الصفعة ومحكيات أخرى: الكتابة ضد الاحتمالات السيئة


حوار: زهير فخري (بيرغن)

الصفعة ومحكيات أخرى: الكتابة ضد الاحتمالات السيئة 

كمَا لوْ كانَت الكِتابة أشبهَ بحبَّة أسْبرين، يكتبُ الأستاذ عُمَر الفَحلِي، الناشِط الحُقوقي والمُعتقل السِّياسي السَّابق ليُخفف من سَطوة المِحن ويَتخفَّف منَ الآلام النَّفسِية، كما يَقول. الكِتابة بالنِّسبة إليهِ، سلاحٌ يشحَذه تحسُّبا للمآلات الصَّعبة والاحتمَالات السَّيئة وليُواجهَ به القهرَ وبهِ يحمِي الذاتَ منَ التمزُّق. الكِتابةُ هي درَّاجتُه التِي يَعبرُ بهَا الأزمِنَة: تقودُه بِالتذكُّر والحَنينِ والأشوَاق إلَى الماضِي، وبالحُلمِ والاسْتشرَاف إلَى المُستقبَل، وبالتأمُّلِ والإنصَاتِ إلى همسِ الحَاضرِ وصَخبهِ. ولأنَّ المُناسبَة شرطٌ كمَا يُقال، فإنَّ الدِّيوَان القصَصِي المَائِز “الصَّفعَة وَمحْكيَاتٌ أُخرَى”، الذِي أصْدرَهُ قبلَ أيَّام (وَعلَى نفَقتِه) الأسْتاذ عُمَر الفَحلي، كانَ دَاعياً إلى هَذا الحوَار الأوَّلي الذي يقدّمه مَوقع “أخبَار العَالم” إلى قرَّائهِ.

حوار: زهير فخري (بيرغن)

س:
كنت تكتبُ القصّة وتكتمُها. لمْ تكن تكترث للنّشر وكنا نتوَدّد لك كي تفعل، مع أملٍ أقلّ في أنك ستلبِّي هذه الرغبة. أنت الآن تكسِر قشرةَ البيضَة وتجتازُ مرحلة الكمُون. ما هو إحساسك وأنت تنشرُ ديوانكَ القصصِي أمامَ رُؤوس الأشهاد وتُتيح للقارئ إمكانيَة الاشتِباك معَ عوالمك؟

ج:
كما تحس – مع بعض الاختلاف – وأنت تقدم على ملامسة ماء البحر أول مرة.
لا أخفيك كما لا أخفي القارئ: شعور بالنشوة أولا فوقها طعم التخلص من ثقل جبل من المحن والآلام النفسية …
إشراك القارى الحقيقي والمفترض باعتباره العنصر الأساسي في عملية الكتابة ..
ثمة بون شاسع بين الكتابة والنشر. أتذكر الآن كم هي الأوراق التي مزقتها وأتلفتها دون قصد، لوحدها هربت وأنتظر من القارئ مساعدتي على استرجاعها…

س:
أول نصّ في ديوانك القصَصي هذا كُتب مندُ أزيدَ من ثلاثين سنة، في السِّجن، ثمّ بعدهَا تتالت نصوصُك القصَصية داخلَ السّجن وخارجَه. هلْ أقولُ إن ندَاء الكتابة جَاءكَ من السّجن، أم أن الأمرَ يتعلَّق بحاجَة مَا، موضُوعية أو ذَاتية؟

ج:
كلاهما معا:
النداء من السجن وأتمثله كغريق يطلب النجدة، لامست رجلاه ماء البحر، بدأت النشوة تصعد الى الدماغ، لكن الجلاد كان له بالمرصاد فارتفع صوت النداء، إذ من المستحيل أن تحضر الحاجة الموضوعية وصفعة الجلاد ترقب الدواخل ..
بدأت الحكاية من درب مولاي الشريف لماكانت حاجة الجلاد في استحضار شخوص آخرين لملء المزيد من الملفات وتصوير وضع البلد وكأنه في خطر لابد من حمايته؟!
ستظهر الحاجة الموضوعية إلى الكتابة باعتبارها سلاحا لمواجهة القهر وحماية الذات من التمزق. تجارب الرفاق مختلفة في المواجهة ضدا على القهر وحماية لروح الإنسان ..

س:
ليست كلّ قصصِك المَكتوبة داخلَ السّجن مُكرَّسة لهذا الفضَاء وما يمُور فيه. قصّة “العبادلة” مثلا مشغولةٌ بالخارج، بماضِي السارد/ البَطل الذي يَستذكِر ويسْترجع زمنَ القرية والمزرعَة والناس والغابة والثعَالب والأرانب والحَجل… وقصّة “تلك الرائِحة” التي يصيرُ فيها البطل طائراً يجوبُ الآفاق بحثاً عن أثرِ أنفاسهِ وأنفاسِ “الجميلةِ ذاتِ الجسدِ البَضّ النّاعمِ والرائحَة العَطِرة”، ولا يكترِث للرّفاق الذين يريدُون ثنيَهُ عن ذَلك. كيفَ تفسّر اسْتيهامَاتِ البَطل وإصرارَهُ عَلى أحْلام لنْ تتحقّق؟

