هل حانت ثورة المكنسة في تونس؟

تونس: 26-09-2018 08:06

L’image contient peut-être : ‎‎‎مصطفى القلعي‎‎, gros plan‎ مصطفى القلعي

لاشكّ أنّ المتابعين للشأن العام في تونس قد فهموا مصدر الإيحاء في عنوان مقالي؛ إنّهما الصورة والفيديو اللذان راجا كثيرا على وسائل الاتصال الاجتماعي لحمّه الهمّامي الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبيّة وهو يدفع الأوحال بمكنسة من أمام أحد المحلاّت بجهة نابل مساهمة منه في مقاومة آثار الفيضانات التي اجتاحتها يوم السبت 22 سبتمبر 2018 وتحفيزا للناس على الانخراط في حملة لتنظيف مدينة نابل وقراها في ظلّ غياب كلّي للدولة ولأجهزتها ومؤسّساتها.

صورة حمّه حاملا المكنسة دافعا بها الأوحال عن واجهة أحد المحلاّت مع مجموعة من المواطنين التي اخترقت فايسبوك وملأته، اعتبرها بعضهم شعبويّة واعتبرها البعض الآخر واجبا وطنيّا يؤدّيه زعيم المعارضة الوطنيّة الديمقراطيّة الاجتماعيّة تجاه شعبه. والحقيقة أنّ من تحدّثوا عن الشعبويّة ينقصهم الكثير من الاطلاع على مفاهيم الشعبويّة وتنظيراتها لاسيما أنّهم يستعملونها كتهمة والحال أنّها ليست كذلك دائما لو كانوا يعلمون.

ولكن سرعان ما راجت صور لتلاميذ نابل وهم يكنسون معاهدهم ومدارسهم في صورة تضامنيّة فريدة الخسارات والخسائر الفظيعة. فبدأ متّهمو حمّه بالشعبويّة يختفون فتتحوّل أصواتهم من الكلام إلى الهسهسة إلى الصمت والسكون. فمكنسة حمّه خرجت من الشعبويّة إلى الرمزيّة فصارت دلالة على النظافة وعلى التطوّع وعلى نكران الذات وعلى تعويض دور الدولة ومسؤوليها وعلى تونس كما نحبّها ونشتهيها.

غير أنّ الأجمل أنّ الرسّام الكاريكاتوري المبدع توفيق عمران التقط الصورة الحقيقيّة وخبَرها المتداول وحوّلهما إلى صورة كاريكاتوريّة رمزيّة انتقلت المكنسة بموجبها من الدلالة على المعنى الحقيقي (الكنس) إلى الدلالة على المعنى المجازي (الثورة وكنس العملاء) أي من تنظيف الأوحال إلى تنظيف الساحة السياسيّة وبيد حمّه دائما. واخترقت الصورة فضاء فايسبوك مجدّدا لكن بشكلها الكاريكاتوري وبعدها الرمزي هذه المرّة.

إنّ المعنى الرمزي الذي منحه الرسم الكاريكاتوري الذي أنجزه توفيق عمران لحمّه والمكنسة أخذ التونسيّين إلى شعارين؛ شعار الحملة الدعائيّة للانتخابات البلديّة المقامة يوم 6 ماي 2018 في تونس « اليد النظيفة تبني بلديّة نظيفة » وشعار المعارضة الوطنيّة والمنظّمات الوطنيّة وقوى البناء والإصلاح في تونس حول مقاومة الفساد وتنظيف البلد من الفاسدين من لوبيّات وأحزاب وسياسيّين وعصابات.

غير أنّ كاريكاتور توفيق عمران اكتنز المعنى واختزله في البعد السياسي حين جعل المكنسة تكنس أربعة أسماء محوريّة في حكم تونس اليوم هي بالترتيب رئيس مجلس نوّاب الشعب ورئيس الحكومة ورئيس الجمهوريّة ورئيس حركة النهضة، وهو أمر وجيه ومفهوم باعتبار أنّ الحلّ والعقد بيد السياسي الذي وحده بإمكانه القضاء على الفساد أو إيناعه.

