معاد الجحري


اتفاقية إطار مع أم الوزارات لدعم التمدرس ومحاربة الهذر المدرسي:
إضاءة من أجل الفهم.

1) وقعت كل من وزارة الداخلية ووزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي اتفاقية إطار بشأن “دعم التمدرس ومحاربة الهذر المدرسي”. تم هذا يوم 19 شتنبر 2018 ، بين الوزيرين المعنيين، عبد الوافي لفتيت وسعيد أمزازي بحضور الملك ما يعني طبعا أن الخطوة تعتبر تجسيدا للمنظور الرسمي للدولة وتحظى بمباركتها. أما المناسبة، فهي انطلاق المرحلة الثالثة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية 2019- 2023 والتي تدخل ضمن اختصاصات أم الوزارات، وزارة الداخلية، وستركز حاليا على محاربة الهدر المدرسي والرفع من المعيش للفئات المهمشة أي محاربة الفقر.
2) تهدف هذه الاتفاقية إلى “دعم التمدرس ومحاربة الهذر المدرسي لدى الأطفال المنحدرين من أسر معوزة وخاصة بالأوساط القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص” وذلك من خلال:
– دعم التعليم الأولي عبر توسيعه وتجويده وإحداث وتأهيل بنيات الاستقبال وتأهيل المربيات/ين.
– تحسين ظروف التمدرس بتوفير وتجويد خدمات الإيواء والإطعام (خاصة دور الطالب(ة) والمطاعم المدرسية) ودعم الأنشطة الموازية.
– توفير النقل المدرسي.
– تعزيز الدعم التربوي (دروس الدعم والتقوية واللوازم التربوية)
– إرساء آليات التوجيه والإرشاد.
3) وبمقتضى هذه الاتفاقية، تلتزم وزارة التربية الوطنية بتشخيص وتحديد الحاجيات وتوفير الموارد البشرية لكن في إطار منهجية وفلسفة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية. أما وزارة الداخلية فستعمل على المساهمة في تمويل المشاريع المبرمجة وتعبئة الشركاء وخاصة الجمعيات النشطة (تسميها الاتفاقية بالرائدة) في المجال، تحت يافطة الشراكة مع المجتمع المدني الذي يعد فاعلا أساسيا لتجسيد هذه الاتفاقية-الإطار.
4) إن الاتفاقية، بالرغم من الإشراف الشكلي للدولة، تعد في العمق تجسيدا لتملصها من مسؤولياتها باعتمادها وإقرارها لنمطين من التعليم (أو تعليم بسرعتين) واحد موجه للفقراء وآخر للفئات الميسورة. إنها تجسيد لدستور 2011 الرجعي الذي لا ينص على ضمان حق التعليم من طرف الدولة. فالفصل 31 منه يتحدث بالأحرى عن تعبئة كل الوسائل المتاحة من طرف الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات المحلية لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين على قدم المساواة من عدد من الحقوق من بينها الحصول على تعليم عصري وذي جودة ولا يتحدث عنها كحقوق مضمونة. لكن هذه المقاربة في نفس الوقت خيانة لهذا الفصل لكونها تكرس ضرب مبدأ المساواة في الحقوق بين كافة المواطنات والمواطنين.
فبدل من الرفع من ميزانية قطاع التعليم على الأقل بنسبة 5 في المائة سنويا كما جاء في الميثاق الوطني للتربية والتكوين نفسه وتحسين جودته وبالتالي القضاء على الهذر المدرسي وهيكلة وتوحيد التعليم الأولي ضمن القطاع العمومي وبإشراف تام من الوزارة الوصية يتم إخضاع الخدمات الموجهة لعموم الكادحين للمقاربة الاحسانية الأمر الذي يجعل من الحديث عن جودة تلك الخدمات مجرد خطاب إطناب اعتادت عليه الجهات الرسمية ويجعل من التعليم عاملا من عوامل إعادة الإنتاج على الصعيد الاجتماعي أي يحكم على أبناء/بنات الفقراء بصفة عامة بالبقاء في دائرة الفقر.
