افتتاحية:

المغرب على صفيح الاحتجاجات الاجتماعية

جميع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تذهب الى ان الأوضاع بالمغرب المتردية أصلا، ستزداد في الأسابيع والشهور القادمة. حتى الرسالة التوجيهية لرئيس الحكومة حول التهييء لمشروع قانون مالية 2019 لم تستطع إخفاء وضع التردي هذا؛ فرغم الكلام المنمق، فإن النمو لن يتجاوز حسب الانتظارات 3.2%، مما يعني أن التشغيل لن يعرف أي تغيير يذكر، وأن الفقر سيزداد رغم التضليل الذي تقوم به المندوبية السامية للتخطيط من أجل اخفاء حجمه المقلق والذي على ما يبدو وصل حدا لم يعد يقبل التبرير او التجاهل وهو ما حدى بالبنك الدولي للكشف على تقديره لنسبة الفقر والحاجة بالمغرب في 60%.
هكذا يتضح أن الأوضاع الاجتماعية أصبحت كارثية وهي مرشحة للمزيد من التفاقم والتردي وأن الدولة عاجزة على الحد من هذا التدهور. ليس أمامها إلا بيع الوهم عبر خطاب مخادع يدعي الانجازات ويسفه رأي القوى المعارضة الحقيقية المناضلة، ويكيل لها الشتائم والسب من شاكلة العدمية والتنكر للانجازات العظيمة، كما يلجأ هذا الخطاب البليد إلى فزاعة التهديد بجر البلاد الى عدم الاستقرار والتخويف من حالة ليبيا وسوريا، وهو خطاب أصبح الجميع يتهكم عليه ويكشف زيفه عند مقارنة ترتيب المغرب في سلم البلدان حيث يحتل المغرب رتبا متدنية واقل من لبيا وسوريا والعديد من البلدان الافريقية المتضررة من الحروب والآفات الطبيعية.
هكذا يتهافت الخطاب الرسمي وتنفضح ألاعيب النظام القائم الذي لم يعد قادرا على الاقناع بسياساته او جعل المواطنات والمواطنين يصبرون وينتظرون الوعود. إن زخم الحركات الاحتجاجية والتي عمت جميع الفئات الاجتماعية وجميع مناطق المغرب تدل على فشل الخطاب الرسمي وأنه لم يعد يخلق الانتظارات أو الثقة في الوعود. لقد سقطت ثقة الكادحين وخاصة الأكثر تضررا في السياسات الرسمية وفي الحكومة.
إن هذه الحركات الاحتجاجية باتت تندلع على شكل حملات أو موجات مترابطة. وكلها ترفع من مستوى الاحتقان الشعبي فيحصل التراكم في الضغط وينمو وعي الشعب بأسباب الازمة وبالمخرجات أو الحلول. في الفترة الحالية يحتل التعليم بمشاكله المرتبة الاولى في الحركات الاحتجاجية التي تفضح واقع المؤسسات التعليمية المفتقدة لأبسط التجهيزات، كما تفضح واقع الاكتضاض داخل الحجرات من حيث تكدس التلاميذ ومن حيث ظاهرة تعدد المستويات في نفس القسم التي اصبحت ظاهرة عادية ومعمول بها خاصة في البوادي ومغرب الهوامش.
يعرف الدخول المدرسي لهذه السنة مستجد موافقة المجلس الوزاري الاخير على مشروع القانون الإطار المتعلق بمنظومة التربية والتكوين والبحث العلمي والذي سيعرض على البرلمان للمصادقة عليه. إن اصدار هذا المشروع يعتبر الضربة القاضية على الحق في مجانية التعليم العمومي، كما يعتبر التنزيل الفعلي لمقتضيات الحق في التعليم كما جاءت في الفصل 31 من الدستور الممنوح. أصبح هذا الحق مشروطا بما ستجود به الدولة المغربية من “مساهمة” إلى جانب المؤسسات العمومية والجماعات الترابية ومساهمة الأسر. لقد تم التخلي عن واجب الدولة في تلبية حق المواطنات والمواطنين الاساسي والذي لا يمكن تحت أي شرط أو ذريعة التنقيص منه أو التخلي عنه في ظل دولة تحترم الحد الادنى من الحقوق الاجتماعية لمواطناتها ومواطنيها.
بإصدار مشروع قانون الاطار الخاص بالتعليم تكون الدولة قد قدمت آخر ما عندها، وأعطت الدليل الواضح على فشلها التام. ولهذا لا يجب القبول بهذا المشروع، بل بالعكس وجب النضال من أجل اسقاطه والتراجع عنه وفرض فتح نقاش عمومي تساهم فيه كل القوى الحية من أجل بلورة البديل الشعبي الديمقراطي لتحقيق منظومة تعليم شعبي عمومي جيد يساهم في تكوين الشباب وخدمة التحرر الوطني.ومن اجل اسقاط هذا المشروع لا بد من تأسيس كل الاشكال التنظيمية الشعبية لأولياء التلاميذ وكل شغيلة القطاع من اجل مواجهة كل أشكال ضرب المجانية ومهما كانت مسمياتها أو الذرائع التي يمكن استعمالها للالتفاف على الحق في التعليم العمومي الجيد والمجاني كواجب على الدولة الالتزام والوفاء به.