افتتاحية:


المغرب في مفترق طرق نضالي جديد

في تشخيص الوضع القائم بالمغرب يلتقي المراقبون الذين يتمتعون بحس نقدي وباستقلالية كبيرة أو نسبية عن الدولة في الحكم بأن المستقبل السياسي تكتنفه سحب والرؤيا مضببة لا تسمح بالتعرف على ملامح الغد. يعتمدون في تشخيصهم على خلاصات المنظمات والمراصد الاستراتيجية الوطنية والعالمية والتي ترتب المغرب في ذيل لائحة الدول فيما يتعلق بمؤشرات النمو الاجتماعي والاقتصادي وجودة الحياة والاستقرار النفسي أو الشعور بالاطمئنان والسعادة.
من هذا التشخيص وعلى أساسه تصدر مواقف تنادي أو تدعو إلى انقاذ البلاد أو تجنب الانفجار الوشيك. لكن هذه الدعوات تبقى بدون مفعول أو لا تسمع لأن الكتلة الطبقية السائدة تعتبر أنها متحكمة في الأوضاع وفي يدها وسائل تدخل حاسمة وناجعة وهي أولا بعد خفوت حركة 20 فبراير والتي كانت تهدد بجعل كل مناطق المغرب نقاط ساخنة في نفس الوقت مما يشتت ويضعف تدخل القوات الأمنية ويفقدها القدرة على إطفاء وقمع الحركات الاحتجاجية بل يمكن لأي تدخل عنيف أن يؤجج الحركة أكثر؛ والعامل الثاني هو تفاقم تشرذم صفوف القوى المعارضة، بل ظهرت عناصر سياسية تسعى الى ارباك هذه القوى وتمنع وحدتها في الحركات الاحتجاجية، وتحصر توسيع تلك الحركات أو انبعاث حركة مثيلة لحركة 20 فبراير.
إن نجاح الدولة في توظيف العاملين المذكورين أعلاه نجاح حقيقي ونتائج ذلك لا تحتاج الى كثير من العناء في التحليل أو التشخيص. لكن الذي وجب التأكيد عليه هو أن هذا النجاح ليس إلا مؤقت ومحكوم بالانحصار ثم التوقف لكي يتحول بدوره الى عامل انتاج الزخم المفقود للحركات الاحتجاجية المستمرة.ربما تطلب هذا الزعم شيئا من التحليل والبرهنة حتى لا يصبح انطباعا ذاتيا أو فقط رؤيا حالمة.
إن المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة من طرف الدولة في رسم سياساتها المالية والاقتصادية والاجتماعية تبرهن على أن الدولة لا تمتلك الوسائل المالية من أجل تلبية المطالب المستعجلة في الشغل والصحة والتعليم وباقي الخدمات الاجتماعية.إنها ليست لا تمتلك ذلك فقط، لكنها أيضا عندما تريد سلك طريق المزيد من الاستدانة وجلب الهبات، تجد نفسها إما صعوبات قاهرة ولم تعد متاحة كما في السابق. لذلك لن يبقى امام الدولة إلا تصعيد المواجهة وقمع الحركات الاحتجاجية والإقدام على خطوات تصعد من أسباب الاحتجاج والاحتقان خاصة وأن خطاب الديماغوجية أو التلهية ونشر الوعود الكاذبة لم يعد له كبير تأثير وسط المواطنات والمواطنين المتضررين. أما الشق الثاني من خطة هزم الحراكات الشعبية والمتمثل في تصعيد الفرقة وتشتيت صفوف القوى المعارضة فقد برزت مستجدات تشكل بدايات الرد عليها ويمكن تلخيصها في عاملين اثنين وهما:
أولا، هذه الظاهرة الصحية التي برزت في حراك الريف وجرادة وفي حالات أخرى وهي المبادرة لبناء التنظيمات الذاتية للحراكات الشعبية عمودها الفقري الشباب الذي سبق له أن تمرس في الجامعات أو في منظمات وتنسيقيات مناضلة للمعطلين، وكان للعديد منهم ولا زال ارتباطات مع القوى المناضلة المنظمة؛ إن بناء هذه الأنوية تعتبر الرد السليم عن حالة الترهل أو الهامشية للقوى المناضلة. ولذلك لم يعد أمام الأحزاب والمنظمات السياسية التي تدعي أو هي فعلا من مكونات الصف النضالي إلا الثورة على أوضاعها والالتحاق بركب الحركات الاجتماعية.ان عملية الفرز باتت اقوى من اي وقت مضى وبدأت تنفضح كل العناصر أو التيارات المخربة للصف النضالي الوحدوي تحت اي مبرر وباتت الاصابع تشير الى النوايا والأهداف لأصحاب تلك النزعة اليمينية التي تريد تقزيم الحركات الاجتماعية مقابل حصولها على المقابل في التسويات المرتقبة.
ثانيا، إن اللحظة بالنسبة للقوى المناضلة الصادقة هي لحظة نقذ سلاح التنظيم. إنها لحظة الوقوف على مكمن الاختلالات سواء في الفهم والتشخيص أو في ابتكار الوسائل والطرق. لذلك نعتبر نحن في النهج الديمقراطي أن المرحلة تتطلب الاسراع في بناء الحزب المستقل للطبقة العاملة بإعتباره المعبر عن المصالح الآنية والإستراتيجية لهذه الطبقة؛ وكلما تقدمنا في هذا الانجاز العظيم، كلما اكتسب شعبنا القيادة الطبقية المنسجمة والتي لن تتنازل عن تحقيق الاهداف المجهضة في مسيرة شعبنا المكافح. فإذا افتقدت حركة 20 فبراير لهذه القيادة الجذرية والصادقة فإن الحركات الاجتماعية المقبلة ستجد الناظم والموجه لها وستجد من يبني الشرط الذاتي حتى تتحول الازمة الموضوعية الى ازمة منتجة للحلول التاريخية التي ناضلت وضحت من أجلها أجيال كثيرة من شعبنا، بدل إطلاق دعوات الإصلاح أو التحذير من الانفجار أو الدعوى لإنقاذ وضع غير قابل للانقاذ.


صدر العدد الجديد 285 من جريدة النهج الديمقراطي