معنى ذلك أنّ الفساد استشرى وتطاول على التونسيّين بفصل هؤلاء الذين أحيت الثورة عظام بعضهم وجاءت ببعضهم الآخر لمقاومة الفساد وتنظيف تونس من الفاسدين وإعادة الحقّ إلى أصحابه التونسيّين من معطّلين ومهمّشين ومظلومين ومحرومين وممنوعين من خدمة بلدهم بصدق وفاعليّة. لكنّهم لم يفعلوا بل فعلوا العكس وتبنّوا الفساد وتستّروا عليه وربّما مارسوه بشكل من الأشكال وإن رفعوه شعارا أحيانا. وأكبر فساد أتوه كان عراكهم على السلطة عوض تضافرهم في خدمة الشعب والوطن.

طبعا لا حمّه ولا المصوّر الذي التقط له الصورة والفيديو كانا يعتقدان أنّهما سيخلقان جدلا لدى الرأي العام. ولم يكونا يعتقدان أيضا أنّ المخيّلة الشعبيّة ستجعل للمكنسة شأنا وتتحوّل إلى مادّة للنقاش والسجال السياسي بعد أن قضّت عمرها في دلالتين؛ كنس الأوساخ والأتربة داخل المحلاّت لدى ربّات البيوت وعمّال نظافة، من جهة، ومساعدة الساحرة على الطيران في قصص الأطفال الخرافيّة.

غير أنّ هذين المعنيين ليسا بعيدين عن المعنى الذي أوحى به كاريكاتور توفيق عمران. فمعنى تنظيف الأوساخ العينيّة يستدعي معنى تنظيف الأوساخ السياسيّة. ومعنى الطيران يرنو له التونسيّون جميعا للتحليق في عالم الحريّة والتقدّم والأمن والعدل والرفاه بعد أن يتحوّل حالهم من كابوس إلى حلم.

فبعد أن أخذت الثورة التونسيّة أسماء عديدة مثل ثورة الياسمين وثورة الربيع وثورة الحريّة والكرامة ستحمل اسم ثورة المكنسة، لِمَ لا، لاسيما أنّها صادرة من قلب الشعب وأحد أولاده الأبرار. وإذا كانت ثورة الحريّة قد انطلقت من سيدي بوزيد المهمّشة فثورة المكنسة تندلع من نابل التي كنّا نتوهّم أنّها محظوظة فاتضح أنّها مهمّشة بنفس القدر الذي تهمّشت به سيدي بوزيد وربّما أكثر.

والحقيقة أنّ لثورة المكنسة الوجاهة الكاملة اليوم بعد كلّ ما لفظته بالوعات السياسة من أوساخ وأدران لا شفاء منها. فلقد تجاوزت الممارسات السياسيّة في البرلمان من بيع وشراء وسمسرة وسوء أخلاق ما رأيناه في المجلس التأسيسي. فما اعتقدنا أنّه فاصل إلى زوال اتضح أنّه الجوهر في العمل السياسي طالما أنّ عقليّة الكسب والإثراء غير المشروع واستغلال الصفة لتحقيق أرباح ومداخيل والبيع والشراء في مصالح الشعب هي دأب من انتخبهم هذا الشعب في مختلف المواقع ليزيلوا كربه فإذا بهم يغرقونه في وحل الفاقة والحاجة والبطالة والمرض وسوء الخدمات الصحيّة والتربويّة وغيرها وفيضان الأودية.

فأين العلاج؟ لا علاج إلاّ الكنس. فالكنسَ الكنسَ. وقريبا يكون للمكانس شأن في العالم يجعلها تتصدّر الشاشات وتسافر في الطائرات وتتزيّن بها فساتين الحسان وبدلات الفرسان. فأعدّوا مكانسكم لثورة المكنسة التي ستضع تونس في طريقها بعد تيه طويل.

* مصطفى القلعي: كاتب سياسي وباحث أكاديمي

L’image contient peut-être : une personne ou plus, personnes qui marchent et plein airL’image contient peut-être : une personne ou plus, personnes debout, personnes qui marchent et plein air