وغياب جبهة الطبقات الشعبية وضعف تمفصل هاتين الأداتين العضوي مع الحركات الاحتجاجية الشعبية سهل هجوم القوى المضادة للثورة وعرقلتها للتقدم في إنجاز مهام التحرر الوطني والديمقراطية.

لذلك، فإن شروط تحقيق السيرورة الثورية لمهامها أي التحرر الوطني والبناء الديمقراطي يتطلب التقدم في السيرورات الثلاث:

سيرورة بناء حزب الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

سيرورة بناء التنظيمات الذاتية للجماهير الشعبية، وفي مقدمتها، الطبقة العاملة وعموم الكادحين.

سيرورة بناء جبهة الطبقات الشعبية.

** ما التحالفات الممكنة اليوم؟ وما شعاراتها وبرامجها التي ترسم استراتيجية التغيير؟

– إن مهمة بناء جبهة الطبقات الشعبية ذات طابع إستراتيجي. وسيكون بناؤها تتويجا للعمل الجبهوي التكتيكي الذي يمكن من التقدم في إنجاز مهام التحرر الوطني والبناء الديمقراطي من خلال عزل والتركيز على العدو الأكثر شراسة، في فترة معينة، وبناء أوسع تحالف ضده.

ويعتبر النهج الديمقراطي أن العقبة الكأداء، الآن، أمام أي تقدم لشعبنا هو المخزن، وخاصة نواته الصلبة المافيا المخزنية.

لذلك فهو يناضل من أجل إقامة جبهة ميدانية تضم كل القوى المناهضة للمخزن شريطة أن تكون هذه القوى مستقلة في قرارها وبالتالي غير تابعة لقوى إقليمية معينة وألا ترفض الديمقراطية على الأقل كآلية (الانتخابات). ويجب أن يتم هذا في الميدان كما توضح ذلك تجربة حركة 20 فبراير التي شكلت وعاء لتجارب ومرجعيات مختلفة بل متناقضة. هكذا فإن هذه الجبهة لا ترتكز إلى وحدة أيدلوجية. إنها جبهة تبتغي تحقيق هدف سياسي يوحد الجميع، أيا كانت مرجعيته الأيدلوجية وموقعه الطبقي.

وفي نفس الآن، يجب على هذه القوى أن لا تكتفي بالتوحد ضد عدو مشترك، بل تحديد البديل المنشود من خلال الحوار العمومي الواسع الذي نعتبر أنه-  أي البديل-  يجب أن يندرج ضمن تحقيق مهام مرحلة التحرر الوطني والبناء الديمقراطي ويساهم في وضع أسس الجبهة الشعبية المنشودة.

لذلك نعتبر من الضروري بناء الجبهة الديمقراطية وأن يكون عمودها الفقري اليسار المناضل المناهض للامبريالية.

ورغم صعوبات بناء الجبهة الديمقراطية والجبهة الميدانية، فإن الحراكات والنضالات الشعبية المتعددة تضع القوى الديمقراطية والتقدمية والحية أمام مسئولياتها التاريخية. ويتوفر النهج الديمقراطي على رصيد نضالي هائل وتراكمات نظرية مهمة وإيمان عميق بالضرورة الحيوية والملحة لتوحيد صفوف الشعب وإصرار كبير على تجسيد هذا الطموح الوحدوي. وهو ما يؤهله للعب دور هام في بناء الجبهات تكتيكية على طريق بناء جبهة الطبقات الشعبية.


  • هذا الحوار نشر في العدد 273-274 لجريدة النهج الديمقراطي