5) لقد فشلت المبادرة و.ت.ب في القضاء على الفقر فشلا مدويا. فالأرقام تشير إلى ارتفاع معدل الفقر ببلادنا من 41،8 في المائة سنة 2007 (أي سنتان بعد انطلاق المبادرة. و. ت .ب سنة 2005 ) إلى 45 في المائة سنة 2017، وحسب تقرير للبنك العالمي نشر مؤخرا فان نسبة المغاربة الذين يعيشون في الفقر والحاجة تساوي 60 في المائة. ولاشك أن مصيرها (أي المبادرة و.ت.ب) سيكون الفشل الذريع فيما التزمت به بمقتضى هذه الاتفاقية. فحجم ظاهرة الهذر المدرسي كبير بشهادة الأرقام الرسمية نفسها حيث وصل مجموع التلاميذ الذين غادروا المدرسة بالسلكين الابتدائي والإعدادي فقط، حوالي 222 ألف موسم 2017- 2018 هذا دون الغوص في تعقيدات التعليم الأولي خاصة بالنسبة للفئات والمناطق المستهدفة.
6) والحق فان تدخل وزارة الداخلية عن طريق المبادرة و.ت.ب في هذا المجال، دعم التمدرس ومحاربة الهذر المدرسي، ليس جديدا، فضلا عما تقوم به وزارة التربية الوطنية التي تتوفر على مديرية للتربية غير النظامية وحيث التعليم الأولي يعد جزءا من التعليم الابتدائي، ولكن النتيجة واضحة للعيان. فما الذي يمنع من تركيز الجهود كلها ووضعها في يد الجهة الوصية خاصة وأن الجميع على الصعيد الرسمي يتشكى من ضعف التنسيق بين القطاعات وكثرة المتدخلين وضعف الحكامة؟ ولماذا يتم إهدار المال العام بتفويت مثل هذه المهام الحيوية للجمعيات همها الأساسي في واقع الأمر كسب لقمة العيش وتقديم خدمات للأحزاب والمنظمات الملتفة حول المخزن بدل توفير الأطر اللازمة والقارة للسهر على تنفيذها تحت إشراف الوزارة الوصية على قطاع التعليم؟
7) هي أم الوزارات لا يشفي غليلها الاشتغال على الأمن والإشراف على الانتخابات من ألفها إلى يائها وفبركة الأحزاب، وممارسة الوصاية عل الجماعات المحلية، وتدبير ملف الاستثمارات محليا وجهويا والتدخل في ملف التعمير بل تتعدى هذا كله بمتابعة تنفيذ برنامج “راميد” والحوار الاجتماعي في بعض الأحيان وحتى برنامج مليون محفظة واستعمل أموال المبادرة الوطنية و.ت.ب (29,1 مليار درهم خلال العشر سنوات الأولى) والاستناد لجهاز قمعي عات للتدخل في ملفات البنيات التحتية وتوزيع الماء والكهرباء والصحة والتعليم…
الحقيقة أن التعديل الذي مس مهام العامل في دستور 2011 (الفصل 145) مقارنة بدستور 1996 (الفصل 102) باعتباره (أي العامل) ممثلا للسلطة المركزية بدلا من ممثل الدولة في الجماعات المحلية وأنه يعمل باسم الحكومة على تأمين تطبيق القانون… لم يغير من صلاحياتهم الضخمة شيئا، بل كان مناورة من الفريق الدستوري الذي أشرف على صياغة الدستور السادس لذر الرماد في العيون وإيهام الشعب المنتفض آنذاك بالتغيير من فوق.
أم الوزارات، الأداة الضاربة للمخزن ويده الطولى، إنما تهدف من خلال هذه الاتفاقية توفير إطار شرعي لتوسيع مجال تدخلها وبالتالي توسيع القاعدة الاجتماعية للنظام القائم الذي تآكلت شرعيته وفرملة النضالات والحراكات الشعبية لسكان البوادي وسائر المناطق المهمشة. باختصار تعمل على إدامة الأوضاع القائمة. قبل التقديم لكتابه الشهير”إعادة الإنتاج” حرص بيير بورديو على نقل الرواية التالية ” قام القائد جونتان، البالغ من العمر 18 سنة، باصطياد طائر من طيور البجع ( pelican ) في جزيرة بالشرق الأقصى. وذات صباح وضع الطائر بيضة ناصعة البياض نتج عنها بجع يشبهه شديد الشبه. هذا الأخير وضع بدوره بيضة مماثلة نتج عنها بجع مماثل وهكذا قد يتكرر الأمر طويلا إذا لم لن نصنع من البيض عجة أي أومليت”

28 شتنبر 2018