الشهداء لايغادرون الوطن

الى المستمرين حاملين وصية الشهداء

نورالدين الرياضي

**************

التقم حبات زيتون سوداء

وبعض فتات الخبز المتبقي من عشاء سابق

كان الابريق الصدئ يغلي فوق النار الملتهبة لاخشاب جافة

كان يمني النفس باجتياز الحدود نحو افق مجهول

كانت وصية امه ان لايبعثر نقوده المتحصلة

وان يتذكر المعيشة الضنكى التي يعيش فيها اخوته والاب الكسيح

كان يحمل معه شهاداته الجامعية

فان وصل كانت له سندا

كان الصرخات الثائرة من ايام الجامعة تتردد صداها في اذنيه

كانت احلاما كبيرة لم تات على مقاس واقع قاس

يتذكر جميلة عروسة الحلم المتردد

مازالت النار تتوهج في الفضاء العاري الا من مجموعة هاربة في هذه الصحراء المترامية الاطراف

رمى راسه المتعب على صخرة منبسطة غطاها بما يحمله من ثياب بسيطة
/////////////////////////////

كان لهيب الصحراء يشتد

وقد تاه منهم المسار

جفت الحلوق وتراخت الاطراف

بالكاد كان يدفع رجليه المتثاقلتين في الرمال

كان من معه يتساقط الواحد تلو الاخر اشتد العطش

وغاب حتى السراب

غاصت رجلاه حتى الساقين في حفرة رملية متحركة

تناثرت دنانير ذهبية

فغر فاه بدهشة وجودية

تحقق الحلم

رمى ثيابه المهترئة من صرتها

وجمع الذهب اللامع الوهاج

تحقق الحلم يا اماه وساعود لاشتري لك كل شئ

من الارض بل ومن السماء

جف الحلق

حملق في المتساقطين من رفاقه كل في مكان

لم يره احد واصبح الذهب له

اصبح سيد الصحراء

هل يصرخ صرخة طرزان عندما ينتصر على وحوش الغابة

لكن حلقه كان جافا

ازداد العطش

تساقطت الصرة

تناثرت النقود قربه على الرمال

ارتمى فوقها حتى لاتضيع معالمها

ازداد العطش

-ماء…ماء..

لم يكن يتصور ان يكون غيرهم بهذا المكان

كانت قافلة تسير

هل كانوا يركبون جمالا ام حمير

كان العطش قد اخذ منه كل ماخذ

اسنده احدهم على ذراعيه

بل ريقه

كانت القطرات تنزل بردا وسلاما في جوفه الملتهب

لم يكن الوجه غريبا عنه

هل كان من جملة التلاميذ …الطلبة…

لم يتذكر

-زدني شربة ماء ….

ابتسم الغريب في وجهه

-بكل مالديك من الذهب

-خذ …خذ اريد ماء

جمع الغريب الصرة وحزمها على الدنانير الذهبية

سقاه حتى ارتوى

بعد ان اطفأ لهيب العطش

تأمل الوجوه مليا

كانت معلقة صورهم في الجامعات…في المقرات…في الشوارع

كاد يصرخ

-انتم……..

وضع الغريب اصبعه على فمه والابتسامة لاتغادر وجهه المبتسم

-لاتغادرولومنحوك جرات الذهب

لاتغادر فالوطن ليس له بديل ولو جلت اطراف الكون

كاد يسأله وماذا تفعلون انتم في هذه الصحراء

غير ان ابتسامة الغريب استمرت منبلجة كالصبح

-وهل يغادر الشهداء الوطن؟
///////////////////////////////////////////////

تقلب في الرمال الساخنة تحسس الصرة مازالت تحت راسه تأمل الرفاق مازالوا نائمين

ايقظهم واحدا واحدا

حملقوا فيه وقد حمل الصرة بين يديه

-الى اين…الى اين …؟

انا عائد الى الوطن …هل يغادر الوطن ابناؤه ويتركونه للصوص ينهبون خيراته؟

سار…وسار وراءه الرفاق

هل كان يحلم …ام بقايا الحلم مازالت تراوده

كان الغريب يسير امامه مشيرا بيديه ان نلتقي في الوطن

فرك عينيه

لكن لو كذب عينيه

من اين ياتي هذا الغبار المتطاير ؟

اليس من مسار القافلة؟