ج:
غريب أمر السجان والسجين:
قصة العبادلة كتبت في سجن (لعواد بالقنيطرة) في اليوم الرابع من الإضراب عن الطعام .. لم يكن معي في الزنزانة سوى يوسف إدريس، لا أدري كيف حضر .. تأبطته خيرا وأخرجني إلى قريتي “سيدي الزوين” حيث المكان الذي تدور فيه أحداث القصة (كانت مشروعا لقص مطول) ماء ممزوج بقطعة سكر وقلم رصاص مهرب وأوراق مدني بها سجان ( ؟؟) ربما أدرك أنها حاجتي الموضوعية لحظتها، إحساس طفل وهو يرضع ثديي أمه ويبتسم ..
ورائحة المرأة؟! زوجتي الحبيبة في أول زيارة مباشرة …
ليس من السهل عليك أن تستعيد رائحة الأنثى، افتقدتها لمدة، ومن الصعب على الجلاد أن يمنع عنك شم أنفاس الأنثى في الزيارة المباشرة. إنه مطلب استشهد من أجله مناضلون ومناضلات…

س:
اِخترْتَ قصّة “الصَّفعة” عنوَاناً لدِيوانِكَ القصَصِي. لمَاذا هذهِ القصّة بالذَّات؟ مَا الذي يتوفّر فِيها ويَنتفِي في سِواهَا؟

ج:
كانت بردا وسلاما ؟!
وأنت تتلقى الصفعة من صديق أهون من أن تتلقاها من يد حديدية.
صفعة (فيلا) التعذيب في مراكش وأسلاك الكهرباء في المناطق الحساسة من جسم الإنسان لايمكنك على الإطلاق نسيانها. حضورها الدائم رغم مرور زمن طويل على تلقيها يجعلك تتشبث بها كعنوان يلخص نداء التحرر، إخراجها لم يتأت إلا في حضرة مبدعين شباب في لحظة إبداعية رائعة وبتشجيع منهم طبعا؛ لمدة يومين أكتب وأضحك، ولما أنهيت الكتابة نمت 12ساعة متتالية…

س:
في قصّة “الطّفل والدَّراجة” يتحرّر “ولد السِّي العربي” مِن جلبَابهِ الصُّوفي ويُلقي بنعلهِ ويجري صوبَ حانوت “اخلِيفة السِّيكليس” لاكتراءِ دراجة وتحقيقِ حُلم الليلة الفائتَة. قلْ لِي أنتَ، خالِق هَذه الشخصيَّة، إلى أينَ قادَت الدراجَة “ولد السِّي العربِي”، هَذا الطِّفل الحَالم؟

ج:
وأين تريدها أن تقوده؟!
إلى عالم كان مجهولا بالنسبة إليه حتى وهو في أرذل العمر: رجل بزمنين، طفل يركب الدراجة لأول مرة في الحلم وبمجرد أن ينتظم السير، يحس بماء لزج ساخن بين فخذيه، طفل ينكح دراجة (الطفل الذي نكح الدراجة) العنوان الأصلي للقصة، تم تغييره تحت ضغط تيمة “الاخلاق”(؟!).
مايزال “ولد السي العربي” رهينة ثقافة الطفولة رغم صداقته لثقافة الأنوار وماترتب عنها…

س:
تدفّقتْ، قبيْل نهَاية الألفِية الثانيَة، الكتابَاتُ الأدَبية عن ما يُسمّى في القامُوس السِّياسي المَغربي ب”سَنواتِ الجَمر والرّصَاص”. وقد كانَت في مُجمَلها سُروداً طويلةَ النّفَس: رِوَاياتٍ وسِيَراً ذاتِيةً وَغَيريّة (بغضِّ النّظر عمَّا يُقال عن قيمَتها الفنِّية). أنت كسَرت ترَقُّبَ المُتتبِّعين وَخرجْت على النّاسِ شاهِراً دِيواناً قصَصياً رَفِيعاً تَرتبِط بعضُ القصَصِ فيهِ بفضاءِ السِّجن لكنّها قَصصٌ مُكثّفة ومُكتفيَة، تُشيرُ وتلمِّح وتُضمِر وَلا تُظهِر، تتخفَّفُ منَ التفَاصِيل وتشْغلُ قارئَهَا وتدعُوهُ إلى قرَاءة صَمتِها شأنَ أيِّ عَملٍ إِبداعي راقٍ… هلْ تُفكر بعدَ هذا في تلبيَة رَغبة القرّاء في نصٍّ سرْدي طويلٍ يَقرؤونَ فيهِ تفاصِيلَ تجربَةَ الألَم كما عِشتَهَا فِي الإقامَة القسْرية بعَددٍ من سُجون المَغرب؟

ج:
ولم لا؟
لكن هذه المرة بنفس متحرر من التكثيف كما كنا نكثف الدجاج بعد اعتقاله من خمه، سأقشر البيضة بنفس طويل وأنا أستحضر زمن الرصاص وزمن الطفولة ومحكيات أخرى أشد وأقوى ….. حتى ولو كان ذلك في ليلة واحدة فقط ؟!